الخليل – باسل الطروة
عباس زكي (أبو مشعل) عضو المجلس التشريعي الفلسطيني، وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح يعتبر واحدا من أكثر الرموز الفلسطينية صراحة ومن أكثرها جراءة في التصدي لمظاهر الترهل في صفوف السلطة الفلسطينية، و"أبو مشعل" هو واحد من الرعيل الأول لحركة فتح الذي بقي ينتظر وما بدل يوما بندقيته ولا مواقفه، وبقي دائما قريبا من نبض المواطن الفلسطيني البسيط متحسسا وجعه في الملمات والمسرات.
عباس زكي المواكب لنضال الشعب الفلسطيني وأحد صناع قراره، تحدث لـ"البوابة" من مدينته خليل الرحمن، بصراحة ووضوح عن المرحلة الخطيرة التي يمر بها الشعب الفلسطيني ومجمل المنطقة، ولم يشأ أبو مشعل أن يقول الكلام المكرور، فقد فتح لنا قلبه وعقله وتحدث في كل ما يشغل بال المواطن الفلسطيني، وقياداته وكوادره الميدانية.
وكان هذا الحديث الذي نترك فيه للقارئ الحكم:
عباس زكي: آن الأوان لنقول كل شيء.. الناس مستاءة من الشخوص والنصوص ومرضى النفوس!
أتوقع هزيمة نكراء لشارون
ياسر عرفات سهل ممتنع له تاريخ وكريزما لا يمكن إلا أن تنتصر.
إن الله اختار شعبنا ليبقى وينتصر.
إبقاء رجال الاسترخاء.. رجال طوارئ.. كارثة علينا وضرب لتوجهات الانتفاضة.
باعتقادي أن ذكرى 15 أيار التي وحدت شعبنا ستعيده مجدداً إلى الخندق الواحد المتقدم. يصعب على أي خبير رسم ملامح المنطقة لأن العقل الإسرائيلي في إجازة !!
أليست جريمة بحق هذا الشعب أن يكون المطلوبون فيه مئات فقط كوطنيين والمحاصرين نوعيات معينة؟
الشعب الفلسطيني يقرأ جيداً، ويعرف جيداً أيضا الطحالب التي تنمو على ضفاف هذا الدم العظيم.
ارتفاع في وتيرة العدوان
* كيف تقرأون الخارطة السياسية والأمنية للمنطقة في هذه المرحلة التي تشهد ارتفاعاً متزايداً في وتيرة العدوان الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني؟
ـ أعتقد أننا في أخطر وأصعب التعقيدات، خاصة وأن المنطقة تعيش الآن تجدد نشاط الحركة الصهيونية بوصول المتطرفين بزعامة شارون إلى الحكم، وأيضا بعدم وجود إجراءات عملية ملموسة للإجماع العربي، الذي – وللأسف- عقد في ظل المذبحة التي ترتكب بحق شعبنا الفلسطيني مؤتمرين للقمة في القاهرة وعمان دون أن يكون هناك ما يقنع إسرائيل بوجود طرف آخر في المعادلة، وبالتالي فإن المنطقة الآن على أبواب أخطار حقيقية، واحتمالات ومفاجآت قد تكون غير سارة بحكم التصريحات التي يطلقها الإسرائيليون، والتي تجاوزت حدود فلسطين، مثلاً تصريحات رحبعام زئيفي صاحب نظرية الترانسفير وشارون نفسه وليبرمان الذي ينادي بإعادة احتلال مؤقت لتدمير البنى التحتية للسلطة، عوفاديا يوسيف الذي نعت كل العرب بأنهم أفاعي وأن الله نادم على خلقهم ، لضمان العمق الأمني للمستوطنين في قلب مدينة الخليل، وهذا مضحك بطبعه خاصة عندما يتذكر الإنسان كيف أن الصواريخ العراقية وصلت إلى قلب تل أبيب، فهم حقيقة لا يعيشون مفاهيم عصرنا الحاضر بل يعيشون أيديولوجيا معادية تماماً، وعنصرية تجاوزت هذا الوصف وهذه الأيديولوجيا تجلت في تصريحات عوفاديا يوسيف اضرب على كيفك العرب بالصواريخ.
