لا زالت قمة شرم الشيخ تحظى باهتمام عربي وعالمي مستقطبة ردود فعل متباينة بين من شكك بقدرتها على وقف المواجهات، ومن اعتبر أنها حققت نتائج إيجابية كوزيرة الخارجية الأميركية والرئيس المصري، وبين وزير خارجية إيران الذي اعتبرها فشلت فشلا ذريعا.
شكك السفير الفلسطيني لدى الأمم المتحدة ناصر القدوة في نجاعة الحلول التي طرحتها قمة شرم الشيخ وقدرتها على وضع حد للمواجهات التي تشهدها الأراضي المحتلة منذ 28 أيلول/سبتمبر الماضي.
وقال القدوة، بحسب وكالة الأنباء الكويتية، أمام جلسة طارئة للجمعية العامة في الأمم المتحدة خصصت لمناقشة الأوضاع في الأراضي المحتلة انه "يجب أن نلاحظ انه لم يصدر عن القمة بيانا ختاميا موقعا" مشيرا إلى وجود غموض اعترى بعض الاتفاقات التي تم التوصل إليها.
وأضاف القول انه "لن يكون هناك من هو اكثر سعادة من الشعب الفلسطيني إذا ما توقفت هذه الأحداث الدامية وإذا ما تم إنهاء الاحتلال و التوصل إلى سلام شامل وعادل".
وقال انه "من جانبنا سنبذل جهودنا لانجاح اتفاق شرم الشيخ ولكننا نريد رؤية ما الذي ستفعله إسرائيل".
وأضاف "نحن نعتقد بان العالم يريد أيضا أن يرى ما سيسفر عنه اتفاق شرم الشيخ وسيبقى مراقبا للوضع عن كثب". ورحب القدوة في كلمته بشكل خاص بقرار قمة شرم الشيخ بتشكيل لجنة تقصي حقائق.
من ناحيتها، اعتبرت وزيرة الخارجية الأميركية مادلين اولبرايت،أمس الأربعاء، أن النتائج "الإيجابية" للقمة بدأت تظهر بعد الإجراءات التي اتخذها الفلسطينيون والإسرائيليون في محاولة لإنهاء أعمال العنف.
وقالت اولبرايت للصحافيين في شانون (ايرلندا) خلال رحلة العودة إلى الولايات المتحدة بعد جولتها الشرق أوسطية "لقد وفرنا المركبة للتقدم ويتوجب علينا حاليا أن نراقب بانتباه شديد أولى التحركات".
وأضافت "يجب أن ننظر إلى الأشياء خطوة خطوة وان نكون متشجعين نسبيا بما يحدث. ولكن نظرا إلى أعمال العنف التي حصلت الليلة الماضية (الثلاثاء)، اعتقد انه يتوجب علينا أن نراقب هذا الأمر بانتباه شديد".
وأشارت اولبرايت التي شاركت في قمة شرم الشيخ إلى جانب الرئيس الأميركي بيل كلينتون أن "الطرفين أدليا بتصريحات بعد (قمة) شرم الشيخ وقد بدأ الإسرائيليون عمليا بإعادة نشر" قواتهم، وفق ما أفادت به "فرانس برس".
وأوضحت انهم "أعادوا فتح معبر رفح و(مطار غزة)... اعتقد أذن أننا بدأنا نرى أولى نتائج شرم الشيخ".
وتابعت تقول "أن الإدلاء بهذه التصريحات والقبول بها من قبل الطرفين ومباشرة الإسرائيليين باتخاذ اجراءات، امر مهم".
وقللت اولبرايت من أهمية عدم توقيع أي اتفاق في شرم الشيخ.
وأضافت "الاتفاقات الموقعة والمصافحات لا تشكل الفرق. المهم هو ما يجري على الأرض. أحيانا نعلق أهمية كبرى على ما يتم التوقيع عليه وأحيانا لا نولي أهمية كافية لموضوع الاتفاق".
وختمت بالقول "في مطلق الاحوال، ما يهم هو ما يجري على الأرض".
من ناحيته، رفض الرئيس المصري حسني مبارك الانتقادات الموجهة إلى قمة شرم الشيخ التي استضافتها مصر مؤكدا أنها نجحت لا سيما بسبب إنهاء الحصار عن المدن الفلسطينية.
وقال مبارك في تصريح للتلفزيون المصري "لو أن قمة شرم الشيخ لم تعقد لكان عدد القتلى وصل إلى 200 أو 300 قتيل".
وشدد مبارك على أهمية التزام إسرائيل الشفهي خلال القمة الاثنين بسحب قواتها من المدن الفلسطينية وإعادة فتح الحدود والأجواء الدولية بعد حوالي ثلاثة أسابيع من المواجهات التي أوقعت اكثر من مائة قتيل معظمهم من الفلسطينيين.
وقال مبارك "القمة نجحت لأنها اتفقت على فك الحصار وعلى سحب القوات، اتفقت على نقاط كثيرة. أما أن تنجح أو لا فهذا يتوقف على النوايا. الحكاية مش حكاية توقيع على ورقة ملزمة، ما هم ماضيين على ورق في شرم الشيخ وعلى ورق قبل ذلك، ولم ينفذ شئ، المسالة مسالة نوايا. إذا كان الطرفان ناويين يحلوا ويمشوا في طريق السلام هذا يتوقف عليهم".
ورفض مبارك الانتقادات المتشددة التي اعتبرت قمة شرم الشيخ إجهاضا للانتفاضة الفلسطينية وللقمة العربية المقررة السبت المقبل في القاهرة.
