نقطة ضوء على رأي مظلم لـ (الأهرام)

تاريخ النشر: 28 أغسطس 2003 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

كاروان أنور* 

ليس من المستغرب جدا أن تخرج صحيفة الأهرام، تلك الصحيفة الموقرة ذات العمر المديد عن صمتها المطبق وتعطي رأيها حول ما يجري الآن في العراق وليس ما جرى سابقا، لأن المساس بتاريخ العراق وجرائم صدام عند الأهرام وبعض الصحف العربية الأخرى هو من باب الكفر والإثم والكبائر.. فسابقا وفي نظر الأهرام وزميلاتها لم يُقتل أحد في العراق ولم يُسجن أحد ولم تجر عمليات الأنفال والمقابر الجماعية وضرب المدن بالاسلحة الكيمياوية وعمليات الجينوسايد بحق الكرد والشيعة والشيوعيين والاسلاميين والليبراليين الأحرار والتركمان وبقية الاعراق والمذاهب، وانما كان العراق جنة الله على الارض وأرض المساواة والعدالة والبلد اليوتوبي الذي تم فيه توزيع خيراته بشكل متساوٍ على جميع فئات الشعب العراقي.. 

أليس كذلك يا (الأهرام)؟  

فمن يقرأ رأي صحيفة الأهرام ليوم الاثنين 25/8/2003 يشعر وكأن العراق كان جنة واصبح جحيما منذ تحريره من دنس البعثيين، تكتب الأهرام بعنوان بارز ولغة لا تشبهها اية لغة صحفية كأن التصعيد الخطير للتوتر بين التركمان والاكراد كانت حربا ضروس وقتلت فيها آلاف العراقيين، حيث لم نر هذه اللغة الصارخة للأهرام منذ سنين طوال الا ذلك اليوم الذي قررت أن تقول مالا يقال عن تزييف الحقائق واظهار الروح العنصرية بحق شعوب العراق كافة.. فقبل أن ارد عن جمل وعبارات تلك الصحيفة الموقرة اود ان استذكرها بان ارواح العراقيين عند العراقيين انفسهم اغلى من كنوز الدنيا ومن يذرف لنا فجأة دموع التماسيح فنخبره بان العدد الذي كان يُقتل منا في يوم واحد من ايام حكم صدام حسين يضاهي ما يُقتل منا خلال اشهر بل وسنة وما اغلى أرواحنا عندنا نحن العراقيون أيتها الأهرام.. 

فاللعب على حبال توتير اجواء السلام والمحبة بين العراقيين ورقة تلعب بها القاصي والداني، والا كيف تنطق الأهرام بهذه اللغة الشاعرية الجميلة عن التركمان، اما كان الاكراد والتركمان والعرب الشيعة وبقية الاقليات الأخرى عراقيين وقُتل منهم أكثر من مليون انسان دون القتلى في الحروب، فلم تكتب الأهرام حرفا واحدة؟؟ 

فرأي الأهرام يقول ان محاباة الاحتلال للاكراد هي على حساب العرب والتركمان، ولكن اي محاباة هذه التي لم تفرق يوما بين الكرد والعرب والتركمان منذ تحرير العراق!! وان لم تكن نية الأهرام فيها غرض، فكل ما هنالك هو تمتع المنطقة الكردية بالامان والاستقرار وهذا ما ادى الى تعكير مزاج من يعطف على الصداميين وليس العراقيين وهذه المساواة التي تتحدث الأهرام عن تطبيقها، بالفعل هي للمرة الاولى في تاريخ العراق منذ تولي البعث زمام االسلطة فيها، نرى أنفسنا متساويين في الحقوق والواجبات والمواطنة، نحن اليوم عراقيون وليس لنا تدرج في المواطنة كما كنا سابقا، فغير العربي وغير السني من العرب ايضا كانوا مواطنين من الدرجة الثانية والثالثة، ولكن أليس من الغريب ان رأي الأهرام لا يعجبها المساواة بين العراقيين بل يريد الجزء يأخذ والأغلبية تنظر كما كان أيام حكم البعث.. 

