البوابة- إيـاد خليفة
يوم الاثنين الماضي كانت العاصمة اللبنانية بيروت تستعيد مشهدا من مسلسل الحرب الأهلية التي عصفت بالبلاد في السبعينيات والثمانينيات، عندما انفجرت سيارة المسؤول العسكري الأول في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- القيادة العامة، بالتزامن مع الإعلان عن العثور على جثة مسؤول في القوات اللبنانية المنحلة مقتولا في سيارته في بيروت.
فعند منتصف النهار انفجرت سيارة مفخخة في جهاد المسؤول العسكري في الجبهة الشعبية القيادة العامة ونجل الأمين العام أحمد جبريل، حيث تناثرت أشلاؤه، الأمر الذي خلق صعوبة بالتعرف على جثته.
وإذا كانت أصابع الاتهام قد توجهت إلى إسرائيل على خلفية أن جهاد كان مستهدفا كما أكد مصدر مسؤول في القيادة العامة للبوابة، كونه المسؤول عن "ساحة الداخل وقد كان هناك أربع محاولات لاغتياله في السابق"، فإنه ليس من المستبعد أن يكون المهندس رمزي عيراني الذي فقدت آثاره من أسبوع تقريبا ووجد مقتولا في نفس الفترة قد لقي مصرعه بأيد لبنانية قد تكون على علاقة بإسرائيل، بالتالي فإن الشارع السياسي والشعبي اللبناني يوجه أصابع الاتهام إلى إسرائيل وإن تعددت وسائل العنف.
والسؤال المطروح الآن: هل عادت الساحة اللبنانية إلى سابق عهدها من حيث السيارات المفخخة وعمليات الاغتيال والانفجارات في كل مكان وزمان.
يقول المحلل السياسي اللبناني والأستاذ في العلوم السياسية الدكتور عدنان السيد حسين "للبوابة" "هناك تهديد للأمن في لبنان منذ وقت بعيد، وهذا التهديد من مصادر مختلفة والتهديد الإسرائيلي في المقدمة".
ويفصل الدكتور حسين أكثر ويرى أن هناك أسبابا داخلية وخارجية "فبعد أحداث 11أيلول/سبتمبر الماضي أصبح لبنان في قائمة الدول المستهدفة لمكافحة الإرهاب كما تدعي الإدارة الأميركية وبلغ من خلال بعض الموفدين والمبعوثين الدوليين بضرورة وقف حزب الله وغير ذلك. إلى جانب ذلك كان هناك أعمال تهديدية على حدود لبنان الجنوبية خلال الحرب الإسرائيلية على جنين وعلى الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية".
في الموازاة تحرك حزب الله في مثلث مزارع شبعا المحتلة، وهذا التحرك مقبول لبنانياً وأعتقد بنسبة معينة مقبول دولياً باعتبار أن هذه المنطقة لا تزال تحت الاحتلال الإسرائيلي، لكن المشكلة كانت بتوسيع هذه الأعمال لتطال نقاط حدودية، لذلك كان الضغط الأميركي على لبنان وسوريا وربما إيران لنزع سلاح حزب الله.
ويعتقد الدكتور حسين أن نزع سلاح حزب الله هو فقط هدف أميركي وإسرائيلي من أجل صون الأمن الإسرائيلي، بل ربما هناك أطراف داخل لبنان وخارج لبنان تريد نزع سلاح حزب الله في إطار المعادلة السياسية الداخلية ومن أجل إحداث نوع من التوازن لدى القوى الداخلية.
ويقول "إنما الأمر المستهجن هو هذه التفجيرات الأخيرة من خلال اغتيال جهاد أحمد جبريل ومن خلال المهندس في القوات اللبنانية رمزي عيراني".
هذه أعمال أعتقد أنها ترتبط في هذا المناخ العام التصعيدي لتهديد الاستقرار في لبنان ولإعطاء صورة أن لبنان دولة مهددة بأمنها من الداخل وأن أجهزة الأمن اللبنانية عاجزة عن حماية المواطنين ببيروت بعيداً عن الحدود مع إسرائيل. لذلك أتوقع أن تبادر الحكومة اللبنانية والسلطات الأمنية إلى سد هذه الثغرات وتحتاج للتعاون مع سوريا ومع الفلسطينيين المقيمين في لبنان بشكل أفضل من السابق. إلى جانب ذلك هناك عدة أسئلة مطروحة أولها: هل هناك صراعات فلسطينية-فلسطينية على أرض لبنان؟ أو هل هناك صراعات عربية-عربية على أرض لبنان أو هناك محاولات خارجية لإعادة تغيير الأوضاع الداخلية في لبنان بما في ذلك الوضع الحدودي.
ويؤكد أنه لا يوجد لسوريا مصلحة في هذا التصعيد وليس من صالح الحكومة اللبنانية أن تبقى ضعيفة أمام هذه الحالة ربما هناك مصلحة لإسرائيل بالإضافة إلى إطراف تريد تصفية حسابات فيما بين بعضها البعض.
أما ما يخص الشأن الإقليمي فيرى الدكتور حسين أنه شأن مشترك بين لبنان وسوريا والدول العربية مشتركة. لكن لماذا الآن إذا اعتبرنا أن إسرائيل هي من قام بعملية اغتيال جهاد جبريل وقبله الوزير إيلي حبيقة؟
يجيب الدكتور عدنان حسين "نلاحظ دائماً أن إسرائيل تصعد على عدة جبهات لكن على فترات مختلفة فعندما هدأت نسبياً الجبهة الفلسطينية، هددت حكومة شارون منذ أيام لبنان وسوريا، ودعت إلى تحرك لوقف حزب الله، وبالأمس وضع شارون شروطا شبه تعجيزية للموافقة على مشاركة سوريا في مؤتمر دولي للسلام، علماً أن هذا المؤتمر لن يكون له أي دور إيجابي. باختصار إسرائيل تريد الضغط في هذه المرحلة على سوريا ولبنان بعد أن ضغطت على السلطة الفلسطينية وهي في مرحلة استثمار لهذه الضغوط على الفلسطينيين بالتعاون مع جهات دولية وربما مع جهات عربية وإقليمية لعرض تراجعات على الفلسطينيين، قد تأتي هذه التراجعات في المستقبل على جبهة سوريا ولبنان".
يأمل اللبنانيون أن يكون تسارع هذه التطورات من قبيل المصادفة فقط فالتفكير بالعودة للحرب الأهلية مرفوض قلبا وقالبا، نظرا للمخاطر التي تحدق في البلاد من الجهة الجنوبية في ظل وجود أرئيل شارون صاحب التجربة السابقة مع لبنان في الحكم، وعندما كانت الحرب الأهلية والفرقة تمزق البلاد قامت إسرائيل باحتلال الجنوب اللبناني بعد أن وصلت إلى بيروت، وبعد المصالحة أعاد اللبنانيون الجزء الأكبر من أراضيهم المحتلة.
والأمر المقلق أن الحرب الأهلية بدأت في صورة مشابهة لما شهدته البلاد قبل أيام، عندما دفعت إسرائيل برجالها لضرب اللبنانيين ببعضهم البعض وبالفلسطينيين.
وإذا كان الكثير يرى بأن ما جرى في السابق ما هو إلا مقدمة لمؤتمر سلام سيعقد بعد تسع سنوات كان هو مؤتمر مدريد، فإن إسرائيل قد تكون تعزف لحن الموت في لبنان تمهيدا لمؤتمر إقليمي جديد يهمها أن يكون جميع الأطراف المقابلة ممزقة ومتناحرة—(البوابة)