عملياً المنطقة تعيش حالياً أزمة حقيقية، أزمة إرادات، أزمة قيادات وأزمة قرارات وحتى أزمة مصداقية. وفي هذا الوضع فإن الأمور تسير نحو المجهول باعتبار أنه إذا أعادت إسرائيل الأمور إلى نقطة الصفر أو المربع الأول فيخشى أن ندخل إلى دوامة عنف وتدمير وقتل قد لا نخرج منه من المحيط إلى الخليج وليس في هذه المنطقة وحدها.
الوضع شديد التعقيد بحيث لا يمكن لأي خبير في المنطقة أن يرسم الملامح خاصة وأن العقل الإسرائيلي في إجازة، وهذا أمر مؤسف بطبيعة الحال. أبعد ما نكون عن السلام.
* هل معنى ذلك أننا في هذه المرحلة وفي المستقبل القريب، أبعد ما نكون من احتمالية عودة عملية السلام إلى مسارها الطبيعي؟
ـ لا شك أنهم يريدون سلاماً على طريقتهم وبلاءاتهم المشهورة والتي برزت في الاجتماع الأخير للحكومة الإسرائيلية في مستوطنة "عوفره"، هذه المستوطنات التي لا تعترف بها الشرعية الدولية وكذلك الولايات المتحدة الأميركية التي تغير موقفها كثيراً في ظل إدارة بوش الابن، فمثلاً بوش الأب كان قد ربط ضمانات القروض بوقف عمليات الاستيطان ولكن في تغيير مفاجئ بدأ ابنه يرحب بالمستوطنات في عهده حتى أنه يجيز لشارون أن يعقد اجتماعاً لحكومته في مستوطنة وهذا دليل على أن ذلك ليس إلا نواة لدولة المستوطنين القادمة والتي هي أيضا دولة مستعمرات في الأساس لأن مصطلح مستعمرة هو المصطلح الأصح في حالتنا، وهنا ما أقوله أن هناك فرقاً شاسعاً جداً بين المفهوم الفلسطيني للسلام الذي يلبي طموحات الشعب الفلسطيني وحقوق شعبنا وبين الإملاءات التي تريدها إسرائيل، إلا إذا كان هناك بالفعل جهد فلسطيني موحد وقرار شديد الوضوح يستطيع أن يقف في وجه الإسرائيليين ويسقط شارون وفي هذه الحالة لن يستطيع أي رئيس حكومة جديد إلا أن يأتي ببرنامج سلام أو بتحضير السفن لنقل الإسرائيليين من المنطقة لأنه ثبت فعلياً أن كل من تعاقب على الحكم في إسرائيل بهدف الحسم بالدبابة والمدفع قد فشل، وبالتالي أتوقع هزيمة قريبة نكراء لشارون على غرار هزيمة ديان في الكرامة وهزيمته نفسه في لبنان، وإما إن يكون هناك قناعة من المجتمع الإسرائيلي بضرورة كبح جماح التطرف وإعادة شارون إلى جادة الصواب وهذا أيضا ليس بالأمر السهل. فحجم التراجع الإسرائيلي يتوقف على حجم القدرة والقوة الفلسطينية وبخاصة العربية وتفعيلها في هذا الاتجاه.
إبداعات الانتفاضة الأولى
* الانتفاضة الفلسطينية تقترب من دخول شهرها التاسع.. فهل تعتقدون أن هذه الانتفاضة حققت شيئاً من أهدافها خلال الفترة الماضية؟
ـ لا أعتقد أنها حققت شيئاً من برنامجها سوى أنها أعادت إلى الأذهان أن مسرحية السلام كانت ذر الرماد في العيون وأن عيوب هذه العملية قد باتت واضحة باعتبار أنه لم يعد هناك قيمة لشيء في هذا الوطن. فحتى القيادة العليا صودرت وبدأوا يتعاملون معها كالدهماء كما صودرت حياة الإنسان الفلسطيني حتى الأرض أصبحت في وضع مؤلم، بحيث يستطيع الإسرائيلي أن يتحرك في أي اتجاه ويفعل ما يريد. باختصار كل شيء مصادر ويخضع للمزاج الإسرائيلي ومن هنا أقول أن هذه الانتفاضة ما زالت كالذي ينحت في الصخر. فسبعة شهور كانت كافية لأن يجري انتقال نوعي في حياة شعبنا الفلسطيني من حيث الوحدة والأداء والزخم وتراكم الإنجازات وإرسال أبلغ الرسالات إلى العقل الإسرائيلي بأنه ليس بقتل 500 يمكن أن تقتل إرادة شعب، فللأسف حتى هذه اللحظة لا توجد قيادة موحدة للانتفاضة ولا توجد فعاليات مدروسة ومنسجمة ومتفقة في جميع أنحاء الوطن.
