بادر اتحاد كتاب المغرب برئاسة الشاعر حسن نجمي، على هامش فعاليات مهرجان الرباط الدولي في دورته السادسة، بعمل جلستين نقديتين خصصتا لدراسة وتحليل التجربة الشعرية للشاعر محمود درويش، باعتبارها تمثل علامة بارزة ومضيئة في المشهد الشعري العربي، وبمشاركة مجموعة من النقاد العرب، منهم الروائي: الياس خوري (لبنان )، صبحي حديدي (سوريا)، حسن خضر ( فلسطين)، صلاح بوسريف( المغرب) ، ومحمد الغزي (تونس) وآخرين.
وحسب صحيفة "الاتحاد" الإماراتية اليوم، فقد عرض الشاعر المغربي المهدي أخريف في الجلسة الافتتاحية الأولى لتجربة الشاعر محمود درويش ، باعتبارها حققت المعادلة الصعبة بين ما هو أيديولوجي وشعري، مع طرحها باستمرار للحوار الدينامي الفعال، مع الذات، الكينونة ،وعلم الجمال، وكذلك لتغييرها للأسئلة الغنائية العربية، وترتيب جمالية فوضاها، ولذلك تم فتح أفق شعري إنساني تجريبي وصل مع الشاعر محمود درويش الى ذروته.
صبحي الحديدي
وتحدث الناقد السوري صبحي حديدي المقيم حالياً بباريس، فركز في مداخلته على خصوصية تجربة درويش من موقعه كقارئ للشعر وكدارس له، ليصرح بأن في ذمته أكثر من دين للشاعر محمود درويش، الذي ربى أجيالاً عديدة على التربية الجمالية للشعر، الذي يتضمن جوانب معرفية عديدة ترصد التطور الذي طرأ على القصيدة العربية، وأبان بأن الشاعر في الطور الأول من حياته الجامعية كان،وبسبب الشح في علم الجمال، قد لجأ الى التعلق بالجمال الماركسي، وأضاف أنه كناقد في تلك الآونة، كان منقاداً الى الرواية على حساب الشعر، باعتبار أنها من الممكن أن تعكس جوانب إنسانية من المجتمع،بعكس الشعر. وأشار إلى أن شعر درويش ، الذي كان قد خرج لتوه من فلسطين، وبدأ يحتل الموقع الأثيري في دائرة المشهد الشعري العربي جعل الناقد صبحي حديدي يعيد مراجعة أوراقه وينظر إلى القصيدة النثرية العربية باحترام، خاصة أمام تجارب أخرى هامة مثل أنسي الحاج ومحمد الماغوط.
حسن خضر
وقدم الناقد الفلسطيني حسن خضر في مداخلته مجموعة من الملاحظات، فأشار الى المفارقة الموجودة في الحجم الكبير الذي يحتله محمود درويش في المشهد الشعري مقارنة بالنزر القليل من النقد الذي لا يقارب الحجم الكبير الذي يحتله في راهن الشعر الحداثي العربي، وأشار إلى أن هذه الظاهرة هي محاولة لبحث الآخرين وتفتيشهم عن أدوات إبداعية مجددة، وأضاف خضر بأن شعر درويش دائم التغيير، لأنه يتجاوز نفسه باستمرار، وهو يملك قدرة عالية على التخيل، مع جنوح قصيدته(جدارية محمود درويش) نحو تعدد صوتي يفصح عن وقفة رجل وحواره مع الموت، وما ينطوي عليه هذا الكائن من أحلام مررها الشاعر بسخرية، بحيث لم يأخذ الموت بالجد، وهذا هو الجانب المأساوي في القصيدة ، فإذا كانت مأساة رامبو عدم الإيمان بشيء مطلقاً أو كما سماها اللاشيئية، فإن محمود درويش يرى الشيء باعتباره حقيقة في التاريخ ولقد تم تمرير العديد من الدلالات التي أكدت افتعال الشاعر للحكمة أمام الموت، مع الإحساس بهشاشة الكائن الفرد، وربما كانت هذه محاولة أخرى للتعالي على الموت في الجدارية. ويشير خضر إلى أن درويش استند في مقاربته إلى تقسيم كان قد طرحه فرويد على جميع أشكال الإبداع، الذي يعتمد على أسطورة الصيف، الشتاء، الخريف، الربيع، واعتبر أن هذه القصيدة تنتمي لخانة الفصل الربيعي الذي أظهره الشاعر محمود درويش مقروناً بدلالات تعبيرية جديدة ساهمت في إثراء الجدارية، مع محاولة محمود درويش أن ينفذ الى أعماق الأدب لخلق علاقة ممكنة مع الموت.
سمير يوسف
وأبرز الناقد سمير اليوسف أن قصائد محمود درويش هي في حقيقتها كلها "شهادة على الزمن الذي يحرق كل شيء" واستدل بمطولة جدارية التي تعد في رأيه إعلانا عما كان يضمره الشاعر، ولا يخبر به عن العالم ، ومن ثم ظهر إحكام الشعر على قبضة اللغة.
