باكستان تلتهب: طلبنة اسلام اباد واشتباكات طائفية عنيفة وجيل جديد من القاعدة

تاريخ النشر: 08 أبريل 2007 - 08:25 GMT

تبدو الباكستان مقبلة على جولة جديدة من الصراع المذهبي بين طوائفها والتوتر بين الحكومة من ناحية والمتشددين من ناحية اخرى فيما نشا جيل جديد من القاعدة اكثر دموية من سالفه.

"طلبنة" اسلام اباد

قرر احد ائمة المساجد الاكثر تشددا في اسلام اباد الجمعة اقامة محكمة اسلامية تطبق الشريعة وهدد بتنفيذ عمليات انتحارية في حال حاولت السلطات الباكستانية الاعتراض على عمل هذه المحكمة.

واعلن الملا عبد العزيز امام المسجد الاحمر (لال مسجد) في خطبة الجمعة انشاء المحكمة في المسجد وبدء تطبيق الشريعة الاسلامية محذرا من اي تحرك ضد المسجد حيث يتحدى طلاب مدارس قرآنية موالون له السلطات منذ عدة اسابيع.

وجاء اعلان الملا عبد العزيز بعد ان قام طلاب وطالبات موالون له بخطف سيدة تملك بيتا للدعارة وبحملة تشمل دوريات "اخلاقية" تستهدف باعة اشرطة الفيديو والموسيقى.

وقال الملا عبد العزيز "اذا كان هذا (اقتحام المسجد) هو آخر خيار للحكومة فان خيارنا الاخير سيكون تنفيذ هجمات انتحارية" مؤكدا ان "عشرات آلاف المتطوعين مستعدون لتوجيه ضربات للحكومة بهجمات انتحارية".

ومنح السلطات مهلة شهر لاغلاق "المواخير ومواقع بيع الخمر ولعب القمار". وهدد الامام في خطبته وسط تهليل المصلين ان "طلبتنا سيتولون هذه المهمة بانقضاء المهلة". اما المحكمة بحد ذاتها فستضم عشرة مفتين على حد قوله.

وكان الامام قال قبل الخطبة انه "في حال كانت الحكومة لا تريد فرض الشريعة فاننا سنقوم بذلك في لال مسجد وسنأتي بالعدالة للناس الذين يريدون ان تحل مشاكلهم من خلال الشريعة الاسلامية".

ويقوم طلاب وطالبات "لال مسجد" منذ اسابيع بحملة "توعية اخلاقية" تندد بها وسائل الاعلام الباكستانية معتبرة انها تندرج في اطار "طلبنة" باكستان التي بدأت في مناطقها الشمالية الغربية.

ويتجول طلاب "سرايا لال مسجد" الملتحون والمسحلون بعصي في حي ابارا الشعبي حيث يقع المسجد لاقناع التجار بالكف عن بيع افلام الفيديو الهندية والموسيقى التي يعتبرونها "غير اخلاقية".

اما الطالبات فتتجولن بلباسهن الاسود. وقد "اوقفن" الاسبوع الماضي ثلاث نساء تتهم واحدة منهن بادارة بيت للدعارة. واعتقلت الشرطة الباكستانية بدورها مدرستين من الناشطات اللواتي قمن بتوقيف النساء. وردا على ذلك قام الطلاب باحتجاز شرطيين.

وبعد اختبار قوة وتوتر شديد استمر ساعات افرجت الشرطة عن المدرستين واطلق الطلاب سراح الشرطيين. لكن المرأة المتهمة بادارة بيت للدعارة افرج عنها بعد يومين من ذلك اثر ادلائها "باعترافات علنية" نظمت لوسائل الاعلام في المسجد.

وفي كانون الثاني/يناير احتلت الطالبات مكتبة عامة احتجاجا على خطة لتدمير مساجد مبنية بطريقة غير مشروعة على اراض حكومية. وبعد ايام من التوتر تراجعت الحكومة وتخلت عن هدم المساجد.

وبعد اسابيع من عدم تحرك الحكومة تظاهر نحو 600 شخص في الحي احتجاجا على "الفاشية الدينية" ودعوا السلطات الى "منع مضايقة وترهيب المواطنين في باكستان باسم الاسلام".

