لم يكن ظهورها في البداية مهنة بالمعنى الدقيق للكلمة، ويمكن القول أنها كانت أشبه بالسمسرة أو إحدى وسائل جلب الرزق.على إحدى مقاهي شارع محمد علي (عاصمة الفن آنذاك) إذ كان روادها من الفنانين. كان يجلس أيضا وكيل الفنانين يروج لهم أو يعقد لهم صفقات إحياء الأفراح أو السبوع وأعياد الميلاد.
لكن مع التطور الذي لحق بكل مجريات الحياة تغيرت ملامح هذا (الوكيل) فنزع عنه جلبابه وارتدى ثوب العصر، وخلع عنه مجلسه وأصبح لديه مكتبه الخاص المجهز بأحدث أدوات التقنية التي يتميز بها عصر العولمة وثورة الاتصالات. فتجده مثلا يجيد استخدام جهاز الكمبيوتر أو الدخول على شبكات الإنترنت أو ممسكا بجهاز الهاتف المتنقل.
وبعد أن كان عددهم لا يتجاوز أصابع اليد في البداية تزايد حتى وصل إلى ما يزيد على 350 مكتبا في الوقت الراهن كذلك بعد أن كان ينجز عمله منفردا أصبح لديه معاونوه من طاقم السكرتارية إلى المتخصصين في تسويق نجومه من المطربين.
وحسب ما ورد في صحيفة "البيان" الإماراتية فان القصة تبدأ كما قال عن ذلك (محمود رضوان) أحد أقدم من عملوا في هذا المجال، ومازالت تجاعيد وجهه تحمل تاريخا طويلا مع هذه المهنة فيقول: أول متعهد فني ظهر في مصر هو المعلم أحمد صديق وكان مسئولا عن إحياء الأفراح و كان يعرف كل المطربين ويلتقي معهم بشكل دائم على مقهى (التجارة) الذي مازال موجودا حتى الآن بشارع محمد علي، إذ لم يكن له مكان آخر يستقل به كالمكاتب الكثيرة المنتشرة الآن.
ثم جاء من بعده المعلم أحمد الجمل ثم ظهر احمد عرابي أشهر المتعهدين.
وأضاف ان أشهر رواد هذا المقهى من المطربين كان عبد الغني السيد ومحمد عبد المطلب وعباس البليدي، وكان أجر الواحد منهم يصل إلى خمسة جنيهات وكانوا يلتقون إلى جانب المقهى عند فكهاني معروف بباب الخلق، وكان مجلسهم فنيا أي انهم يتحدثون عن الغناء وهموم المهنة.
وظهرت في الستينات وجوه جديدة في الغناء انضمت إلى المقهى مثل محمد رشدي ومحمد قنديل وماهر العطار.
طفرة في الأجور
وطرأت طفرة أيضا على الأجور حتى أن محمد رشدي كان يأخذ ثلاثين جنيها في الفرح. وعن أشهر راقصات هذا الوقت فقد قال محمود رضوان : كانت تحية كاريوكا وسامية جمال الأكثر نجومية وكانت الأولى تتقاضى سبعة جنيهات في الفرح بينما الأخيرة تسعة جنيهات، وظهرت بعد ذلك سهير زكي إلا أنها كانت تتقاضى ثلاثة جنيهات وهذه الأرقام تضاعفت كثيرا بعد أن اشتهر هؤلاء.
ورغم أن الآلات المستخدمة في العزف آنذاك كانت بسيطة للغاية، ولم يكن الأوكرديون قد ظهر في هذه الأثناء، إذ كان السائد استخدام البيانو ذي المنفاخ، إلا أن أصوات المطربين كانت لا تحتاج إلى آلات لتطرب الآذان.
