عمان- بسام العنتري
يبدي مؤيدون للرئيس الفلسطيني، ياسر عرفات، مخاوف من ان تتحول عملية نزع صلاحياته لصالح رئيس الوزراء المقبل، والتي بداها المجلس التشريعي هذا الاسبوع، الى "انقلاب ابيض" يطيحه سياسيا، ويكون رائده، محمود عباس (ابو مازن)، وهو ذاته الرجل الذي رشحه عرفات لهذا المنصب المستحدث.
وكان المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية الذي انهى الاحد سلسلة اجتماعات دامت على مدى يومين، وافق على ترشيح عرفات للرجل الثاني في المنظمة، محمود عباس (ابو مازن) في هذا المنصب، إلا أن الأخير ظل صامتاً حيال هذا القرار، ولم تبدر منه اية مؤشرات على قبول او رفض.
وكان ابو مازن (68 عاما)، وهو امين سر منظمة التحرير الفلسطينية، واحد مهندسي اتفاقات اوسلو، رهن قبوله المنصب، بحصوله على صلاحيات واسعة، قيل انه اجملها في قائمة من عشرين بندا، يقف في مقدمتها بند يطلب ارفاق مسمى نائب للرئيس بالمنصب الجديد.
وحتى انطلاق جلسات المجلس التشريعي في رام الله الاثنين، لم يتم الاعلان عن توصل عرفات وابو مازن الى اتفاق بشان الصلاحيات التي يطلبها الاخير، وتساندها قيادات حركة فتح، الى جانب الولايات المتحدة واسرائيل والاتحاد الاوروبي ودول عربية نافذة في الشان الفلسطيني.
وتريد الولايات المتحدة واسرائيل خصوصا، ان يكون هذا المنصب فاتحة للحد من نفوذ عرفات، ان لم يكن اقصاءه سياسيا.
ومع القوة التي يحظى بها موقف ابو مازن داخليا وخارجيا، فان العديد من القيادات في حركة فتح اخذت تبدي مخاوف من تطور عملية انتزاع الصلاحيات من عرفات لصالح المنصب الجديد، الى انقلاب ابيض يطيح بالرجل الذي تزعم منظمة التحرير على مدى 34 عاما.
وقال مسؤول فلسطيني رفض الكشف عن اسمه "نعلم ان تراكم العملية بهذا الشكل سيؤثر على عرفات، ولكننا طالبنا برفع الحظر عنه ايضا".
ويرى هذا المسؤول ان الصلاحيات التي ستمنح لمنصب رئيس الوزراء سيكون تاثيرها مضاعفا على عرفات في حال ظل الاخير محاصرا وغير قادر على ميزة التحرك التي سيتمتع بها رئيس الوزراء والذي سيكون بمقدوره المناورة باتجاه فرض مزيد من التهميش على دور الرئيس الفلسطيني.
غير ان معارضين فلسطينيين من امثال عضو المجلس التشريعي، عبد الجواد صالح، استبعدوا احتمال ان يسمح ابو مازن لنفسه بتجاوز لعبة الديمقراطية وتوظيف مطالبه بشان الصلاحيات لتهميش عرفات.
وقال صالح لـ"البوابة" قبيل دخوله الى الجلسة الافتتاحية للمجلس التشريعي "لا اتصور ابدا ان يقوم (ابو مازن) بلعبة تتجاوز اللعبة الديمقراطية".
واردف "كما انني لا اعتقد ان المجموع الفلسطيني يمكن ان يعطي الدعم لمثل هذا الانقلاب خاصة اذا كان الهدف منه خدمة مصلحة اميركية-اسرائيلية".
ومع ذلك، اتفق صالح، وهو معارض سبق ان زجه عرفات في السجن بسبب ارائه السياسية، مع التوقعات بان يسفر استحداث المنصب واقرار صلاحياته عن الحد من نفوذ عرفات وسطوته السياسية.
