في الوقت الذي بدأت تظهر وسط أنقاض مخيم جنين دلائل مروعة على جريمة حرب على رغم محاولات الجيش الإسرائيلي التستر عليها منذ اسبوعين. وصفت واشنطن هذه الدلائل والانباء والشهادات بـ"الاساطير" وقالت انها تتعامل مع "الوقائع". فيما طالبت الدول الإسلامية منظمة الامم المتحدة بارسال لجنة تحقيق دولية.
شهادات
شهادة فرنسية
في شهادة لصحفية فرنسية زارت المخيم امس جاء فيها:
من بين الحطام الذي يكسو مخيم جنين تظهر عجوز فلسطينية تنتحب، فتقطع بانينها الصمت الثقيل المسيطر على المخيم المدمر وكان زلزالا فظيعا حل به.
يهم الجندي الاسرائيلي الذي يواكب مجموعة الصحافيين بتصويب سلاحه الى العجوز المنتحبة فتستدير بسرعة وتتوارى خلف تلال الانقاض.
يحيط الجيش بالصحافيين، حرصا على عدم اقتراب سكان المخيم منهم خلال زيارتهم الى الموقع الذي كان قبل اسبوع فقط مسرحا لمعركة شرسة هي الاعنف التي خاضتها قوات الدولة العبرية.
ويسعى الجنود الى الاثبات ان المخيم لم يشهد مجازر كما يؤكد الفلسطينيون بل معركة صعبة خاضها الجيش بدون ارتكاب تجاوزات.
ويقود الجنود الصحافيين في زيارة مدروسة بين ازقة المخيم المقفرة، متعرجين بين التلال الهائلة من ركام المنازل المدمرة بالصواريخ والدبابات الاسرائيلية التي تذرع المكان.
لا تشاهد جثث في شوارع المخيم. لم تعد تدور معارك. بسط الاسرائيليون على الارض بقايا قنبلة يدوية يقولون ان الفلسطينيين استخدموها.
ويكرر الجنود مرة جديدة ان مخيم جنين كان القاعدة الخلفية لنصف الانتحاريين الذين نفذوا عمليات في اسرائيل، وان مئات المقاتلين قاوموا الجيش فيه. ويؤكدون ان بين القتلى البالغ عددهم "حوالي خمسين"، هناك القليل من المدنيين.
وتم رسم مسار الزيارة بشكل دقيق. ومدت كابلات بيضاء لرسم الحد الفاصل بين المعابر الماذونة والشوارع المحظورة. ويحذر الجنود من وجود العديد من الالغام والعبوات المزروعة من الجانب الاخر من الاشرطة البيضاء.
تلوح على مسافة بعض الظلال. لكن ما ان يهم الصحافيون بالقيام ببضع خطوات في اتجاهها حتى يطلب منهم احد الجنود بتهذيب ان يعودوا ادراجهم.
تعبر بشكل مفاجئ على مسافة مئتي متر مجموعة من ستة جنود يحملون جثة اخفيت داخل كيس ابيض كبير.
يتجاهل العسكريون الذين يحيطون بالصحافيين الامر وتتواصل الزيارة وكان شيئا لم يحدث. وبعد قليل تتوقف المجموعة امام الموقع حيث قتل 13 من الجنود الاسرائيليين ال26 الذين سقطوا في المعارك.
فجأة تظهر مجموعة من النساء اللواتي ينتحبن. يصرخن بالعربية الى الصحافيين "لا تصوروننا نحن، تعالوا صوروا موتانا".
يصوب الجنود رشاشاتهم الى النساء. لا يريدون ان يتكلم سكان المخيم الى الصحافيين.
تدرك احدى النساء ان الصحافيين لا يتحدثون العربية، فتتوجه اليهم بالاشارة. ترفع خمسة اصابع لتفسر لهم ان خمسة من افراد عائلتها قتلوا. ثم تغطي انفها بردائها متظاهرة بالاشمئزاز لتشير الى رائحة الجثث.
ثم تصيح في اتجاه الصحافيين "لا احد يعيرنا اي اهتمام. الاباء يبحثون عن ابنائهم، الاشقاء يبحثون عن اخوانهم، لا احد يعرف اين افراد عائلته". وتتساءل بمرارة "اين الدول العربية؟ اين كل الذين يمكنهم مساعدتنا؟"
يفقد الجنود صبرهم تدريجيا امام هذا المنحى غير المتوقع الذي اتخذته الزيارة، ويعود الصحافيون من دون ان يتمكنوا من كشف ما حدث فعلا داخل هذا المخيم خلال حوالي اسبوع.