لا تركز هذه الانتفاضة وبصراحة على مسألة مركزية لحسمها مثل التواصل الجغرافي مثلاً أو كنس المستوطنات، ويجب العودة بالذاكرة إلى انتفاضتنا الكبرى حيث كنا نركز على مراحل وجدولة زمنية دقيقة وحيث كان هناك العديد من الإبداعات الفلسطينية في فنون المقاومة كما وكان هناك برنامج التضامن الاجتماعي والتكافل الأسرى حيث كانت على سبيل المثال المواد الغذائية وكيس الدقيق توضع أمام المنزل ولم تصبح مجالاً للبروزة وأن الشعب محاصر، فكل من لديه امتيازات يكون قد خرج من دائرة الشعب، ومن هنا أعتقد أن هذه الانتفاضة بدأت بإرسال صيحة بأن هذا الشعب لن يستكين ولن يستسلم أو يقبل بالذل والهوان، وإذا كانت إسرائيل تعتقد أن مزيداً من أصحاب رؤوس الأموال والإقطاعيين المتنفذين في هذه السلطة يمكن أن يضروا بهذا الشعب وحقوقه فهي واهمة لأن هذا الشعب يقرأ جيداً وكل صباح يسأل نفسه ماذا قدم لفلسطين.
الطحالب التي تنمو على ضفاف هذا الدم العظيم، إن هذا الشعب سوف يحاسب إن آجلاً أو عاجلاً فهو يعرف من تتراكم عليه الديون ومن يلعب بالأموال في ظل حالة طوارئ فلسطينية.
إن هذه الانتفاضة ستتجذر وستستمر وهي قد شكلت فعلاً قارب نجاة للسلطة الفلسطينية لتستر عورات أوسلو لذلك إذا لم تستجب السلطة بوضع برنامج نضالي يرتقي إلى مستوى الانتفاضة فأعتقد أن هناك وضعاً خطيراً.. إذ لا يجوز للقوى الوطنية والإسلامية أن تكون في واد وآخرون في واد آخر.
كان يجب أن يكون هناك في مرحلة الطوارئ اقتصاد طوارئ، وسياسة طوارئ وأخلاقيات وطوارئ وليس الاسترخاء والعمل المبهم الغامض الذي يمكن تحليله في أكثر من اتجاه. من هنا باعتقادي إننا بحاجة إلى جهد كبير كما وأعتقد أنه في مرحلة الهبوط والضبابية في الرؤية التي انعكست علينا في هذه المرحلة ومن خلال انكفاء الأشقاء وانهيارات قيمية وعسكرية في العالم كله أعتقد أن المدة طالت ليقظة حقيقية وصحوة حقيقية تجسد ما معنى شعب منتفض ودم يتدفق وانتفاضة تتجدد.
ومن المؤسف جداً أن نسمع فقط أن المشكلة ياسر عرفات أو الطيراوي أو دحلان، أليست جريمة بحق هذا الشعب وأجهزته أن يكون المطلوبون فيه مئات فقط كوطنيين؟ والمحاصرين نوعيات معينة؟ أليس عيباً أن المجلس التشريعي المشرع في هذا البلد يمنع من حضور جلساته مروان البرغوثي وعباس زكي وتقبل هذه المعادلة؟ ليعلم الجميع أن من يفكر أنه بمزيد من الاغتيالات لنشطاء الميدان يمكن أن تصل إسرائيل لمن يساوم ويقايض فهو مخطئ. ياسر عرفات سهل ممتنع وله تاريخ وكريزما لا يمكن إلا أن تنتصر! وبالتالي فإن كل الأعداء وكل من أحاطتهم به أميركا وإسرائيل من قيادات لن تكون إلا دمى في ساعات الحرب الحقيقية.
على شعبنا أن يهتم الآن جيداً بذاته فالذات هي الأساس ويجب أن لا تحدث هناك أية ثغرة في الجسم الفلسطيني.
وباعتقادي أن 15 أيار يوم النكبة السوداء، المأساة التي وحدت شعبنا ستلقي بظلالها على وحدة هذا الشعب وستعيده مجدداً إلى الخندق الواحد المتقدم وأن يعتمد شعبنا فعلاً سرعة التغيير النوعي في حياتنا الفلسطينية على نوع العمل المقبلة عليه إسرائيل.