وقال "هذا هو النظام الديمقراطي، وهذه هي ميزته، الشعب عندما يرشحك، فانه يعطيك صلاحيات محمية، وعندما تفشل في اداء خدمتك يطلب منك العودة الى منزلك..".
وكان صالح من ضمن مجموعة من عشرين مثقفا ومفكرا فلسطينيا زج عرفات بمعظمهم في السجن بعد توقعيهم على عريضة انتقدوا فيها الفساد في اجهزة ومؤسسات السلطة، الى جانب الفردية التي يمارسها عرفات في الحكم.
خلافات و'فتح' تقترح ورقة 'حل وسط'
الى هنا، ومن المقرر ان يبحث المجلس التشريعي في اجتماعاته اكساء المنصب الجديد صبغة دستورية، عبر تعديل القانون الاساسي، بما يكفل تضمينه منصب رئيس الوزراء وصلاحياته، ثم يصوت بعد ذلك على ترشيح محمود عباس (ابو مازن) لشغله، هذا في حال وافق الاخير على ذلك.
وحتى الساعات القليلة التي سبقت انطلاق اجتماعات التشريعي، لم يكن الرجل اعطى اية موافقة، برغم الاجتماعات المتواصلة بينه وعرفات.
وخلافا لما تردد من انباء، فقد نفت مصادر "البوابة" توصل الرجلين اتفاق حول شروط ابو مازن العشرين، الاخير لشغل منصب رئيس الوزراء.
وكان ابو مازن، كما تؤكد المصادر، قد التزم الصمت حين نطق عرفات باسمه كمرشح للمنصب الجديد خلال اجتماعات المجلس المركزي الفلسطيني..
وفيما فهم المراقبون أن "امتناع الرجل عن التعليق" كان إشارة رفض المنصب قبل الاستجابة للشروط، والتي قيل أنها تأتي في قائمة من (20) بنداً، ويتصدرها بند يطلب فيه أن يلحق بالمنصب مسمى (نائب الرئيس)، إلا أن حركة فتح فهمت أن صمته كان "علامة رضا".
ويؤكد النائب المقدسي في المجلس التشريعي حاتم عبد القادر على "فهم" حركة (فتح) لدلالات صمت (أبو مازن)، ويقول أنه "لم يعترض" عندما رشحه الرئيس عرفات.
لكن عبد القادر، وهو من قيادات حركة "فتح" لم ينف أن ابو مازن "ينتظر الحصول على الصلاحيات" التي طلبها غير أنه أدرج هذه الصلاحيات في إطار رغبة الرجل في "الاستنارة وليس في إطار |الاشتراط".
ولم يعلق عبد القادر على الأنباء التي تحدثت عن أن (أبو مازن) قدم قائمة بعشرين بنداً للصلاحيات التي يشترطها، لكنه قال أن المجلس التشريعي "سيعطيه صلاحيات متوازنة".
ويوضح أن هذه الصلاحيات ستأتي بشكل "لا يجعل منه بديلاً (للرئيس عرفات) ولا موظفاً".
ويشير عبد القادر في عبارته الأخيرة إلى مضمون "مسودة" ورقة "حل وسط" سيقدمها نواب حركة فتح أمام المجلس التشريعي غداً وتطالب بأن يكون النظام السياسي الفلسطيني خليطاً بين النظامين السياسيين في مصر وفرنسا.
ويعتبر رئيس الوزراء في مصر موظفاً يعينه رئيس الجمهورية في حين يشكل رئيس الوزراء في فرنسا، شريكاً لرئيس الدولة، لكنه لا يرقى إلى مرتبة النائب أو البديل.
هذه الورقة والتي لم تعرض على عرفات أو أبو مازن كما يؤكد عبد القادر، تهدف إلى الوصول إلى "حل وسط، بحيث يمارس كل من الرجلين مهماته دون أن يطغى على الآخر" وبما "يبعد احتمال تشكيل أبو مازن بأية صورة بديلاً لعرفات" في المستقبل.