ودعا الرئيس الباكستاني برويز مشرف الجمعة الطلاب الاسلاميين الى "الانفتاح" و"التخلي عن التصلب". وقال مشرف على هامش مؤتمر حول صحة المرأة "يجب الا يحققوا العدل بانفسهم لان ذلك سيؤدي الى الفوضى ولن نسمح بذلك".

وكتبت صحيفة "دون" الناطقة باللغة الباكستانية "لماذا تجد السلطات صعوبة في فرض القانون؟ هل لانها تريد تجنب حمام دم ام ان ذلك يعكس نزاعا داخل النظام الذي ما زال جزء منه يتعاطف مع حلفائه المسلمين السابقين؟".

من جهته قال وزير الداخلية الباكستاني افتاب شيرباو ان الملا عبد العزيز لا يتمتع باي مصداقية واكد انه سيتم حفظ القانون والنظام بدون ان يوضح التحرك الذي ستقوم به الحكومة.

واضاف شيرباو ان "الحكومة لديها عددا كبيرا من الخيارات لمعالجة الوضع وستتطلع على خطبة الملا عبد العزيز وتحركاته غير المشروعة".

اشتباكات طائفية عنيفة

في السياق، قتل نحو اربعين شخصا وجرح قرابة سبعين في مواجهات طائفية عنيفة وقعت السبت بين سنة وشيعة في شمال باكستان حسب ما افاد مصدر رسمي باكستاني.

وقال عارف حبيب المسؤول الرسمي الرفيع المستوى عن الملف الامني في المناطق القبلية المحاذية لافغانستان "حتى الآن وردتنا تقارير تشير الى مقتل 40 شخصا خلال يومين من المواجهات بين مجموعتين دينيتين في باراشينار". وافاد مسؤولون محليون عن اصابة 70 شخصا بجروح في هذه المواجهات.

وتقع مدينة باراشينار القبلية التي تضم نحو 70 الف شخص في المحافظة الحدودية الشمالية الغربية المحاذية لافغانستان وتشهد اعمال عنف بصورة متكررة بين السنة والشيعة.

وفرض حظر التجول على المدينة الجمعة اثر مواجهات وتم نشر قوات فيها لاعادة الهدوء. وقال المسؤولون ان الجنود تلقوا الامر باطلاق النار عند الضرورة.

وقال صاحب زاده انيس احد مسؤولي المدينة ان الجيش سير دوريات في الشوارع بمساندة مروحيات.

وقال مسؤولون ان 14 شخصا قتلوا اثر سقوط صواريخ على مسكن صباح السبت بينهم امراتان واربعة اطفال.

وقال انيس ان المواجهات اندلعت بعد تظاهرة نظمها الجمعة افراد شيعة خارج مسجدهم احتجاجا على سنة اطلقوا هتافات مناهضة للشيعة خلال مناسبة دينية الاسبوع الماضي.

وادت مواجهات بين السنة والشيعة بشأن موقع للعبادة العام الماضي الى مقتل نحو عشرين شخصا.

ويمثل الشيعة نحو 20 في المائة من سكان باكستان الذين يبلغ عددهم 160 مليونا. ويمثل الشيعة الباكستانيون غالبية في باراشينار.

واسفرت المواجهات بين السنة والشيعة في باكستان عن مقتل اكثر من 4 الاف قتيل منذ بداية الثمانينات.

جيل جديد من القاعدة

وفيما تدور مواجهات بين عناصر من المناطق القبلية ومسلحين اجانب من تنظيم القاعدة في جنوب وزيرستان المنطقة القبلية الواقعة على بعد 180 كيلومترا شمال شرق باراشينار ادت الى مقتل اكثر من 250 شخصا خلال الاسابيع الثلاثة الماضية. يبدو ان كوادر قيادية جديدة لتنظيم القاعدة برزت في هذه المناطق الباكستانية القريبة من افغانستان ما يبعث على التشكيك في فرضية اضعاف قيادة التنظيم الارهابي على المدى البعيد برأي خبراء في الولايات المتحدة.

