رأى الشاعر الفلسطيني محمود درويش أن انتصار المقاومة اللبنانية في جنوب لبنان ، وما فعلته الانتفاضة الفلسطينية سابقا مؤشران قويان على أن إسرائيل لا تفهم غير لغة القوة.
وفي احتفال نظمته جامعة بير زيت بالتعاون مع وزارة الثقافة الفلسطينية احتفالا بانسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان توقع درويش أنه لا يمكن وقف عدوى الأمل الكبير الذي أيقظته الحرية والديمقراطية.
وأضاف درويش ساخرا وموجها خطابه إلى اسرائيل لاستخلاص العبر من انتصار لبنان:"فإذا كانوا يعتبرون الانسحاب نصرا فلينتصروا إذا في سائر الجبهات، فلينسحبوا من الضفة الغربية، ومن القدس العربية والجولان، فلينسحبوا منتصرين، أو فلينتصروا منسحبين، فلا مشكلة لنا مع التسمية، وماذا لو انتصر الكائن البشري على حماقته؟ إنه بداية الرشد".
ولم يفت درويش أن يطلب من اسرائيل وبعد تجربتها في لبنان الكف عن المراوغة في مفاوضاتها المستمرة منذ بداية التسعينات مع الفلسطينيين.
وأكد الشاعر الفلسطيني الذي استقبل وودع بحرارة عالية في قاعة تحمل اسم كما ناصر وهو أحد ثلاثة من قادة حركة فتح اغتالهم الموساد الإسرائيلي في بيروت عام 1973،" فما دامت ثقافة المقاومة جزءا من نسيج المجتمع فإن الانسحاب ممكن ، ومادام الانسحاب ممكنا، فإن السلام ممكن، ولا تحتاج البلاغة إلى بليغ."
وهذا هو النص الكامل لكلمة الشاعر الفلسطيني محمود درويش التي ألقاها أمام طلبة جامعة بير زيت تحت عنوان: نحبّ اليوم لبنان أكثر
"لا تحتاج البلاغة الى اكثر من زيارة مصدرها الاول، لتدرك كم أنهكتها جماليات الحزن على واقع، أدى بها الإفراط في وصفه الواقعي، الى الإحباط من جهة، وأدى بها التأمل العميق في حركته إلى إحياء الأمل، من جهة ثانية. ومنذ البدء، لم يكن للقول من معنى إلا إذا كان حافزاً للفعل.
هكذا يحتفل شعر الجنوب اللبناني، شقيق الشمال الفلسطيني، بانتصار الفعل على واقع الاحتلال، وبانتصار القول الشعري على اغتراب اللغة عن مجالها الحيوي، وبعودة الخيال الى اصله، الى الواقع... ليصير لبيت الشعر بيت من حجر، ومن دون أن نسأل: وماذا عن اليوم التالي؟. يأخذنا هذا العيد النادر الى آفاق مفتوحة على المعاني. إذ، لا أحد يندم على الحرية.
لم يفطن العرب الى ما فيهم من عطش الى الفرح كما يفطنون الآن. لقد اتخذ الأمل مكانة العورة التي تغطى بكثافة الحجاب وبسيولة الخطاب. لكن قطرة من ارض الندى كانت كافية لانفتاح الشهية العاطفية، وربما الفكرية، على فرح جماعي وحَّد فينا وعي الهزيمة القابلة لان تنكسر، ووعي المقاومة القادرة على أن تنتصر.
ربما لا يصلح المثال اللبناني لأن يحتذى، بحذافيره، في كل مكان. وربما لن تكون المقارنة بينه وبين ظرف آخر، شديد التعقيد، أكثر من وليمة لتعذيب الذات بلا سبب. بيد أن البديهية التي لا تبتذل بمرور الزمن، تعلمنا أن تحرر الإرادة شرط لتحرير الأرض. وأن في أعماق كل شعب طاقة روحية قادرة على ابتكار بلاغتها الوطنية التي تتلاءم مع الظرف الخاص والمحدد، لذلك نصفق للبنان.
