اسطنبول – سوسن صلاح
وجه العديد من المحللين والدبلوماسيين الكبار انتقادات لاذعة للطريقة التركية في معالجة سياستها الخارجية في التجاوب مع الدعوة الأميركية للحرب ضد الإرهاب وتشكيل التحالف الدولي ردا على الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها واشنطن ونيويورك في الحادي عشر من الشهر الجاري.
ويعتقد المحللون أن طريقة المعالجة السياسية التركية ارتكبت منذ البداية أخطاء كبيرة. ويرى هؤلاء أن تركيا لم يكن يجدر بها منذ البداية بعث رسالة إلى واشنطن عبر الطرق الدبلوماسية وإنما إرسالها مباشرة إلى البيت الأبيض دون إبطاء.
ويرى هؤلاء أيضا أنه كان يتوجب على رئيس الوزراء بولنت أجاويد أن لا يعطي دعما مفتوحا لأميركا قبل وضع مصالح تركيا بعين الاعتبار.
وفيما يتعلق بموضوع الرسالة التي بعث بها أجاويد إلى الرئيس الأميركي جورج بوش فقد تساءلت الصحافة التركية خلال الأسبوع الماضي عن أسباب تأخير إرسالها رغم أن المعلومات كانت تشير إلى أنها كتبت قبل وقت من إرسالها.
وكان من شأن هذه الرسالة توضيح الموقف التركي سريعا من الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها الولايات المتحدة ومن الحرب الانتقامية ضد منفذيها.
وقبل إرسال الرسالة ظهر أجاويد على شاشات التلفاز في 21 سبتمبر/أيلول من الشهر الجاري ليوضح فيه الدعم التركي لأميركا.
وأشار المحللون أن هذه القضية "السخيفة الرسالة إلى بوش" تم الإقرار على إرسالها في 22 سبتمبر/أيلول أي بعد يوم واحد من المكالمة التي تلقاها الرئيس أحمد نجدت سيزار من الرئيس بوش. ويقول المحللون إن الرئيس سيزار انزعج من مماطلة أجاويد في إرسال الرسالة وقرر إرسالها فورا. ومن جانبه، أعرب سفير تركي متقاعد عن شكوكه من التقارير الصحفية المحلية وقال "لا أعتقد أن الرئيس بوش قد اتصل بالرئيس سيزار أو أجاويد لأنه مشغول بالاتصال مع رؤساء الدول التي يسعى للحصول على دعم لوجيستي وسياسي منها، وقال أنا متأكد أن زيارة إسماعيل جم وزير الخارجية التركي إلى أميركا جاءت نتيجة ضغوط الصحافة التركية التي تساءلت كثيرا عن موقع تركيا بينما جميع الدول الحليفة في واشنطن".
وفي حادثة مماثلة أعلن أجاويد في 22 سبتمبر/أيلول الشهر الجاري موافقته على طلب واشنطن بالسماح للقوات الأميركية باستخدام القواعد العسكرية التركية والمجال الجوي التركي في إطار الاستعداد لشن حرب على أفغانستان، ولكن أجاويد وفي نفس الإعلان استبعد إرسال فرق من القوات العسكرية التركية لمحاربة الإرهابيين "المسلمين" جنبا إلى جنب مع فريق العمليات الأميركي الخاص وبدلا من ذلك عرض على أميركا تقديم مساعدات استخباراتية تتعلق بأفغانستان وتدريب قوات المعارضة هناك.
ويقول الدبلوماسي التركي إن هذا كان خطأ تكتيكيا كبيرا ارتكب من قبل تركيا، ويضيف أن أجاويد عرض هذا الاقتراح على أميركا قبل أن يطمئن أو يهتم إلى النتائج والخسائر المالية والسياسية التي ستطال تركيا جراء هذا الاقتراح مستندا فقط على نظرية أن تركيا عضو في تحالف الناتو ولم يهتم لكون تركيا دولة مسلمة لا يجب عليها دعم حروب ستشن على المسلمين، وتعامل مع تركيا فقط بوصفها دولة علمانية كما ينص الدستور وحليفة مقربة جدا لأميركا التي دعمت تركيا كثيرا في كسب تأييد صندوق النقد الدولي للحصول على قروض لإنقاذ الاقتصاد التركي المنهار.