وقال جون لامبكين من مركز الدراسات "غلوبال سكيوريتي" في مقابلة صحفية "يبدو ان القاعدة بصدد اعادة تنظيم قيادة للعمليات على مستوى كبير في باكستان، لا سيما في المنطقة القريبة من افغانستان التي تعتبر بالتأكيد المكان المفضل بالنسبة لهم بسبب ضعف وجود الحكومة" الباكستانية.

ونقلت صحيفة نيويورك تايمز هذا الاسبوع عن مسؤولين في الاستخبارات ومكافحة الارهاب لم تكشف هويتهم، ان هذه الكوادر الجديدة تنامت اهميتها بعد مقتل او اسر عناصر في التنظيم اسهموا في بناء القاعدة قبل اعتداءات الحادي عشر من ايلول/سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة.

ولفت بروس هوفمان البرفسور في جامعة جورج تاون اثناء جلسة استماع في الكونغرس مؤخرا الى "وجود عدد معين من الناشطين الجدد الذين ارتقوا المراتب بسبب مقتل او اسر مسؤولين كبار في القاعدة" امثال خالد شيخ محمد "العقل المدبر لاعتداءات 11 ايلول/سبتمبر" والاندونيسي رضوان بن عصام الدين المعروف باسم الحنبلي، والاثنان محتجزان في غوانتانامو.

وبحسب نيويورك تايمز، فان ظهور كوادر قيادية جديدة اثار الدهشة لدى اجهزة الاستخبارات الاميركية التي استخلصت هذه النتيجة استنادا الى اتصالات رصدت في المناطق القبلية الباكستانية وعمليات استجواب المشبوهين المتهمين بمحاولة تفجير طائرات ركاب الصيف الماضي بين لندن والولايات المتحدة.

وهكذا استنتجت الاستخبارات الاميركية ان قائدا مصري الجنسية يدعى ابو عبيدة المصري وهو من قدامى المقاتلين في حروب افغانستان قام بتنظيم محاولة الاعتداء هذه.

واشارت نيويورك تايمز الى اسماء اخرى بدأت تبرز مثل خالد حبيب وهو مغربي وعبد الهادي العراقي وهو كردي خدم في الجيش العراقي في ظل حكم الرئيس الراحل صدام حسين.

وهذه الكوادر القيادية الجديدة تناهز اعمارها الثلاثين على ما يبدو وفي سجلها سنوات من الخبرة القتالية في افغانستان والشيشان، وعدد منها من باكستان وافريقيا الشمالية، بينما كانت المجموعة السابقة من القياديين مؤلفة خصوصا من المصريين.

وراى جون لامبكين ان ظهور نبذات في الاشهر الاخيرة عن هؤلاء الاشخاص على الموقع الالكتروني لوزارة الخارجية الاميركية لـ"ابرز الارهابيين الملاحقين" "يدل على ان الحكومة الاميركية مدركة للامر وقررت ان يكتسب هؤلاء الاشخاص اهمية في التنظيم".

لكنه اضاف انه من الصعب معرفة ما اذا كانوا كسبوا اهمية داخل القاعدة منذ بعض الوقت ام ان الحكومة الاميركية علمت بالامر فقط الان.

وفي مجمل الاحوال، يؤكد بروس هوفمان ان القيادة المركزية للقاعدة انطلاقا من المناطق الحدودية بين افغانستان وباكستان "تواصل ممارسة عملية تنسيق في ما يتعلق بتوجيه الاعتداءات وجمع المعلومات وتخطيط العمليات والموافقة على تنفيذها".

ويشاطره الرأي في هذا السياق دانيال بنجامين الخبير في مؤسسة بروكينغز الذي قال في جلسة الاستماع نفسها في الكونغرس "ان القاعدة تعزز صفوفها على ما يبدو بمسؤوليها المتمركزين اما في المناطق القبلية في باكستان على الحدود مع افغانستان او في اماكن اخرى من باكستان".

واضاف ان هذه المنطقة اصبحت معقلا للقاعدة التي "ستواصل اعادة نسج العلاقات بين الوحدات العديدة المتباعدة لعالم المتطرفين الاسلاميين".