إنني واثق تماماً أن إبقاء "رجال الاسترخاء"، رجال طوارئ، هو بمثابة الكارثة علينا وضرب لتوجهات الانتفاضة، وإبقاء الاقتصاد مختلفا عليه وليس اقتصاد حرب، هو أيضا كارثة، كما وأن تبقى هذه الدماء في انتظار إعانة من هذه الجمعية الخيرية أو تلك الجهة عيب وحرام، يجب أن تكون عندنا سياسة حزم البطون للجميع والنزول للميدان للجميع أيضا أو الانصراف جميعاً لإعطاء الولاء للوقائع الجديدة، وحاشا لله، أن يكون شعبنا الفلسطيني من هذا الطراز خاصة بعد أن تجددت إرادة الرئيس ياسر عرفات بعد كامب ديفيد والصحوة على الأخطار التي لحقت بنا من خلال تخلي العرب عن الخيار العسكري وأيضا وتقديمنا العمل السياسي على الكفاح المسلح الفلسطيني قبل أن تنضج الأمور بالشكل المطلوب.
نحن مقروءون والعالم العربي يعرفنا جيداً
يلاحظ أن شيئاً من الوهن قد أصاب الدعم العربي والإسلامي للانتفاضة المباركة في الآونة الأخيرة.. باعتقادكم ما هي الأسباب؟
ـ السبب أننا مقروءون تماماً، الواقع العربي يعرفنا جيداً وكذلك الواقع الدولي فنحن لم نتغير ولم نغير، لم نشعرهم بخطورة الأوضاع بحيث بقيت الناس كما هي مكرورة، نفس الوجوه، فعندما تنظر على سبيل المثال إلى اجتماع ما يسمى بالقيادة الفلسطينية، تجد أمامك ياسر عرفات فتشعر أنه أمامك تاريخ، يجب أن تتم إجراءات تغيير فورية في ظل التغيير. منذ محمد الدرة فقد غيرت إسرائيل فكان من اللازم أن نأتي لإسرائيل بعقلية جديدة ونحن بحاجة أيضا إلى دراسة عربية وإسرائيلية وأميركية.
كل العبء الآن على رأس ياسر عرفات فإذا كان هناك ثورة فهو يقف خلفها وإذا كان هناك سلام فهو يقف خلفه، ولذلك الضغط العالمي الآن أصبح على الرئيس ياسر عرفات لأنهم لا يعتقدون أنه هناك رجالات حوله قادرة على أخذ القرار في أي شيء والمقررون في الميدان يستخفون بالعديد من الذين يشغلون مواقع مسؤولة. من هم الأكثر حيوية في هذه القيادة؟ نجد أنهم إذا تحدثوا في الإعلام لا يعجبك إلا القليل منهم وكذلك إذا تحدثوا في الأخلاق والتاريخ والنضال فلم تبق هذه الأحمال الباهظة والإحاطات الكثيرة في مرحلة يجب أن يقرأه الناس فيها بطريقة أخرى؟.
- التجديد مطلوب،إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم:
هل المسيرات في كافة محافظات الوطن ما زالت بزخمها وعظمتها السابقة؟
-عندنا فقط رام الله التي هي القلب النابض وغزة وما يحرك الناس الجنازات في مناطق أخرى وهناك طفرات في أماكن متعددة لا تلبث أن تهدأ. فلماذا نلوم الشارع العربي؟
- كان من الممكن أن يكون عندنا برنامج متنوع من الفعاليات على مدار الأسبوع بحيث تتم فيه مشاركة وانخراط جميع قطاعات الشعب الفلسطيني بلا استثناء.
يجب أن يكون هناك تناوب في حمل هذه الأمانة بحيث يكون الشارع دائماً مشغولاً، فعلى سبيل المثال البيوت التي قصفت في أكثر من مكان، ألا تستحق أن يكون هناك موازنة طوارئ ليجد من قصف بيته ورحل في البرد من يشد من أزره ويوفر له مكاناً للنوم.
لقد تضررت العديد من البيوت التي قصفت والتي دمر أثاثها بالكامل وأهلها يفترشون الأرض ويلتحفون السماء وعندما تأتي له مساعدة يذهب إليه وفد ليقول له: لقد ناضلنا حتى حصلنا لك على هذه المساعدة، جميعنا فدائيون حيث استطعنا الحصول لك عليها من ياسر عرفات أو من هذه الجمعية أو تلك.