واخرى بريطانية
وكتب مراسل جريدة "الانديبندنت" البريطانية فيل ريفيز ان مخيم جنين الذي لا تتجاوز مساحته كيلومترا مربعا والذي كان يكتظ بالبشر يوما "لم يعد سوى حفنة من التراب. فقد حولت الجرافات الانقاض اكواما ترتفع ثلاثين قدما. وفي كل مكان تفوح رائحة الجثث المتحللة مما يقدم الدليل على تحول المكان مقبرة بشرية". وقال ان "الجثث بالمئات مطمورة بين اكداس التراب والانقاض". ووصف مبنى نصف مدمر اشتعلت فيه النيران وفي داخله جثة يتكاثر حولها الذباب. واضاف انه "في مبنى آخر شاهدنا اشلاء جثة اشرف ابو حجر (23 سنة) بين انقاض غرفة منهارة غطاها السواد بفعل الحريق بعد إصابتها بصاروخ وقد كساها السواد وانكمشت بفعل التحلل. وفي منزل ثالث كانت خمس جثث مغطاة بالبطانيات وقد مر عليها زمن طويل". وروى ان شابا يدعى كمال انيس قاده وآخرين بين اطلال المنازل الى مكان قال انه "مقبرة جماعية". واكد الشاب انه شاهد بعينيه الجنود الاسرائيليين يكدسون 30 جثة تحت انقاض منزل نصف مدمر، وبعدما انتهوا من تكديس الجثث جرفوا المبنى بالجرافات لتنهال الانقاض فوق الجثث وسووا المكان باحدى دباباتهم، وهكذا "لم يعد في امكاننا ان نرى الجثث ولكن نشم رائحتها فقط".
ووصف مراسل "التايمز" غانيني دي جيوفاني منظر الجثث التي شاهدها مشوهة ومكبلة مثل بشير (23 سنة) "الذي تفحمت جثته تحت الانقاض ورأسه ملتو في اتجاه الباب كما لو كان يستغيث طالبا النجدة. وعسران ابو هديل (23 سنة) الذي كان ملقى محترقا بين كتل الاسمنت وشظايا الزجاج ويداه ممدودتان كما لو كان يحاول لحظة احتضاره انتشال نفسه من بين الانقاض".
وقال الصحافي "ان اللاجئين الذين قابلتهم وتحدثت معهم في الايام الاخيرة لا يعرفون الكذب. واذا كانوا قد قللوا شيئا فقد قللوا حجم المجزرة والرعب الذي حدث".
وشدد انه على مدار عقد من الزمن من تغطيته حروب البوسنة والشيشان وسييراليون وكوسوفو، لم ير ومثل التدمير المتعمد مثل الاستهانة بحياة البشر اللذين رآهما في جنين.
وقال رجل بنظرة جوفاء ميتة لمراسل "رويترز" وهو يشير في الهواء ثم الى كومة من الانقاض: "انظر الى هناك. اخي دفن تحت هذه الكومة. الجنود الاسرائيليون قتلوه ثم فجروا منزلنا".
وساعد المسؤول الفلسطيني المحلي قدورة موسى مسعفين على انتشال ثماني جثث برافعة، وقال: "رأينا 20 جثة وسط الانقاض. وكان من المستحيل انتشالها. لم يستطع أحد الاقتراب منها بسبب الرائحة العفنة".
شهادة "الجزيرة"
وقد كشفت الصور التي تمكنت الجزيرة من الحصول عليها أمس من داخل مخيم جنين عن ارتكاب قوات الاحتلال فظائع داخل المخيم. وقد تحول المخيم إلى خراب شامل حيث لاتزال الجثث ملقاة في الشوارع وتحت الأنقاض ولا يمكن دفنها مما يهدد بكارثة بيئية. وأظهرت الصور جثثا متفحمة ومشوهة بفعل القصف الإسرائيلي العنيف الذي هدم منازل كاملة فوق سكانها وقام بعمليات قتل وإعدام جماعي وترك الجثث تتحلل.
وقال مراسل الجزيرة في فلسطين إن فرق الهلال والصليب الأحمر واصلت إخراج الجثث من تحت الأنقاض ليصل عددها أمس إلى 14 جثة. وقالت مصادر فلسطينية إن قوات الاحتلال تواصل تحركاتها لعزل المخيم عن المدينة ومنع انتشال المزيد من الجثث.