نصفق للبنان الجميل، نصفق له بلا تورية او تأويل. كنا نحبه، ونحبه اليوم اكثر. لا لان ذكرياتنا تمشي، هناك، على غير هدى في الجنوب الذي اختلط دمنا بعشبه وترابه، ولان شهداءنا الذين قادنا دمهم الى هنا، هم أزهارنا السماوية الباقية هناك… بل لأنه انتصر على خرافته: على ضعفه الفولكلوري المراوغ، وانتصر على أسطورة الاحتلال الإسرائيلي الذي لا يخضع للضغط. ولأنه أحيا في مرآة الاحتلال صورة سايغون المنهارة، التي فتحت تشوهاً في صورة الذات الإسرائيلية عن ذاتها.
ونحب اليوم لبنان اكثر، لأنه انتصر أيضاً، ولو الى حين، على ثقافة الهزيمة المتفشية في مواعظ النخب العربية التي حولت مفهومي الحرية والتضحية الى مادة يومية للسخرية، والتي تتربص منذ الآن بتداعيات اليوم التالي المأمولة، عساها تعيد إليها إنتاج التبشير بعبثية الاعتراض على قدر إسرائيلي لا يرد!
كل ما في لبنان اليوم جميل: عودة أهل الجنوب الى ارض الجنوب، فجر واسع بلا احتلال. مساء آمن على الشرفة. بلاغة العجائز في التشبه بالشجر العتيق. تحطم سجن الخيام أو الباستيل. تعميم النصر على جميع طوائف الشعب اللبناني وقواه السياسية، وعلى قصر بعبدا أيضاً، الأرُز المنثور على المُحَررين وعلى المُحَررين، والأرْز القادم من الشمال الى الجنوب، تبادل الشتائم على جانبي الحدود الدولية. سخرية الأطفال ممن كانوا يروّعونهم.
وكل ما في لبنان اليوم جميل: انتقال الهامش الى المركز. تبلور الهوية بوعي جماعي أقوى من الفسيفساء. منحدرات الجبال والتلال، والليل النهاري على قطيع الماعز الجريء، والعشب اليابس في طبيعة لم تكترث بالغزاة. وآثار الاحتلال أيضاً جميلة حين تتحول مقتنيات للمتاحف: دبابات وآليات وغنائم حربية تشير الى أن احتلالا ما كان هنا، وفرّ قبل الفجر، دون ان يجد الوقت الكافي لارتداء ملابسه الفولاذية.
لكن الجنود الإسرائيليين فرحون هم أيضاً، نعم. قد يفرح المرء بالهزيمة إذا كانت هي الطريق الوحيد الى السلامة، وإلى اللحاق بما تبقى له من حياة. أما القادة الذين سمّوا احتلال جنوب لبنان انتصاراً للأمن الإسرائيلي، فإنهم سمّوا الانسحاب انتصاراً أيضاً، لا لشيء إلا لمعالجة النرجس الجريح. وهكذا، حمّلوا صنيعتهم "جيش لبنان الجنوبي" المسؤولية عن الانهيار، فانخدشت كرامة "حلفاء الشيطان" وقالوا للشيطان: أنت الذي خان، فهل كان "فاوست" ركيكا إلى هذا الحد؟
تتكرر الأخطاء التاريخية لان أحدا لا يتعلم إلا من تجربته. فهل يتعلم أكاديميو الاحتلال الإسرائيلي، ذوو الخبرة الطويلة في هذا المضمار، شيئا من تجربتهم التي دامت حوالي ربع قرن في جنوب لبنان؟ في مقدمة هذا الشيء البسيط: إن الزمن، زمن الاحتلال، لا يُضيّع حق أحد في العودة الى بلاده، ولا يُصنّع حقا مضادا يدعي انه "الأقدم والأحدث "معا، مهما نجحت الوقائع الجديدة في تعديل الجغرافيا والديموغرافيا، ومن هذا الشيء البسيط: أن الاحتلال هو الأب الشرعي للمقاومة.
فهل توفّر هذه التجربة فرصة لعودة الإسرائيلي الهادئة الى محاسبة الذات، التي أدمنت الخروج عن حدودها، وهل توصله الى التساؤل عن مدى تحمله نفسه العليا المثقلة بالاستثناءات والخصوصية، والتي لا تكف عن مطالبة الآخرين بالتطبيع مع حقها في الهيمنة والتعالي على التاريخ، دون ان تجد الوقت لاقامة علاقات طبيعية وعادية مع ذاتها، لأنها منهمكة في حشر الآخر في ما تحدده له من "آن، وهنا".