هل يعقل أن من يضحي أكثر ينقلب ضحية لأناس طامعين ببروزة شخوصهم على حسابه.. كيف يحدث هذا؟ لا بدّ من المساءلة.
الأخ أبو مشعل من هو المسؤول عن هذا التقصير؟
ـ لا أعرف، لا توجد إرادة تحمل المسؤولية في هذه المرحلة، يوجد مخاجلة ومواربة واختفاء وراء شعارات معينة من قانون المحبة.
إنني أتألم جداً لما أسمعه من الشارع وما يحدث فيه، فعلى سبيل المثال اقترحت هنا أن نستعيد المسجد الإبراهيمي في الخليل دون جهد كبير بحيث فقط تمنع وزارة الأوقاف صلاة الجمعة في المساجد الأخرى حتى في الأرياف ليؤم الناس الحرم الإبراهيمي كما يؤمون المسجد الأقصى ليصلي فيه كل جمعة 1000 مصلٍّ ومن المؤسف أيضا أن جميع المؤسسات التي تساعد على تواجد الناس في البلدة القديمة من كراجات سيارات ومؤسسات أخرى وسوق الخضار قد أغلقت وأخرجت خارجها من يسهم بهذا؟ ومن يتحدث عن الحرم الإبراهيمي يصبح إرهابيا علماً بأنه عينت له لجان ولم تأت بنتائج ولم تسأل هذه اللجان، شارع الشهداء كان يجب أن يفتح وفق بروتوكول 1997 ولم يحدث شيء.. ولم تحدث مساءلة فمن يريد أن يتحدث عن وطن يصبح متمرداً ومن يريد أن يجامل يصبح في الواجهة وهذه أمور خطيرة جداً.
كنت دائماً وما زلت أقول إن الصلاة في الحرم الإبراهيمي تحدث تواجداً، عودة المؤسسات إلى البلدة القديمة تحدث تواجداً، طلبت أن يكون هناك دعم للسلع الأساسية في البلدة القديمة بنسبة 25% وفشلنا، حتى عمال البسطات طلبنا منهم المكوث في البلدة القديمة ودفعنا لكل واحد منهم يوميا 20 شيكلاً كدعم وذهبت هذه الجهود أدراج الرياح..
فشلنا في كثير من الأشياء لأننا أصبحنا نقدم المشروع ونندم لأنه يحول إلى مراتب أدنى منا وفي نفس الوقت يتحدثون فقط وكأننا بلد محرر وهذا لا ينسجم فعلاً مع سياسة المعركة التي نخوضها. خذ مثلاً تلة الرميدة فلقد دمرت إسرائيل الآثار وبنوا فوقها وحتى الآن لم يأخذ أحد قراراً احترازياً بوقف هذا البناء في هذا الجبل المهم الذي تسعى إسرائيل للسيطرة عليه. فمن المسؤول؟ وهل لدينا صلاحيات؟ الصلاحيات تحتاج إلى أموال وقرار ووحدة رؤية وأنا لا أعتقد أن الخلاف فقط على الشيء الصحيح، لا يوجد أي خلاف على مسألة فيها خطأ فحينما تطرح قضية تضع حداً لإسرائيل تصبح مختلفاً عليها وعندما تناقش في أية قضية ثانوية تصبح بطلاً. وهذا كلام فارغ لقد آن الأوان فعلاً لأن نقول كل شيء، لسنا هنا في أسر ونحن نرسل الآن للرئيس بوضوح كامل أن الناس مستاءة من الشخوص ومن النصوص ومن البرامج ومن مرضى النفوس. أيضا وبالتالي هذا الوضع لا يتفق وحالات طوارئ وحالات قيمية وحالات تضحية بالروح والدم والمال وكل يركض من أجل امتيازاته الشخصية الخاصة، لا يرى في الميدان وإنما كما قال الشاعر: أسد علي وفي الحروب نعامة! الانتفاضة ستتجذر لكنها بحاجة إلى إعادة صياغة.