وقال الدبلوماسي "على الأتراك أن يكونوا فخورين كونهم ورثة الدولة العثمانية العظيمة التي حكمت العالم لمدة 500 عام بينما اليوم لا يوجد مسؤول قادر على اتباع سياسة السلاطين العثمانيين الذين حكموا العالم لمدة خمسة قرون، وكان بإمكان أجاويد من خلال الدبلوماسية الهادئة أن يحصل على دعم صندوق النقد الدولي بدون إعطاء تعويضات لأميركا حاليا".
وشدد الدبلوماسي التركي المتقاعد على تقاعس الدبلوماسية التركية الحالية. وأضاف أن باكستان قامت بدور تمثيلي رائع في القضية قبل أن تعطي الضوء الأخضر لأميركا وحصلت على ما تصبو إليه حيث قررت أميركا تخفيف العقوبات الاقتصادية عن باكستان ولكن تركيا ستتحمل مخاطر مالية وسياسية بفتحها مجالها الجوي وقواعدها العسكرية أمام الأميركان ولكنها وحتى الآن لم تستخدم أدواتها الدبلوماسية من أجل الحصول على منافعها الخاصة، ويعتقد الدبلوماسي التركي أن تركيا وبخلاف جميع الدول الإسلامية في الشرق الأوسط التي أدانت الهجمات الإرهابية لم تقدم دعما أو هي تريثت في دخول التحالف الدولي فيما أعلنت تركيا منذ البداية انضمامها إلى التحالف الدولي لشن حرب محتملة على دولة إسلامية.
وأشار المحلل إلى أنه منذ الإعلان الأميركي عن اتخاذ إجراءات صارمة ضد الإرهابيين، وكان على تركيا أن تضع في الاعتبار النتائج التي حصدتها بعد حرب الخليج الثانية عام 1991، عندما قرر الرئيس الراحل تورغوت أوزال متحديا نسيب تورومتاي رئيس هيئة الأركان آنذاك الذي قدم استقالته لاحقا، وقام أوزال بفتح الجبهة الثانية للولايات المتحدة أثناء حرب الخليج 1991 من قاعدة إنجرليك الجوية مستندا على معادلة "نزرع واحدا ونحصد ثلاثة" وانحاز إلى أميركا ولكن أمله قد خاب بعد انتهاء الحرب. وإثر حرب الخليج سارع حزب العمال الكردستاني إلى تشكيل قواعد تدريب له في منطقة شمال العراق الذي يتمتع بحكم شبه ذاتي وتكثفت العمليات الإرهابية أكثر في تركيا بعد تشكيل هذه المعسكرات كما أن أنقرة ما زالت تعاني اقتصاديا بسبب استمرار العقوبات الاقتصادية التي تفرضها الأمم المتحدة على العراق منذ أكثر من 11 عاما.
وأعرب الدبلوماسي التركي عن مخاوف كبيرة في أن ترتكب تركيا نفس الخطأ الذي ارتكبته في حرب الخليج، معددا من بين الأخطاء السياسية التركية التي من الصعب إحصاؤها الخطأ الذي ارتكبه الرئيس أوزال بإغلاق خط أنابيب نقل النفط كركوك - يومورتالك في 1 آب /أغسطس عام 1991 وبعد يوم واحد فقط من زيارة جيمس بيكر وزير الخارجية الأميركي السابق إلى أنقرة ولم تكافأ حينها تركيا بشيء غير ما قاله بيكر حينها "نحن الأمريكيين لن ننسى مساعدة تركيا لنا" وعندما أدركت تركيا خطأها كان قد فات الأوان—(البوابة)