دجاجة وزهرة وكأس قهر -علي السوداني

تاريخ النشر: 12 مايو 2009 - 08:55 GMT

قال أبي مرة مخاطباً الزوج والعيال والرب : يا رب، خذني الي ملكوتك باكراً كي لا أرى في قابل الأيام، موتاَ معلناً للعائلة، فأستجاب له الرحمن الرحيم وقبض روحه، وفوق فراش بارد كان بمقدور الفتي النبيه أن يرى وجه ألأب وقد انرسمت فوقه، شاسعة واضحة مشعة ناطقة، ابتسامة وداع وامتنان وراحة. بعد ثلاثين سنة وسنة، صرت وريثه في المناحة اذ كلما انزرعت عيناي على وجه الولد الحلو نؤاس، ناجيت ربي الجميل، أن خذني اليك يا حبيبي قبل أن أرى يوماً لا منجاة فيه ولا مهرب من شق الجيب وتطيين الرأس ولطم الوجه وتحمير الصدر.

انا هذه الليال، افتش عن الحزن وألهث وراءه حتى لو عبر حدود الصين، ومن هذا الباب، شلت نفسي علي ظهر عصرية جمعة مبروكة ويممت وجهي شطر سوق شعبية تبيع وتتاجر بالزهور واشتريت عشر أصص مزروعة أجوافها بنبتات ظلية ومطاطية وزهرات معمرة ارواحها كأنها أرواح قطط، وبهذه الحماقة، تناسلت العائلة وتشظت فتقسّم القلب بين نؤاس والعترة والنبتات. صرت مسؤول السقاية والعناية وكلما ذبلت واكفهرت نبتة، كلما ذبل وجهي وراحت روحي وصفنت كما لو أنني أتصنّم عند مساء مقبرة.

واحدة من النبتات الحلوات كان اسمها لبلاب ويدلّعها مالكها فينادى عليها من على دكة مزاد سوق العبدلي، بلبلاب المحبة. اصفرت المسكينة ومال جذعها وانطشت علي محيط البستوكة الندي، وريقاتها، فملت فوقها وشممتها كأنني اشمّ نؤاس الحلو من منحره، فلم تقم من قعدتها حتى سوّرتها العائلة بالحسرات الساخنات وكانت لنا جارة طيبة حنينة رحيمة آدمية من قوم عيسى اسمها مريم لها في الزرع والضرع دين ودراية، قالت : اسقوها خليطاً من ماء وسكر وحليب فقد تنهض بعد ليلة وأراكم على سورها تردحون وتبزخون وتترنمون وتشكرون، قلنا: يا عونك يا مريم ويا عونها اللبلابة وجئنا بالخلطة وسقيناها مزفوفة بدعاء يكاد سامعه يصيح: يا أرض، انشقّي وأبلعيني. بعد ليلة، نفقت اللبلابة الطيبة فشيعتها ودفنتها في بطن برميل زبل مدقوق برأس الزقاق وعدت الى الدار ذاوياً مقهوراً لائذاً خلف سور كأس عرق مر يسحل خلفه كأس زقنبوت. انا لا حدود لطمعي في قنص حزن جديد، لذا شلت جسدي هذه المرة الي سوق الطيور واشتريت ثلاثة صوصات كتاكيت صفر أغضاض وهرولت بهم الي الدار فزاد عديد العائلة التي قال واحد منها ورث حزني ووجهي : ان الصوص يا بابا سيصير بعد شهر، دجاجة، والدجاجة ستستدعي ديكاً ينكحها فتلد صوصات وبيضاً طيباً حلالاً، ومن باب الوجع النبيل، سيكون العيال والأب علي ميعاد مع يوم قهر مبين تنام فيه السكّين فوق منحر الدجاجة التي ستودعنا بنظرات عتب وأسف مبين.

ماتت حتي الآن سبع زرعات ونفق صوص وانكسرت رجل آخر وبات الثالث على وحشة، وانزرعت أنا على مقعد سهر ناطراً مرور جنازة مؤجلة، فان ذهبوا أجمعين، أقسمت ان لا أشترى أي موت جديد وسوف أكتفي بما أرى من منظر ذبول وموت ومهانة بلادي الضائعة، بلاد ما بين القهرين، وأمي وحبيبتي بغداد. تصبحون علي خير وسعادة وحب.

[email protected]