وقالت مصادر للجزيرة إن عدد الشهداء في جنين قد يصل إلى 250 وإن قوات الاحتلال قد أخفت حوالي 150 جثة في مقابر جماعية. ورغم وصول أربع شاحنات محملة بالمساعدات الإنسانية إلى المخيم فإن هناك نقصا شديدا في المواد الغذائية
الزلزال
ودعت منظمة العفو الدولية الى اجراء تحقيق عاجل في مقتل "مئات الفلسطينيين" في مخيم جنين بعدما سمح لمندوبها بدخول المخيم. وأبدت في بيان لها تخوفها من عدم اجراء تحقيقات فوراً لجلاء الظروف التي احاطت بمقتل المئات من الفلسطينيين في المخيم. كما ابدت قلقها من ان تتعرض الادلة الدامغة للتدمير اذ تواصل اسرائيل عرقلة دخول المخيم امام العالم الخارجي.
واعلنت اللجنة الدولية للصليب الاحمر ووكالة الامم المتحدة لغوث اللاجئين الفلسطينيين وتشغيلهم "الاونروا" في جنين انه سيكون في وسعهما في النهاية معرفة عدد الاشخاص الذين قتلوا في مخيم جنين. وصرح الناطق باسم الصليب الاحمر فانسان لوسير ان "الاولوية معطاة اولاً لمساعدة الناجين في المخيم ورفع الجثث". وستتولى اللجنة الدولية بعد ذلك جمع شهادات افراد اسر الاشخاص المفقودين، و"سيكون في امكاننا تدريجاً وضع لائحة باسماء الاشخاص المفقودين ومقارنة هذا الرقم بعدد الاشخاص المعتقلين. وشيئاً فشيئاً سيعرف العدد النهائي للضحايا".
اما الناطق باسم "الاونروا" رينه اكواردن فقال ان لدى وكالته احصاءات دقيقة جداً عن عدد اللاجئين في المخيم. واوضح ان "جميع اللاجئين مسجلون والمعطيات متوافرة عنهم واكاد اجزم بأننا سنعرف بالتدقيق عدد المفقودين".
ولدى "الاونروا" صور جوية للمخيم قبل الاجتياح الاسرائيلي وبعده وستستعملها لتقويم الاضرار والحاجات المالية.
وتمكن الصليب الاحمر والوكالة للمرة الاولى الاثنين من دخول المخيم. وقال لوسير ان "مندوبي الصليب الاحمر الذين دخلوا جزءاً من المخيم شاهدوا فيه ما تخلفه الزلازل: البيوت المهدمة والمتداعية والحطام في كل مكان والطرق المسدودة بالركام".
اعدام 60 - 70
واتهم وزير التخطيط والتعاون الدولي الفلسطيني الدكتور نبيل شعث الجيش الاسرائيلي بأنه اعدم من دون محاكمة ما بين 60 و70 فلسطينياً في المخيم. وقال امام مؤتمر للامم المتحدة عن السلام في الشرق الاوسط ان "مجزرة جنين مريعة حقاً. انها جريمة حرب (...) الجيش الاسرائيلي اخذ ستة ايام لانهاء مجزرته في مخيم جنين وستة ايام لتنظيفه".
منظمة المؤتمر الاسلامي
طلبت منظمة المؤتمر الاسلامي من الامين العام للامم المتحدة كوفي انان ارسال لجنة دولية فورا للتحقيق في "الفظائع" التي يرتكبها الجيش الاسرائيلي في الاراضي الفلسطينية، على حد تعبيرها.
وفي رسالة وجهها الى انان، عبر الامين العام للمنظمة الاسلامية عبد الواحد بلقزيز عن ارتياحه لاقتراح انان ارسال قوة متعددة الجنسيات الى الضفة الغربية، معبرا عن امله في ان يتم ذلك "بشكل عاجل".
وقال بلقزيز في الرسالة التي نشر نصها ليل الثلاثاء الاربعاء في مقر الامم المتحدة في نيويورك "نطلب ارسال لجنة دولية للتحقيق بشكل عاجل بعد الانباء التي تأكدت حول ارتكاب القوات الاسرائيلية جرائم ضد الانسانية".
واشار الامين العام لمنظمة المؤتمر الاسلامي الى "مجازر على نطاق واسع وعمليات قتل تندرج في اطار جرائم الابادة واعدامات واعتقال مدنيين فلسطينيين في جنين ونابلس".