أليس كذلك يا الأهرام؟؟ 

اما هذا الرأي الذي عبرت عنه الأهرام بان (ادارة الاحتلال تريد زيادة الفرقة بين العراقيين وزيادة النزاعات) فهذا ما لا يقبله العقل والمنطق السديد والحكمة لأن الاحتلال كما تسميها الجريدة الموقرة أحوج من غيره الى الوئام والسلام والأمان بين صفوف الشعب العراقي وكان من الاجدر للأهرام ان تحتفظ بهذا الرأي اللا عقلاني لنفسها ولا اعلم كيف نطقت بهذه الحروف التي لا تؤمن الأهرام نفسها بمصداقيتها؟؟! 

اما بخصوص (الاضطهاد الذي يوقعه الاكراد بحق العرب والتركمان) فهذا غبن وظلم وافتراء كبير من قبل الأهرام التي لا مراسل لها في كركوك فمن أين استقت تلك المعلومات الزائفة؟ لا شك من جعبة المحرر الذي كتب هذا الرأي واتضح فيما بعد الخطوط الفكرية العريضة للأهرام، والا لما كان ينشر في زاوية رأي الأهرام .. 

فهذه المدينة التي لا جدال في الاخاء والمحاباة بين سكانها هي التي جعلت من الأهرام وغيرها ان تغلق عينيها امام الحقائق، والحقيقة هي ان ثلة من فدائي صدام والبعثيين كانت وراء تلك الاضطرابات الاخيرة وتم القبض عليهم ونتائج التحقيق تظهر عاجلا أم آجلا، وعلى الأهرام ان تعرف هذه الحقيقة وإن لم تكشف عنها فلتحتفظ بها لرأي آخر اكثر منطقية من رأي يوم 25/8 . 

لا اريد الاطالة ولكن اقتبس سطرا من ذلك الرأي الذي كان الصمت عنه اجدر من البوح به ليكشف حقيقة الأهرام للعراق والعراقيين فتقول: (وليس ادل على انتهاج قوات الاحتلال لسياسة تمزيق العراق طائفيا وعرقيا من تكوينها لما يسمى بمجلس الحكم الانتفالي على اسس طائفية، وعلى تعمدها التنكيل بالعرب السنة في تكوين ذلك المجلس باعطائهم 16% من عدد مقاعده...). 

هنا يظهر الخيط جليا، فعبارة (لما يسمى) كفيلة بكشف جميع الاسرار والخبايا والضليع في اللغة يعرف معنى هذه العبارة جيدا، اما التنكيل بالعرب فهذا مربط آخر، وانما الأهرام تعتبر السنة فقط من العرب أو ليس الشيعة من العرب أيضا؟ 

فظهرت العنصرية المذهبية الأهرامية وما يريده هذا الرأي الأهرامي هو الحكم للعرب، شرط ان يكون للسُنة، وان كانت السنة اقلية مقارنة بالشيعة، فتبكي لنسبة مقاعد العرب السنة!! وإن كانت الأهرام على يقين بأن العرب الشيعة هم الغالبية الساحقة للتكوين السكاني العراقي. 

وكان هذا هو الهدف من وراء كتابة هذا الرأي حيث ابتدأ بالمظالم والغبن بحق الاكراد وانتهى بالبكاء على العرب السنة.. وانكشف الخيط والعصفور في تلك الزاوية الصحفية وإن كان الكلام من فضة فالسكوت من الذهب. 

فأي منكم يريد تقسيم العراق طائفيا؟  

أنت ايتها الأهرام أم قوات التحالف أم (ما يسمى) بمجلس الحكم؟؟؟ 

فالعراق هو العراق بأهله ومواطنيه وساكنيه، لا نعلم ما هو دخلكم انتم ايها الغرباء، أفلا تسكتون على اكوام مشاكلكم وتتركونا في حالنا، فوالله لولاكم لما آل العراق الى ما هو عليه اليوم، فوالله لا ترون عودة صدام حسين وزبانيته للحكم مرة أخرى والى الابد، فمن يبكي على الحسين وهناك ألف من يبكي على الهريسة. 

اذن فاتركوا العراق للعراقيين. 

*كاتب وصحفي من كردستان العراق