وقال "أية انتفاضة تجهضها قمة شرم الشيخ. أنا عندما ارفع الحصار عن الناس علشان ياكلوا، علشان الأدوية تصل، والحياة تمشي، هل يكون هذا اجهاضا للانتفاضة؟ هل عندما اجعل القوات الإسرائيلية تعود الى مواقعها ويأخذ الفلسطينيون أرضهم يكون اجهاضا للانتفاضة؟".
وقال مبارك "ما وصلنا إليه في شرم الشيخ كان أقصى ما يمكن أن نفعله في هذه الظروف" ردا على سؤال حول أن القمة لم تلب الكثير من طموحات الشعوب العربية.
وقال "بعد اجتماع باريس (بين الرئيس ياسر عرفات ورئيس وزراء إسرائيل ايهود باراك ووزيرة الخارجية الأميركية مادلين اولبرايت) كان هناك تعنت من الجانب الإسرائيلي، وعدم تحضير في الجانب الفلسطيني، وعندما وقعت الأحداث الناس انفعلت والقتلى زادوا ونشب موقف عدائي بين الجانبين".
واضاف "حتى تستأنف عملية السلام يجب أن يهدأ الناس، علشان تفكر بموضوعية ولذلك انصب العمل على انسحاب القوات وفتح المنافذ بعدها سيكون هناك اسبوعان تتشاور خلالهما الإدارة الأميركية مع الجانبين لكي يتفقوا على استمرار عملية السلام (..) التي كانت أمامها فرص كبيرة وإهدرت". وقال "لا بد أن تسير عملية السلام ولا مفر من ذلك".
وردا على الدعوات إلى إعلان الحرب قال مبارك "منطق الحرب منطق قديم. ومن يتحدث عن إعلان الحرب يجب أن يفهم معناها وخطورتها ومدى تأثيرها على شعبه (..) القضايا لا تحل إلا بالتفاوض والضغوط الدولية".
وذكر مبارك بان أخر قمة عربية عقدت في القاهرة في 1996 دعمت عملية السلام وحق الفلسطينيين في استعادة أراضيهم المحتلة.
لكن مبارك حذر من أن القمة العربية "لن تكون قادرة على تلبية كل طلبات الذين يتكلمون في الشارع" لان "لكل دولة ظروفها" مشددا على أن "الاجتماع بحد ذاته حدث مهم".
وبحث مبارك نتائج القمة مع ذكرت الرئيس الفرنسي جاك شيراك والمصري حسني مبارك خلال اتصال هاتفي.
وقالت "فرانس برس" نقلا عن وكالة انباء الشرق الوسط ان شيراك اتصل هاتفيا بمبارك وان الرئيسين "أكدا على أهمية احترام التعهدات التي قطعت خلال قمة شرم الشيخ" ولكنها لم تعط تفاصيل إضافية.
وفي مقابل ذلك، اعتبر وزير الخارجية الإيراني كمال خرازي أن قمة شرم الشيخ (مصر) لم تسفر عن "أي نتيجة ملموسة" وقد أثارت "شكوكا كبيرة" حول مستقبل المنطقة.
ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية عن خرازي قوله خلال لقاء مع سفراء الدول غير الإسلامية أن "هذا الاجتماع لم يسفر عن اي نتيجة ملموسة. وإذا انسحب بعض الجنود الإسرائيليين فمن اجل تهدئة الغضب الفلسطيني".
واضاف خرازي الذي تعارض بلاده عملية السلام وتدعم "الانتفاضة الفلسطينية الجديدة"، أن "هذه القمة أثارت شكوكا كبيرة" حول مستقبل المنطقة.
وأوضح أن "الجهود التي تبذلها الدول الغربية مهمة من اجل تخفيف التوتر في المنطقة لكن ما يتوجب على الدول الغربية أن تفعله وخصوصا الأوروبيين هو ممارسة المزيد من الضغط على إسرائيل".
ومن جهة اخرى، ذكر التلفزيون الإيراني أن وزير الخارجية الإيراني طلب من ألمانيا خلال اتصال هاتفي مع نظيره الألماني يوشكا فيشر "استعمال نفوذها" لدى إسرائيل "لحملها على التراجع".
وقد أعرب فيشر من ناحيته عن قلقه حيال "الوضع المتفجر" الذي يخيم حاليا على المنطقة.
وفي اتصال هاتفي أخر مع الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للسياسة الخارجية والأمن المشترك خافيير سولانا، اعتبر خرازي أن "التحريض الذي قام به النظام الصهيوني كان السبب في اندلاع الأحداث".
وأوضح أن لجنة الاستطلاع التي أقرتها قمة شرم الشيخ حول أسباب المواجهات لا يمكن أن تكون "منصفة" بفعل وجود "أولئك الذين يدافعون عن النظام الصهيوني" في إشارة إلى الولايات المتحدة.
أما سولانا الذي شارك في القمة، فاعلن أن "المهم من الان وصاعدا هو تطبيق الاتفاق" الذي تم التوصل إليه وتأمين "العودة الى الهدوء".
وعلى صعيد متصل، أعلن الأمين العام لمنظمة الفرنكوفونية بطرس غالي في مدينة كيبيك (كندا) أن لا شيء يبرر عدم وجود سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
وقال بعد لقاء مع رئيس وزراء مقاطعة كيبيك لوسيان بوشار ان "ما من سبب لعدم توصل الإسرائيليين والفلسطينيين الى توقيع اتفاق سلام" كما فعلت "إسرائيل ومصر قبل 22 عاما".
وأوضح غالي أن الاتفاق الذي تم التوصل اليه في قمة شرم الشيخ (مصر) من اجل وقف أعمال العنف ليس إلا "خطوة أولى" من اجل "إعادة مناخ الثقة" بين الطرفين موضحا أن أي اتفاق دائم يتطلب من كل طرف "الكثير من العمل والسخاء"—(البوابة)—(مصادر متعددة)