واضاف ان "الجيش الاسرائيلي يحاول اخفاء فظائعه بدفن جثث مئات الفلسطينيين في اماطن سرية وبطرد وتهجير آلاف الفلسطينيين الذين نهبت بيوتهم ودمرت".
وطلب وزير الخارجية الايراني كمال خرازي من الامم المتحدة ان تؤلف في اسرع وقت "لجنة تحقيق في مجازر جنين".
رد فعل واشنطن
وتواصل الولايات المتحدة انكار كل هذه الشهادات ومحاولة التغطية على ما حدث في جنين.
ولم يعترف المتحدث باسم البيت الابيض آرى فليتشر ردا على اسئلة خلال الايجاز الصحفى اليومى حول التقارير عن وقوع مذبحة جنين.
وردا على سؤال حول ما اذا كانت الادارة الاميركية تقر بمذبحة جنين قال فليتشر "قامت اسرائيل بعملية عسكرية وتواصل الولايات المتحدة القول ان على اسرائيل الانسحاب من تلك المنطقة".
وفيما يتعلق بتقارير المجازر الاسرائيلية المعززة بصور وشهادات شهود عيان قال المتحدث ان "هناك اساطير متزايدة حول الاحداث التى وقعت على الارض فى جنين واعتقد ان ما ستنظر فيه الولايات المتحدة هو الحقائق لا الاوهام".
واضاف ان هناك تقارير متضاربة حول اعداد الضحايا المدنيين نتيجة العمليات الاسرائيلية فى جنين. ويقدر الفلسطينيون عدد الضحايا بما لا يقل عن 500 شهيد فيما اقر متحدث باسم الجيش الاسرائيلى ان قواته قتلت 200 شخص في المخيم وهو ما كذبه بعدها مباشرة وزير دفاع اسرائيل بنيامين بن اليعاز زاعما ان العدد لا يتجاوز بضعة عشرات.
وقال فليشر ان "مهمة الكشف عن الحقائق تقع على اللجنة الدولية للصليب الاحمر وباقي جهات تقصى الحقائق في المنطقة ".
اسرائيل
وكررت اسرائيل مزاعمها بان كل من قتل في المخيم هم من المقاتلين واعلن رئيس الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية الجنرال اهارون زئيف فركاش ان المقاومة في مخيم اللاجئين في جنين في الضفة الغربية كانت بقيادة مجموعات مسلحة مرتبطة بحركة فتح التي يتراسها الرئيس ياسر عرفات.
وكانت وسائل الاعلام الاسرائيلية ذكرت في وقت سابق ان مسؤولين في الجناح المسلح لحركة الجهاد الاسلامي في فلسطين، سرايا القدس، كانا يقودان المقاتلين في جنين. وقتل احدهما واسر الثاني بعد سقوط المخيم.
واعلن الجنرال فركاش اثناء مؤتمر صحافي في القدس ان "التنظيم (وهو التعبير الذي تستخدمه اسرائيل للدلالة على المجموعات المسلحة التابعة لفتح) كان يقوم بقيادة المقاتلين الذين كانوا يقاتلون في كل مكان ضد الجيش الاسرائيلي".
واوضح قائلا ان "حماس، نحن لم نقاتلها. المعركة كانت بقيادة التنظيم"، مضيفا ان الفلسطينيين الذين قتلهم الجيش الاسرائيلي في جنين كانوا "ارهابيين".
واكد الضابط الاسرائيلي ان "الاشخاص الذين قتلوا في جنين كانوا ارهابيين وليس مدنيين".
واعتبر ان "الامر اعطي من قبل الرئيس عرفات للقتال في كل مكان. وكانت مقاومته في رام الله مثلا للجميع".
وذكر بان "القرار في جنين كان اتخذ للقتال، وكانت معركة حقيقية فقد خلالها الجيش الاسرائيلي في جنين وحدها 23 جنديا".
وتابع يقول "لا اعرف الحصيلة بالتحديد، لكن يمكن الحديث عن عشرات القتلى، عشرات الارهابيين الفلسطينيين القتلى".
وكان ناطق باسم الجيش الاسرائيلي اكد في وقت سابق ان "حوالي 50" فلسطينيا قتلوا في المخيم.
واتهم الفلسطينيون الجيش الاسرائيلي بارتكاب "مجزرة" في المخيم موقعا فيه مئات القتلى واعدام عشرات الاشخاص--(البوابة)--(مصادر متعددة)