ويوضح عبد القادر الذي شارك في اعداد الورقة انها تنص على "إعطاء رئيس الوزراء صلاحيات واسعة على الصعيد الداخلي، بينما تظل القضايا المتعلقة بإدارة السياسية والعلاقات الخارجية في يد رئيس الدولة".
وتعطي "ورقة فتح" صلاحيات واسعة لرئيس الوزراء، اذ تطلق يده في إعادة ترتيب الأوضاع الداخلية، بما فيها الموازنة والاقتصادي والإشراف الكامل على النظام الإداري وهياكله والأمن العام، على أن يبقى الرئيس القائد العام لقوات الأمن.
وفي الوقت نفسه تترك "الورقة" إدارة السياسية الخارجية والمفاوضات مع إسرائيل أو أي دولة أخرى، في يد الرئيس.
وفي مسألة تعيين أعضاء الحكومة وبرنامجا، تجد " الورقة" إن على رئيس الوزراء أن يقدم الأسماء والبرنامج إلى الرئيس للحصول على موافقته قبل عرضها على المجلس التشريعي لنيل الثقة.
إلى ذلك، فقد نفى النائب عبد القادر أنباء ترددت عن أن حركة فتح هددت بالانقلاب على زعيمها عرفات في حال لم يعين أبو مازن في منصب رئيس الوزراء.
لكنه لم ينف أن الحركة ضغطت على عرفات بهذا الاتجاه، وقال "نحن مارسنا ضغوطاً" نحن نشكل عشيرة، هي فتح، ونريد أن يكون رئيس الوزراء من داخلها".
وكان عرفات أبدى رغبته بادئ الأمر في اختيار شخصية من خارج فتح، لكن الحركة اعترضت بقوة على هذه الرغبة، واعتبرتها بمثابة "انقلاب سياسي" يمارسه زعيمها عليها.
وأكد عبد القادر أن حركت فتح ما تزال متمسكة بأبو مازن، مشيراً إلى أن الحركة ستمارس عليه ذات الضغوط التي مورست على عرفات حتى يوافق على المنصب.
وقال "سنظل نفاوضه حتى يوافق.. صحيح أن هناك شخصيات أخرى في فتح تصلح أيضاً للمنصب، لكنه حالياً هو رجل المرحلة.. وهو أيضاً يجب أن يتعاون معناً".
من جهته، شدد النائب في المجلس التشريعي حسام خضر على أهمية المنصب الجديد لكنه أعرب أن أمله في أن يتمكن أبو مازن من "انتزاع صلاحيات كاملة من ياسر عرفات"، و ذلك تحاشياً لأن يصبح المنصب الجديد "عامل اسهام أخر في عملية زيادة الإشكاليات الداخلية".
وأكد خضر أن أبو زمان "لن يراهن بتاريخه السياسي العريق لصالح القبول بمنصب شكلي".
ولم يعلق خضر الذي يشغل منصباً قيادياً في فتح على أنباء تهديد الحركة بالانقلاب على عرفات في حال لم يعين أبو زمان رئيساً للوزراء، واكتفى بالقول أن "الرجل يشغل موقع أمني سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وهو من مهندسي أوسلو الفاشلين، وبالتالي لا يوجد هناك أقوى منه "ضمن المرشحين للمنصب".
وقال أن "هناك اجماعاً داخل مركزية فتح على أبو مازن، وبالتالي، لن يستطيع عرفات أن يخرج عن هذا الإجماع".
واستبعد خضر تماماً أن يرشح عرفات رجلاً أخر غير أبو مازن لهذا المنصب، واعتبر ما تردد عن ترشيحه سابقاً لرجل الأعمال الفلسطيني منيب المصري بأنه كان مجرد بالون اختبار.
وقال "منيب المصري كان بالون اختبار لقياس نبض الشارع الفلسطيني وترشيحه تسبب بإحراقه" سياسياً.