في السبعينات ومع بداية عصر الانفتاح الاقتصادي تطور عمل وكلاء الفنانين وانتشرت مكاتبهم فيما بعد إلا انه ورغم توفر الإمكانيات فهناك حالة ركود في هذا السوق الآن، ويفسر ذلك بالانتشار الكبير لوسائل الإعلام التي تروج للفنانين الأمر الذي جعل (الزبائن) يتعاقدون معهم مباشرة دون الرجوع لمكاتب وكلاء الفنانين في كثير من الأحيان. البعض يعتبر المهنة استثمارا ناجحا، فالعمولة التي يتقاضاها الوكيل تصل إلى 10%، وفي ظل الارتفاع المحموم لأسعار المطربين الذين يشترط بعضهم الدفع بالعملة الصعبة فان ذلك يعني في النهاية عائدا مجزيا.
وأجر بعض المطربين الآن مثل عمرو دياب يصل إلى 200 ألف جنيه في الحفلة الواحدة وهذا يعني أن عمولة الوكيل تصل إلى 20 ألف جنيه. أما إن كانت إحياء لفرح فيحصل عمرو على 55 ألف جنيه وبذلك تصل العمولة إلى 5500 جنيه وأحيانا تكون العمولة بالعملة الصعبة نظرا لأن بعض المطربين يشترطون الحصول على أجرهم بالدولار مثل راغب علامة الذي يحدد أجره بـ35 ألف دولار وتصل العمولة هنا إلى 3500 دولار.
وعموما فنجومية الفنان هي التي تحدد سعره وبالتالي تؤثر على عمولة الوكيل. وهناك أسعار لمطربين متوا ضعة قياسا بالسابقة فحكيم مثلا يتقاضى 8000 جنيه ومصطفى قمر 9000 ومحمد فؤاد 16000 جنيه.
وأضاف وهذه الظاهرة ليست جديدة فمن قبل كان أحمد عرابي يقيم حفلات خاصة لأم كلثوم لحسابه الشخصي وكان أجرها في ذلك الوقت 500 جنيه بعيدا عن أجر الفرقة الموسيقية أو المسرح الذي ستشدو عليه أغنيتها، وكان الأمر كذلك مع عبد الحليم حافظ الذي كان يتقاضى 2000 جنيه.
ويستطرد محمود رضوان مقارنا بين مطربي الزمن الجميل والموجودين حاليا على الساحة الغنائية فيقول: المشكلات التي يتسبب فيها شباب المطربين اليوم كثيرة، ليس أقلها الاستهتار بالمواعيد التي تفقدنا المصداقية عند (الزبون) ويضرب مثلا على ذلك بموقف الفنان محمد فؤاد حين اعتذر عن إحياء أحد الأفراح بعد أن كان قد تم الاتفاق معه مسبقا، وجاء الاعتذار قبل عقد القران بساعة تقريبا، الأمر الذي سبب له حرجا كبيرا مع والد العريس.
وعن نوعية زبائنه قال: منهم زبون الدرجة الأولى الذي قد يتكلف فرحه مائتا ألف جنيه، وبينهم زبون الدرجة الثالثة الذي يتكلف فرحه 2000 جنيه. وعموما الذي يحكم السعر ويحدده مكان الفرح وما إذا كان سيقام في أحد الفنادق الكبرى أم في قاعة صغيرة وعدد النمر ونوعية المطربين.
وهناك جيل آخر احترف هذا العمل من أبناء (الوكلاء) مفضلا إياه على غيرها، فابن عرابي مازال يعمل بالمهنة كذلك أبناء فاروق داود وحسن مصطفى وهم وكلاء قدامى.
هي مهنة بالوراثة إذن، وأصبحت أشبه بعمل رجال الأعمال. فمكتب الوكيل الآن مجهز بأجهزة الكمبيوتر مثلا مدون به البيانات الوافية عن المطربين وأسعارهم، إضافة إلى أطقم السكرتارية التي تتولى كافة الأعمال المكتبية.
وهو ما يجعلها كمهنة حاليا مختلفة عما كانت عليه في الماضي، إذ كان عدد المتعهدين قليل للغاية، بينما حاليا زاد عددهم حتى وصل إلى أكثر من 350 متعهدا يملكون تصاريح بمزاولة هذه المهنة. _(البوابة)