إذا انطلق ميل غيبسون صاحب "قلب شجاع" في معركة يديرها مخرج "يوم الاستقلال" رولند ايميريخ، ويفجر عنفها كاتب سيناريو "إنقاذ المجند راين"، فهل يعقل ألا تغرق حربهم الجديدة - حرب الثورة الأميركية على المستعمر في القرن الثامن عشر - في بحر من الدماء والعنف والوطنية الطنانة وكليشيهات البطولة والقيم العائلية التي يجيدها الأميركيون ببراعة؟
"الباتريوت" حدث سينمائي تاريخي آخر جاء هذا الصيف ليزلزل صالات العرض الأميركية ويحقق الانتصارات على جبهات شبابيك التذاكر، مع أن هذا النوع من الأفلام التي تتناول موضوع حرب الاستقلال الأميركي لم تلق يوماً استحسان جمهور عريض حتى عندما كان بطلها نجماً كبيراً مثل آل باتشينو في فيلم "ثورة" عام 1985.
لكن استوديوهات "كولومبيا" ومنتجي الفيلم مارك غوردون ودين ديفلين وغاري ليفنسون لم يترددوا لحظة في معالجة هذا الموضوع الحساس فتسلحوا بجيش لا يقهر يقوده صاحب "يوم الاستقلال" و"غودزيلا" المخرج الألماني الأصل ايميريخ، ويرفع راية النصر الملطخة بالدماء الشجاع ميل غيبسون الذي تقاضى أجراً ضخماً بلغ 25 مليون دولار.
اشتعلت الجبهات على وقع موسيقى ملحمية صاخبة بالمشاعر أعدها مؤلف موسيقى فيلم "حرب النجوم" جون ويليامز، ليروي الدم التراب وترفرف الأعلام في كوادر مميزة وجميلة (رغم بشاعة ما تصوّره) يتقنها مدير تصوير فيلم "آنّا والملك" كايلب دوشانيل. دراما عائلية وشخصية تدفع بربّ عائلة الى حمل السلاح والثورة ضد الإنكليز ورفع علم التحرير عالياً.
لكن صاحب القلب الشجاع ميل غيبسون لن يقدم لنا في البدء دور رجل شجاع يجري في عروقه حب الوطن وحسب، فبنجامن مارتن (غيبسون) ليس رجلاً جباناً كما سيبدو بل بطلا متعبا بعدما خاض قديماً حروباً قاسية ضد الفرنسيين والهنود. إنه اليوم أرمل مرهق ورب عائلة كبيرة لا يؤمن إلا بها وبالحفاظ عليها فعندما يكون الرجل أباً، يكون التزامه الأول دائماً أولاده قبل وطنه. هذا ما يحاول جاهداً إفهامه لابنه البكر غابريال (هيث لدغر) الذي يلومه على عدم انخراطه في صفوف المقاومة ضد المحتل الإنكليزي.
لكن المأساة لن تترك هذا الأب الساعي الى حياة هادئة، بحاله، فقد انخرط ابنه في صفوف المقاومة مما جعل منزله عرضة لمداهمات عديدة تؤدي إحداها الى موت ابنه الآخر، وهذه الفاجعة ستحول الأب المتعب والمسالم وحشاً كاسراً سيقود عمليات المقاومة بنفسه المشحونة بالحقد والانتقام.
من جديد ميل غيبسون يرتدي زي القرون الغابرة وسلاح الانتقام ويطلق صرخة الحرية على وقع معارك دامية وعنيفة أكثرها وحشية مشهد انقضاضه بالهراوات مع أولاده على الجنود الذين قتلوا ابنه الصغير.
صوّر الفيلم في المناطق التي شهدت فعلاً تلك الحوادث المؤلمة عام 1776 وتحديداً في جنوب كارولينا وشارلستون وقد تميّز الفيلم بضخامته وتكلفة إنتاجه المرتفعة._(البوابة)