ثمة الكثير مما يشغلني.. ويشغل كثير من الرجال.
العمل الذي لا ينتهي.. اخبار السياسة والتفجيرات والقتل والنحر والسحل.
امور العائلة وحاجاتها التي لامناص من تلبيتها.
مشاريع مستقبلية. امال احاول تحقيقها.. احلام. (احمد الله انه ما زال بمقدوري ان احلم).
زحام.. ولهاث وركض لا ينتهي، لتسديد قرض بنكي وفواتير الخدمات الاساسية.
اعيش حياة على عجل.. كاني في سباق... لا تنثني. ولا توقف فيها.
لماذا احدثكم عن كل هذا؟..
اليوم.. مررت بشارع هاديء.. تظلله اشجار وارفة. لا ادري كيف دلفت اليه، كنت في طريقي الى البنك في ساعة الزحام ابحث عن موقف لسيارتي. حين استرعى انتباهي لوقفة:
فككت حزام الامان وتطلعت حولي.. وتنشقت الهواء وزفرت زفرة حرى.
فجأة..ادركت كم هذا الشارع مميز.. هاديء. مشجر.. لا يكتظ بالبيوت العتيقة. فكرت .. يا الله بامكاني ان ابقى فيه لسنة.
:سنة .. نعم؟.
انا بحاجة لسنة اقتطعها من عمري، اقبع فيها في غرفة لفندق عتيق في ذياك الشارع. انقطع عن العالم، اقرأ.. واراقب من طرف خفي العابرين في شارع منسي من الزحام.
تذكرت.. كم حلمت في مراهقتي ان اسكن فندقا عتيقا في شارع في بيروت او عمان او دمشق او القاهرة، اتابع.. بشوق مستحيل، اثار الزمن على جدران البيوت والمحال والناس. واكتب واقرأ حتى.. الثمالة.
تذكرت ايضا ماو تسي تونغ الذي امضى سنوات قابعا في مكتبة.. وقال انه لو لم يصر رئيسا لفضل ان يبقى هناك كائنا قارضا لكل انواع الكتب.
طبعا.. حين صار بامكاني ان اقطن في فندق الاحلام.. اصبح مستحيلا ان افعل. فقد اخذتني الحياة.
مثلما اخذتكم.
احسست انني غير قادر على استرداد مشاعري في شارع كهذا.. احسست ان ما افكر فيه محض ترف، ترى افقدت بوصلتي!؟ ام اننا اعتدنا ان نغض الطرف عن احلامنا الجانحة عن موكب الحياة اليومية.. ونطأطيء رؤوسنا انكسارا وهزيمة. ونعيد بايدينا قيود المسؤوليات الى معاصمنا؟.
حين غادرت المكان.. ظلت ثمة وخزة في حلقي. فقد كنت اعرف ان مواكب الحياة اوسع من افق البنك والعمل والمسؤوليات. وان مواكب الحياة لا تنتظر..!
