بين بيروت ودمشق

تاريخ النشر: 21 أغسطس 2008 - 02:31 GMT

 

 

يقترب المطبخان اللبناني والسوري من بعضهما بشكل كبير جداً، ولكن سبق اللبنانيين إلى الهجرة خارج لبنان، حتى أصبح عددهم خارجه أربعة أضعاف عددهم فيه، نقل إلى العالم ذلك المطبخ المشترك، الذي عرف بالمطبخ اللبناني، أما السوريون الذين تبعوهم في الهجرة بعد ذلك، وبدأ عددهم في الخارج يقارب عددهم في الداخل منذ بضع سنوات فقط، فلم يجدوا بداً من التعامل مع الاسم الذي أصبح معروفاً، وهو المطبخ اللبناني، وكثيراً ما تجد سورياً يفتتح مطعماً يكتب على لافتته أنه مطعم لبناني، ولكن مع ذلك هناك فروقات بسيطة، فالسوريون يصرون على أن "الحمص" "مسبحة"، واللبنانيون يصرون على أن "المجدرة" "مدردرة"، ومع اعتراف السوريين بريادة "التبولة" اللبنانية واعتراف اللبنانيون بريادة "الكبة" السورية، وعدم إنكار اللبنانيين بأن "الكباب" حلبي، أو إنكار السوريين بأن "المازة" لبنانية، إلا أن اللبنانيين قرروا أن يكون لهم "كبة" طرابلسية.

هذه الاعترافات المتبادلة بين المطبخين السوري واللبناني غير متفق عليها بين المطبخ اللبناني، والمطبخ التركي، فكلاهما يغمط حق الآخر. فالمطبخ اللبناني لا يعترف بأن الشاورما، أو اليالانجي، أو داوود باشا، من الأكلات التركية الأصل، أما الأتراك فلا يعترفون بأن ما يسمونه "لاماجين" ما هو إلا "لعبجة" لفظية للحم بعجين أو "الصفيحة".

وبدون أن ندخل في متاهات السياسة، وغياهب الوحدة العربية، نقول إن ثقافة الطعام قديمة في هذه المنطقة الواحدة، بل يمكن القول إن هناك عبقرية شعبية في هذا المطبخ المشترك، فالزعتر الذي يسبب الإمساك، يؤكل مع الزيت، الذي يخفف من تأثيره القابض، أما اللبنة التي قد تسبب الانتفاخ، فتؤكل مع النعناع اليابس، الذي يذهب بذلك الانتفاخ، أما السهرات المطولة فلا تحلو إلا مع المازة التي يكاد العالم لا يصدق أن عدد أطباقها قد يصل إلى المئة، وقد دعوت في إحدى المرات صديقاً مصرياً إلى الزبداني في سوريا، وبدأت أطباق المازة الصغيرة تهبط على الطاولة، وهو ينظر إلى صغر حجمها بشيء من الاحتقار، إلا أن الأطباق توالت في الهبوط، وما إن زاد عددها عن الأربعين ومازال المزيد منها يهبط علينا، حتى كاد ذلك الصديق أن ينقلب على قفاه من الضحك (أيه ده؟ كل ده أكل!!)

ولكن ثقافة المطبخ هذه لا تقف عند حد الطعام، إذ أن قدمها، وترسخها أدخلها في متاهات الحياة كلها، يقول نزار قباني الشاعر الدمشقي الذي عشق بيروت أنه يأخذ في حقائبه "طرابيناً من النعناع والزعتر" وفي الطرب تدعو نجاح سلام حبيبها لكي "يميل ميولة ويأكل تبولة"، وإذا شتم اللبناني قال "يخلع نيعه" أي حنكه، وهو موضع المضغ، أما السوري فيقول "سد حلقك" وهو موضع البلع، وإذا كره السوريون شيئاً قالوا عنه "بيقلب المعدة"، أما إذا أحب اللبنانيون شيئاً قالوا عنه إنه  "مهضوم".

 

 

باهر النابلسي