خطأ فولتير ..يصور الضياع في باريس.. ويفوز بمهرجان البندقية

تاريخ النشر: 15 سبتمبر 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

البندقية - احمد رأفت 

عنصرية، تعصب وهجرة لقد تكررت هذه المواضيع في مهرجان البندقية السينمائي لهذا العام، ولكنها ربما لم تطرق بحدة أكثر مما تناوله فيلم المخرج الفرنسي التونسي الشاب، عادل قشيش.  

وكان الانطباع الذي خرجت به لجنة التحكيم هو نفس الانطباع ايضا فأعلنت فوزه بالجائزة الاولى لأفضل فيلم عن فيلمه "خطأ فولتير" الذي تم عرضه خلال أسبوع النقاد في المهرجان. 

يدور الفيلم الفائز بالجائزة حول الحياة اليومية لمهاجر غير شرعي من شمال افريقيا يدعى جله ويعيش في باريس. ولكنه يميط اللثام أيضا عن عالم المشردين وخاصة في الغرب.  

والفيلم "خطأ فولتير" الذي تم تصويره بأكمله في باريس، يعرض مشاهد لا تبعث على الارتياح. فهو يعكس حياة أناس نسيهم المجتمع: العاطلين عن العمل، المرضى عقليا.. وأولئك الرجال والنساء الذين يختلفون بطريقة ما عن عامة الناس. وقد منح قشيش جوائز أخرى لمشاهداته الدقيقة والذكية بما في ذلك جائزة السلام السينمائية التي اختيرت من قبل لجنة تحكيم تتألف من طلاب في وزارة التعليم الايطالية بالاضافة الى جائزة نادي السينما.  

تحدث قشيش عن فيلمه المؤثر قائلا انه تعمد وضع الشخصية الرئيسية في نفس الوضع الذي يعاني فيه العاطل عن العمل والمريض عقليا في شوارع باريس، وقال في مقابلة في البندقية: "كما ترى، انا على قناعة بأنه في الحياة اليومية، يلتقي هؤلاء الافراد المنسيون في نهاية المطاف ويصبحون متحدين بطريقتهم الخاصة".  

لاحظ قشيش أنه بالرغم من ان المجتمع ادار ظهره لهؤلاء الناس، فانهم أنفسهم لا يشعرون بأنهم منبوذون، لأنهم يشكلون دائرتهم الخاصة بهم والمغلقة باحكام.  

وأوضح قشيش قائلا إن : "الحقيقة هي ان كل من لا يمتثل للمعايير المتعارف عليها في عصرنا هذا، يتم اهماله".  

وأضاف انه "في بعض الاحيان، فان أي اختلاف ضئيل قد يكون كافيا لجعل شخص يشعر أنه لا ينتمي الى المكان الذي يعرف بالعالم المتمدن".  

تتفق أوري عتيقة، السينمائية البارزة والموهوبة، مع قشيش تماما، وتقول إن "عملية نبذ الناس أمر شائع هذه الايام وحتى أولئك الاشخاص الذين يعيشون على هامش المجتمع لديهم تحيزاتهم الخاصة بهم وتصنيفاتهم الفرعية".  

والسيدة عتيقة مثل قشيش فرنسية تونسية تلعب دور أم غير متزوجة تهجرها عائلتها. وبالرغم من أنها منبوذة من قبل أحبائها، الا انها تشعر بأنها لا تستطيع البدء بعلاقات جادة مع جله، المهاجر غير الشرعي.  

وتوضح عتيقة أن هذه الشخصية ليست خيالية، وتقول: "يتجنب المهاجرون والمهاجرات الشرعيون عن قصد أولئك الاغراب غير الشرعيين الذين يمكن أن يسببوا لهم المتاعب، ويمكن في بعض الأحيان أن يصبحوا متعصبين ضدهم أكثر من المجتمع الذي يعيشون فيه".  

