مسرحية "آخر همسة" لهاني مطاوع: تنويعات عبر التاريخ مفتوحة على مستقبل غامض

تاريخ النشر: 19 أغسطس 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

تتناول مسرحية "آخر همسة" للمؤلف والمخرج المسرحي المصري هاني مطاوع التي يقدمها المسرح القومي في إطار موسم الصيف الحالي تنويعات عبر التاريخ المصري منذ تولي الملك فاروق العرش، مرورا بثورة تموز/يوليو 1952 ونكبة 1948 دون أن تقدم إجابات لها مع إبقاء الباب مفتوحا أمام مستقبل ضبابي على المشاهد أن يستكشفه، وأن يحدد موقفه اتجاهه. 

تتدفق المشاهد التاريخية من خلال خط درامي يسعى فيه العمدة (مخلص البحيري) وراء الملك فاروق (هشام عبد الحميد) ليوقع له صك منحه رتبة البيهوية، فيصل إليه في الليلة الأخيرة من حياة الملك في روما. 

يمهد المشهد الأول من الفصل الأول لرحلة العمدة حيث يتم اعتقاله من قبل رجال الأمن بصفته معاديا للثورة يسعى للقاء بالملك، ولكن قرابته من أحد أهم رجال الأمن في ثورة 1952 يسرع في عملية إطلاق سبيله، والسماح له بالسفر إلى روما مع صديقه بحثا عن الملك وعن ابن الصديق الذي ترك دراسة الهندسة واتجه إلى دراسة الإخراج السينمائي. 

هذا التبكير في إبراز الفساد والمحسوبية وتسلط أجهزة أمن الثورة يستكمل في الخارج حيث يقوم رجل أمن مصري، يعمل نادلا في المطعم الذي يتناول الملك طعامه فيه بقصد مراقبته، بتوفير الفرصة للعمدة لمقابلة الملك. 

إثر تحقق اللقاء يبدأ الخط الدرامي بتفتيت الأحداث حيث ينتقد الملك النحاس باشا، في حين يذكره صديق العمدة بأنه وثق بالإنكليز على حساب الشعب المصري، ويكون رده اكثر قسوة على الملك إثر مهاجمته عبد الناصر واتهامه بالشيوعية ومساندة الفلاحين بتوزيع ثروات الباشوات عليهم فيحمله مسؤولية إفقار المصريين. 

تصل المسرحية في فصلها الثاني إلى علاقة الملك باليهود من خلال الممثلة الراحلة "كاميليا" التي قتلت في حادثة طائرة، ولكن المؤلف يعيدها هنا إلى الحياة ليعيد تمثيل العلاقة التي ربطتها مع فاروق، وليظهر في الوقت نفسه الصراع بين الأجهزة الأمنية المصرية والإسرائيلية في أوروبا، مع إبداء سخرية غير معللة من مسلسل رأفت الهجان الذي يتحدث عن رجل مخابرات مصري زرعته المخابرات المصرية في اسرائيل، في اكثر من مشهد في هذا الفصل. 

وتنتهي المسرحية في المشهد الأخير بقيام الملك فاروق بالمشاركة بتمثيل دوره في فيلم يتم إنتاجه عن حياته من خلال منهج فرويدي في التحليل النفسي، فيتم إبراز العلاقة الخاصة التي تربطه بوالدته والطفولة التي يسعى لتعويضها بعلاقته معها والحقد عليها أيضا يتزايد في داخله كلما تذكر علاقتها بعشيقها. 

ولكن المشاهد يكتشف في اللحظات الأخيرة أن الملك فاروق قد غادر الحياة قبل حدوث هذه الوقائع وان شبيها بالملك فاروق تقمص شخصيته وقام بكل هذه الأدوار، وان رحلة العمدة وراء صك البهوية كانت عبثا، فهو لم يحصل في نهاية المسرحية إلا على توقيع الملك المزيف، دلالة على زيف الرتبة نفسها في الواقع الاجتماعي. 

لم تقدم المسرحية تقييما لصالح أي حدث من الأحداث بشكل قطعي، حيث تركت المجال أمام المشاهد ليرى وجهتي نظر الملكية والثورة. فهي وكما فضحت بعض مسلكيات الملكية قامت بالدور نفسه فيما يتعلق بالثورة. ورغم الاعتراضات التي حملتها المشاهد بإطارها الدرامي أحيانا و الكوميدي في غالبية الأحيان، فإنها أبقت الرؤية باتجاه المستقبل ضبابية حتى يحدد كل من المشاهدين موقفه. 

هذه المشاهد احتوتها حركة متميزة للمثلين بالإضافة إلى الأسماء المذكورة فقد تميزت إلى جانبهم الفنانة الشابة ياسمين النجار ونرمين كمال وسامي عبد الحليم وهاني عبد المعتمد. 

جاء الديكور والمؤثرات الصوتية والإضاءة بشكل عام متناسبة مع المشهد وطبيعة تطور الأحداث منسجمة مع النص دون أن تفتح مجالا لأفق أوسع، خاصة في اللحظات التي كان يتم فيها التركيز على إبراز بعض لمحات التناص مع بعض الأعمال الفنية مثل "ريا وسكينة" ومسرحية "هاملت". 

وكان المخرج هاني مطاوع، أستاذ المسرح في جامعة قابوس بمسقط، قد قدم عدة مسرحيات من اشهرها مسرحية عادل إمام "شاهد مشفش حاجة" ومسرحية نور الشريف التي قدمت قبل عامين بالاشتراك مع منى زكي "يا مسافر وحدك" ومسرحية فاروق جويدة "دماء على أستار الكعبة"—(أ.ف.ب)