مائدة البياتي - علي السوداني

تاريخ النشر: 08 سبتمبر 2004 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

قبل أربع سنين، توقف عبد الوهاب البياتي عن ممارسة الحياة أو الجزء المقسوم له منها كما كان يراه الرائي الذي ربما خذلته الرؤيا هذه المرة وهو ينصت الي طقطقة خرزات مسبحة أيام ضاجة وممتلئة في وجه، وباردة ومقفرة وحزينة في وجه ثان او تحت غواية القناع الذي ارتداه في غير مدونة ومعلقة. 

في خرير أيامه المتأخرات، حججت اليه ويممت وجهي شطر دمشق التي فازت به كأنه قبر مؤجل يكاد يصيح من فرط نوره. أو شال أيام وقصائد منثورات كما لؤلؤ صرف، يلملمها محمد جاسم مظلوم احد اوفي مريديه. كنت امعن العين بعين مظلوم ــ في بلور باب توما ــ فاندهش وانذهل وأغيب قبل ان يأكل ماء زمزم سبعاً من دنان الراح. وفي لجة ذلك الغياب، يوقظني (ابو علي): اني لاكاد انصت لخطوات الموت تنزل ثقيلة كاسحة! بعدها بأقل من أشهر ثلاثة، مات البياتي ودفن في مقبرة الغرباء خارج أسوار ملهمه محيي الدين بن عربي. قبل ذلك وفي الدهر الذي اقترح فيه عبد الوهاب البياتي الموت علي نفسه، كنت ابت الي عمان وفي (عبيّ) جهشات وشهقات ونبوءات، وعند اعتاب مقهي (السنترال) سألني طراد الكبيسي عن حفنة من ايام دمشقيات وسلة من ليال بياتيات. قلت: دمشق مدينة ماكرة تأكل وتشرب وتحترف سياسة، وتقلق وتذوب في تاريخ الحجر، لذا استجابت لنداء (المهنة) وهتاف الغواية فواصلت شراء قبور العراقيين ــ كان قبل ذلك مصطفي جمال الدين وهادي العلوي ومحمد مهدي الجواهري ــ حتي لتتسع مخيلتي فتري فيما تري ــ ربما تتوهم الشاعر سعدي يوسف وقد منح ظهره المستقيم أبداً دمشق شارداً سارياً بليل أبكم، قافزاً فوق دكة مغسل كان تلبسه ومسه بعد متوالية الغياب تلك. 

أراني ــ أنا الولد التعبان من صباحات بغداد المفخخة ــ وقد شرعت من النهاية وكان الأجدي بي ان الج باب الذاكرة من سنوات عمانيات صافيات بهيات بتاج الثلج ــ رأس البياتي كان شديد البياض ــ شاهقات بعطر الياسمين، سفحتها علي مائدة البياتي ــ طاولته ان شئت ــ مريداً منصتاً خاشعاً مترنماً مردداً مرتلاً مرات، شابا عن الطوق، مشاكساً مقامراً، صانع قفشات ومقترح سعادات ومنتج أوهام في حضرة لا تقل فيها كلمة الا وتحس انك انما تتوجس في حقل الغام. الكتابة هنا ــ ما أوجعها وما ألذها ــ مشروع كتاب، سأنتف ريشه وابتسره واعصر لغته واصفي حروفه واقصقص جناح مخياله فأقول: 

علي مائدة البياتي أو طاولته ــ الطاولة تتبدل أحوالها وطقوسها، تصحو في كاليري الفينيق وتسكر في حانة الياسمين ــ اجتمعت كل التناقضات... الممكنات والمستحيلات. قطار بغداد الصاعد الي عمان المعبأ بأدباء وكتاب ومبدعي وكذابي البلد، كلهم ضيوف علي تلك المائدة التي ما منعها ثلج منثور ولا عكرتها واقعة حسين كامل الشهيرة. أدباء ينشدون المنافي فيسقطون عند منازل وليالي ابي علي في مشهد يتجاذبه التطهير والتعميد والقلق والتوجس حتي اذا اذنت الساعة وسكرت القوم من نقيع (حداد ذهبي)، لحظتها، لن تجد من يتحامق ويقامر فيخرج من باب الحانة قبلنا بدقائق معدودات كافيات لسحقه وهرسه ودرسه هو وقصيدته التي كنا قبل كأسين من الآن، قد رفعناهما بصحة وعافية وألق وخلق ذلك الفتح المبين! 

مائدة عجيبة. خلطة مسحورة من شعر وسياسة ورسم وقصة ورواية ونقد ونقود. طاولة مربعة ومستديرة صف علي محيطها، ابناء معارضة وابناء حكومة وابناء شوارع في ليال حالكات، لكنها ظلت تصيح: هل من مزيد؟ البياتي ــ بأبي انت وامي ــ يغربلها ويفلترها ويصفيها وقبل ان يجري ويسيح الذهب من مغطس غروب اليوم التالي يلح (ابو علي) في سؤالي عن اسم المرأة المذهلة التي فضت بكارة او شال ليل الحانة وخلفت فوق جبينه قبلة ــ  

أعلي درجات الوهم أو أقصي حالات الخصب ــ ساخنة طرية عذبة لذيذة كما (عائشة).