وأضاف اليوسف أن من خصائص هذه الرؤيا أن الشاعر مخصوص بإبلاغ رسالة، لذلك فلا يمكن الانتصار على الموت أو تجاهل نداء الحياة ، فالموت اسم آخر للغياب ، وعلينا مواجهة الموت بحيوات عديدة، ضمن هذه الرؤيا، تصبح وظيفة الشاعر هي صناعة اللغة، والتأمل في الشعر كاحتماء من الموت، وتبدو الكتابة هي الدرع الواقي للشعر ، وهي حجته الأخيرة على المقاومة، كما يصبح الإقبال على الموت ذريعة للإقبال على الحياة. ويرى اليوسف كأن القصيدة بهذا المعنى هي نعي للموت، لا نعي للحياة ، فالشاعر لم يعد يبصر وجوده إلا في جرحه ، وفي شرايينه تبزغ الورود، لذلك يقرر الناقد سمير اليوسف أن الشعر هو فعل كتابة عن طريق الوجود لابتكار العالم واستبصار الحياة ، مع الإشارة الى استثمار الشاعر للأساطير، فالقصيدة تنطوي على حوار مثير مع رجال الحكمة،والأساطير تشحن قوة القصيدة بطاقاتها الرمزية من أجل حماية الروح، لذلك فجدارية الموت تذكرنا بأسئلة أساسية تدفع الإنسان لكتابة الشعر.
إلياس خوري
وترأس صبحي حديدي الجلسة النقدية الثانية التي ضمت في البداية شهادة الكاتبة الصحفية العراقية فاطمة المحسن التي تحدثت عن عنفوان وقوة شعر محمود درويش . تبعها مداخلة الروائي والناقد اللبناني إلياس الخوري الذي تطرق لموضوع "ريتا" وشعرية المسمى في التجربة الشعرية، ويوضح الخوري أنه تفاجأ وهو يقرأ أن ريتا هذه تمثل فتاة إسرائيلية ظهرت في الوعي العربي، مثل قصة حب كلاسيكية في ديوانه لماذا تركت الحصان وحيداً ، التي تزامنت ومجموعة من الأحداث الدرامية التي عاشها الشاعر على اثر اكتشافه لدمار لحق بقريته وترحيل عائلته الى الجليل، حيث يرسم الشاعر بلغة المجاز الشعري مأساة الخروج الفلسطيني الكبير الذي تم في الأربعينات، ويمرره عبر متواليات سردية تأخذنا الى التطور في تجربة درويش، حيث يتحول الشعر معه الى حصان يأتينا بالكلمات المتمردة ، فنكتشفها بأسى ونقف على أطلالها ، وأضاف الخوري أنه في ديوان "سرير الغريبة" ستظهر من جديد ريتا كفتاة اسرائيلية، بعيون بنية، تجسد فتاة الحب المستحيل ، ويبرز الشاعر عبر هذه التسمية أن ريتا كشفت تاريخاً طويلاً عبر عن مأساة جماعية،وقدم من خلالها شهادة على العدوان الإسرائيلي، وتخريبه للقرى الفلسطينية، وظلت ريتا لصيقة بالمناخ الإسرائيلي ، وهي تجسد صفات امرأة غامضة يرسمها الشاعر بالمجاز الشعري كلوحة تجريدية ، لتبدو ريتا حوارا مستحيلا مع الذاكرة.
منصف الوهايبي
وركز الشاعر والناقد التونسي منصف الوهايبي، على ديوان سرير الغريبة لمحمود درويش ، فتناول إجمالا العلاقة بين الشعري والمعرفي في هذا النص، واعتبر أن سرير الغريبة، هو سرير للسؤال، يستنهض الحواس ويستنفرها، محاولاً استرجاع شغف القراءة ، وأكد الشاعر على خصوصية الأسطورة في شعر درويش ، وركز على نظريات عديدة استند إليها الوهايبي لدراسة تجربة درويش الشعرية التي تنطوي على مفارقات عديدة، منها مفارقة الآخر الذي سلبه أرضه، الآخر الذي يراه استكمالاً له، ويعكس صورة المحبوب وهدية المرأة الفلسطينية، التي تبقى في الحياة غامضة وبدون ملامح، ففي تجربة درويش يتعين على المرأة أن تكون أكثر من امرأة، لأن الشاعر يحب الوضوح الضروري في لغزه المشترك مع المرأة .
عبده وزان
وعرض الناقد اللبناني عبده وزان ، لجدارية درويش، وخلقها طابع المصالحة بين الجمهور، ثم قدرتها على التجدد في مسار التجربة الشعرية الحديثة ، بحيث كتب الشاعر بورتري خاصا بملامحه ، فدخل الى عالم الموت من بابه الواسع، ومارس الشعر كفعل غياب وحضور في الموت،، وأشار إلى أنه لذلك تبدو الجدارية خوضاً لمفهوم الموت بطريقة جديدة، وذاتية، ففي اللاهناك تنحل الضمائر كلها، فيخاطب الشاعر نفسه في مرآة الوحدة ليصبح الأنا هو الآخر ، و الآخر هو الأنا، وليدرك درويش أنه الغريب على غرار الحلاج، لذلك يبرز الناقد عبده وزان أن الشاعر درويش في جداريته عدمي، أشبه بالصوفي أو أنه يشبه المتوحشين الذين لا دين لهم.
وتدخل الناقد المغربي بنعيسى بوحمالة فركز في مقاربته تلك على البعد الوجودي في كتابة محمود درويش بحيث لامس ثلاثة أركان في تجربته الشعرية، وهي الذات، الأرض، ثم العودة التي طرحها في بعديها الرمزي والأسطوري كما أشار الى أن محمود درويش أكد من خلال جداريته الأخيرة، أنه ينتمي فعلاً الى سلالة المنشدين الكبار في التاريخ الإنساني - -(البوابة)