ليس هنالك نصر نهائي ولا هزيمة نهائية، فهذان المفهومان يتقنان لعبة التناوب والاحترام المتبادل، لكي يكمل السيد التاريخ حركته اللانهائية، المهم هو: ماذا يفعل المنتصر بالنصر، وماذا يصنع المهزوم بالهزيمة. ولعل بعض الهزائم صالح لبلوغ البشر مرحلة النضج المعنوي والأخلاقي. ولعل بعض الانتصارات اخطر على البعض من الهزيمة، لأنه يعفيه من ضرورة الإصغاء الى صوت الزمن. لقد انتصرت إسرائيل على العرب أكثر من طاقتها على تحمل تبعات نصرها، إذ صار دماغها العسكري اكبر من جسدها، فأصبحت أسيرة لفائض قوة جشعة، دون ان تحسب أي حساب لقدرة المقاومة الشعبية على تحييد هذه القوة.
هذا ما فعلته الانتفاضة الفلسطينية أمس، وهذا ما فعلته المقاومة اللبنانية اليوم. لقد أرغمت الأولى اسرائيل على الاعتراف المتأخر بوجود الشعب الفلسطيني وعلى الانسحاب، أو إعادة الانتشار، عن جزء من الأرض الفلسطينية المحتلة، وأرغمت الثانية اسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنان لأنها لم تعد قادرة على تحمل ثمن الاحتلال، لا لأنها انتبهت فجأة الى قرارات مجلس الأمن، وهكذا، فإن الدولة التي لم تكف عن القول ان العرب لا يفهمون غير لغة القوة، هي الدولة نفسها التي يقول انسحابها انها هي نفسها لم تفهم غير لغة القوة.
إن سؤال اليوم التالي عما سيفعل اللبنانيون بانتصارهم بعدما أنجزت المقاومة المسلحة برنامجها الوطني، وعن مدى انسجام برنامجها الاجتماعي مع متطلبات المرحلة اللبنانية المقبلة، وعن تداعيات الانسحاب المحلية والإقليمية، وغيره من الأسئلة السهلة والصعبة، لن يوقف عدوى الأمل الكبير الذي أيقظه لبنان الصغير في قارة عطشى إلى الحرية والديموقراطية.
لقد استعادت ثقافة المقاومة، بمعناها الواسع، بعض أسلحتها الفكرية التي صادرتها برغماتية مبتذلة لا تميز بين التسوية والسلام، ولا توازن بين الدفاع عن الحقوق وبين إدراك الممكن.
وأما السؤال عما سيفعل الإسرائيليون بما أصابهم في جنوب لبنان، فإنه منوط بنوعية استخلاص العبرة، فإذا كانوا يعتبرون الانسحاب نصرا، فلينتصروا إذاً في سائر الجبهات... فلينسحبوا من الضفة الغربية ومن القدس العربية ومن الجولان، فلينسحبوا منتصرين، او فلينتصروا منسحبين، فلا مشكلة لنا مع التسمية، وماذا لو انتصر الكائن البشري على حماقته؟ إنه بداية الرشد، ومقدمة واعدة بعقد السلام الطبيعي مع الذات، فقد آن للعقل الإسرائيلي المدبّر ان يتحرر من عقدة التفوق ومن عقدة الخوف، اللتين تضعان السلام لنا بديلا للتحرر، ورموز الأشياء بديلا عن الأشياء، والاحتلال العلني أو المبطن شرطا لقبول التسوية.
إن اختيار الفلسطينيين طريق السلام هو اختيار لا يمكن التراجع عنه، لأنه مرتبط بمصلحتنا الوطنية العليا ومسلح بتقاليدنا النضالية الغنية بالتجارب، فليس السلام هبة من أحد، ولا هو عطلة نهاية الأسبوع، إنه معركة قاسية يقودها وعي مقاومة الاحتلال والتبعية، ووضوح الهدف الوطني في الاستقلال والسيادة.
فما دامت ثقافة المقاومة جزءا من نسيج المجتمع فإن الانسحاب ممكن..
وما دام الانسحاب ممكنا فإن السلام ممكن،
ولا تحتاج البلاغة الى بليغ!"- -(البوابة)- -(مصادر متعددة)