في ظل هذا الواقع كيف ترى مستقبل الانتفاضة الحالية؟
ـ الانتفاضة ستتجذر لكنها ستكون مقتصرة على الطلائع الأكثر جذرية، تقديراً للدم الذي نزف في فلسطين لكنها ستعاني، الانتفاضة بحاجة إلى إعادة صياغة بحيث لا تعتمد على أية جهة في تمويل ذاتها أو رفدها لأنه يبدو أن الكل أصبحوا أسرى للقرار الأميركي وكل الخطورة أن نتحدث كقيادات عن الانتفاضة باستحياء في الوقت الذي يجلس فيه المجلس الوزاري الإسرائيلي ويعقد اجتماعاته في مستوطنة ويقصف بدباباته مدننا وقرانا وكأنه مشروع لهم ذلك، ونحن حينما نتحدث الكل يتحدث عن السلام وإن تجرأ البعض كأنه يتحدث عن حقنا في الدفاع عن النفس وليس الهجوم.
الشعب الفلسطيني أكبر من قيادته ماذا تقول لهذا الشعب في الذكرى 53الثالثه والخمسين للنكبة؟
ـ أقول إن هذا الشعب عظيم ولقد وضعه الله سبحانه وتعالى في أقدس وأطهر بقاع الأرض التي منها بدأت رسالات السماء ومنها عرج محمد صلى الله عليه وسلم إلى السماء ليؤدوا الصلوات وفيها أهدى عيسى المسيح إلى البشرية رسالة السلام وفيها الطفل الفلسطيني الذي أهدى البشرية سلاحاً وهو الحجر والمولوتوف دون انتظار التوازن الاستراتيجي، فيها المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين الذي بارك الله حوله.
نحن في أرض الرباط وعندنا استعداد دائم للشهادة فمنا عبدالرحيم محمود :"سأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى".
بقناعة أخي الكريم: على كل فلسطيني جعل مصالحه الشخصية أهم بكثير من هذه الأهداف العظمى الذي استشهد من أجلها العظماء فإذا كانت أقل فليسر على طريق العظماء الذين كانوا يقولون لنا .. الشهداء شموع تضيء لنا الطريق ومن طلب الشهادة وهبت له الحياة.. الحذر لا يلغي القدر والموت بيد الله، وبصراحة فقد أصبحت مقتنعاً من خلال الشهور الثمانية الماضية أن كل يوم يمر هو فرصة للإنسان وموعظة من السماء بأن أعد الحساب بينك وبين نفسك بينك وبين الناس وإن كنت من القابضين على الجمر فتحلى بروح الطليعة. وأقول للشعب الفلسطيني شعب العظماء، شعب الجبارين إن ياسر عرفات هذا الأسطورة مستعد لأن يضاهي كل البشر ويتوقف فقط عند الشعب الفلسطيني ويقول إن الشعب الفلسطيني أكبر من قيادته، وبالتالي الشعب الذي يطلب ياسر عرفات أن يكون فيه جندياً وليس قائداً هو شعب عملاق.
فمزيد من الصبر والجهد ومزيد من الوحدة والصمود والحفاظ على مقومات الذات الفلسطينية. نحن بحاجة إلى قرار جماعي، الإسرائيليون ليسوا بهذه الصلابة.. إنهم في منتهى الهشاشة كان قرارهم السياسي الجيش، الطغيان، الشعب، الأمن كل واحد يخدم الاستيطان. ونحن بحاجة إلى قرار جماعي يخدم سياسة التحرير، وبالتالي فأنا أعتبر هذا الشعب بمثابة القلب للأمة العربية.. فإن توحد وانتظمت خطواته توحدت وانتظمت دقات القلب العربي والإسلامي والأممي.
التحية للشهداء على مر تاريخ شعبنا النضالي، والتحية للأسرى الذين شكلوا مدرسة متقدمة في مقاومة الاحتلال بحكم وعيهم ومعرفتهم الأكثر قدرة على تحليل ومعرفة هذا العدو والحرية لهم. ونتمنى أن يتجدد ما أثمر من جهد ومواقف بارزة لحزب الله لتحرير كافة الأسرى الفلسطينيين والعرب من سجون الاحتلال. وكل التحية إلى المرأة والطفل والشيخ، إلى كل فلسطيني قدم لهذا الوطن، كل التحية لهذا الشعب في مسيرته العظيمة الجبارة وفي ملحمة الصمود والبطولة، وأنا واثق تماماً أن الله اختارك يا شعب فلسطين لتبقى وتنتصر رغم كل حملات الأعداء، وأذكر بهزيمة الحروب الصليبية وما تعاقب على هذه الأرض من قوى وإمبراطوريات عاتية، لكنهم في نهاية المطاف ذهبوا، وبقي صلاح الدين وعبدالقادر الحسيني وعزالدين القسام، ذهبوا وبقيت أرواح الشهداء—(البوابة)