ويقول قشيش: "لم أقم بالاشارة الى شخصيات معينة ولكنني كنت أستوحي الامور مما يدور حولي كل يوم. أنا أعرف شخصيا العشرات من المهاجرين غير الشرعيين الذين كانوا يعيشون في باريس لعدة سنين. وبالرغم من أنه يتم اعتقالهم بصورة منتظمة ويقذف بهم خارج البلاد، فانهم يستطيعون دائما العودة اليها."  

ويتابع قشيش قائلا: "في البداية، سمع هؤلاء الناس أن فرنسا هي أرض الحرية، والاخوة والمساواة ، فخاطروا بحياتهم للمجيء إلى هنا، وهم يؤمنون بقوة بهذا الشعار. ولسوء الحظ، عندما وصلوا فرنسا، بدأوا باكتشاف عدم وجود هذه المثالية. لقد أصبحت هذه الحقيقة مؤلمة حقا لشخصية الفيلم الرئيسية، الذي غامر بحياته مسافرا بشكل خفي على ظهر سفينة او في قارب احتياطي ردئ".  

وطبقا لما يقوله المخرج الفرنسي التونسي الشاب فانه ليس هناك ما يمكن وصفه بالغرباء غير الشرعيين. فالناس الذين تم تصنيفهم بهذا الوضع هم بكل بساطة رجال ونساء مغامرون يتطلعون لتحسين مستوى حياتهم، يستخدمون الوسيلة الوحيدة المتاحة لهم وهي حقهم الانساني بالحرية.  

 

يقول قشيش ان "فيلمي هو تقدير وثناء لهؤلاء الافراد الشجعان ولبحثهم عن الحرية"، ويضيف قائلا: "ليس المجتمع هو الذي يتعرض لما يهدده بل هي انسانية وكرامة الانسان".  

لقد هاجر والدا قشيش إلى فرنسا في الستينات ولذا فانه يعي باحساس الألم هذا العالم الذي يصوره على الشاشة، ويعتقد بقوة أن مهاجري الألفية الثالثة لا يختلفون كثيرا عن سابقيهم.  

ويضيف قشيش قائلا "إن الفرق الوحيد هو أن الحياة في هذه الايام أكثر صعوبة للمهاجرين، إن مجتمع اليوم لا يحتاج كثيرا للعمال اليدويين كما أنه أقل تسامحا بكثير؟؟ 

إن المخرج يشعر بالقلق إزاء احتمال إطلاق تعبير عرقي بعينه على فيلمه ويقول "إن فيلمي فرنسي، لكنه يمتلئ في نفس الوقت بالمؤثرات الثقافية العربية، وهي مزيج من اكثر من ذلك"، ويضيف بقوله "إنه تعبير عالمي عن وضع حقيقي، وأنا أعتبر نفسي رجلا عالميا" ويمضي قائلا "إنني أرفض أن أعترف بأنني انتمي لأرض وطني، اذ أنني استطيع أن أعيش في أي مكان بسهولة".  

ويؤكد المخرج بقوله "لقد حاولت في فيلمي أن أحطم الجدران كتلك العوائق اللغوية والوطنية والتي كانت تفصل على الدوام بين الناس. إنني أود ببساطة ان أؤكد الجانب الاسناني الشائع بيننا جميعا".  

جاء فيلم "خطأ فولتير" ليؤكد بداية قشيش كمخرج وذلك بعد أعوام بذل خلالها جهدا شاقا حين عمل كممثل في الافلام والمسرحيات، ويقول عن ذلك "لقد احتفظت بهذا المشروع على الرف لسنوات وذلك بسبب قلة الاموال". 

لم يكن من السهل لهذا المخرج الشاب أن يحصل على تمويل لمشروعه الأول، ويقول بأنه يأمل بأن يكون من السهل الحصول على تمويل في المرة القادمة.  

لكن قشيش، الذي يشعر بالحذر ازاء النجاح غير المتوقع الذي لقيه فيلمه الأول، يرفض أن يغريه أحد بالحديث عما يمكن أن يخبئه للمستقبل.