بعد أكثر من ثمانية أشهر على بدء الحرب الأميركية على تنظيم القاعدة الذي يقوده أسامة بن لادن في جبال أفغانستان، وفرار غالبية عناصره في مختلف الاتجاهات، برزت في الفترة الأخيرة معطيات أمنية تشير إلى أن نشطاء القاعدة قد فضلوا الاستقرار في مناطق حدودية بين الجزائر ودول الساحل الإفريقي.
وقالت صحيفة "الخبر" الجزائرية الصادرة اليوم انها استقت معلومات مثيرة من مصادر موثوق بها أن اجهزة الأمن الجزائرية رصدت خلال الأشهر الأخيرة عدة مؤشرات تخص تنقل عناصر تنظيم القاعدة الذي يتزعمه أسامة بن لادن في الصحراء الجزائرية.
واستناداً إلى متابعات ميدانية متخصصة فإن نشطاء تنظيم القاعدة الذين يعيشون حالة من الضغط الشديد في كل من أفغانستان وباكستان بسبب الضربات الأميركية يفكرون في تحويل منطقة الساحل الإفريقي إلى قاعدة نشطاء جديد لهذا التنظيم الإرهابي. ومن بين أبرز الأدلة التي يعرضها خبراء الشؤون الأمنية في الصحراء الجزائرية، وهي موريتانيا، مالي والنيجر، حدوث عدة تطورات أمنية في الفترة الأخيرة.
منها تعرض مسؤول عسكري في السفارة الأميركية بموريتانيا إلى الاغتيال بنواقشط في ظروف غامضة، كما تعرضت رعية أميركية إلى القتل بمالي في ظروف صعبة على المحققين تحديدها مما ترك الانطباع بوجود "آلة" لضرب الأميركيين في المنطقة.
ومنذ مطلع السنة الجارية تعرضت ثكنة في موريتانيا إلى سرقة الأسلحة، ونفس الظاهرة حدثت في النيجر مع فارق زمني قصي. ولحد الساعة لم يتم تحديد مصير هذه الأسلحة وحتى الجهة التي قامت بهذه العمليات، ولأول مرة كذلك تشهد الجزائر تزايداً في "الهجرة السرية" للرعايا الباكستانيين بشكل ولد مخاوف لدى بعض الأوساط من أن يستغل نشطاء تنظيم القاعدة هذه الحركة للتغلغل عبرها في بعض المناطق من الصحراء الكبرى.
وكان أمن الحدود لولاية عنابة اعتقل مطلع السنة الجارية 23 رعية باكستانية جاءوا إلى السواحل الجزائرية على متتن باخرة في رحلة لا تزال الغموض يلفها. وقد بقى الرعايا في هذه الولاية مدة خمسة أشهر كاملة. كما سجل بعض تحرك الرعاية الباكستانيين في ولاية الوادي وأدرار ويجهل لحد الساعة طبيعة هذه التحركات.
وبالنظر إلى هشاشة أنظمة دول الساحل الإفريقي فإن الخوف من أن يلجأ نشطاء القاعدة إلى استغلال شبكات تهريب السجائر والمخدرات لنقل الأسلحة يبقى وارداً، خاصة أن هذه الشبكات التي نخرت الحدود المشتركة للدول الصحراوية تمكنت بفضل الأموال التي لديها من شراء ذمم أعوان الأمن في الدول المعنية. وتشير تقديرات غير رسمية أن تنظيم القاعدة يوظف أزيد من 300 مليون دولار خارج المؤسسات البنكية ويعتقد بأن هذا المبلغ قد يستغل لتحقيق هذا الهدف، وكانت عمليات مشتركة بين القوات الجزائرية والمالية لمحاصرة نشطاء إسلاميين قد فشلت شمال مالي بسبب تسرب معلومات من الجانب الأخر. وأن كانت لقاءات وزراء داخلية دول الساحل الإفريقي لم تحسم بعد في استراتيجية واضحة لمحاصرة خطر الإرهاب، فإن تزايد الاعتداءات وبروز عناصر خارجية قد تكون سبباً في بروز بؤر توتر جديدة بالمنطقة.
وبعدما نجحت قوات الأمن الجزائري في تشديد الخناق على عناصر الجماعات الإرهابية في غالبية الولايات فإن عودة "اليد الخارجية" للنشطاء في الجنوب قد تساهم في ظهور معطيات جديدة قد تعصف بالتحسن النسبي للأوضاع الأمنية.
ويعتقد خبراء الشؤون الأمنية أن بعض الإسلاميين العرب زاروا إحدى ولايات الجنوب الجزائري مؤخراً في سياق محاولة تجميع التنظيمات المسلحة تحت راية واحدة. وقد تكررت العملية مع نشطاء الجماعات الدموية في شرق ووسط وغرب البلاد دون أن يعرف إلى أي حد سجلت هذه الاتصالات تقدماً في جميع التنظيمات الدموية.
لماذا دول الساحل الأفريقي؟
منذ تغير معطيات الميدان في أفغانستان مع سقوط حكومة طالبان، راهن نشطاء تنظيم القاعدة على مختلف القبائل التقليدية في المنطقة التي تقيم في الحدود الباكستانية لضمان الحصول لديها على حماية كملجأ جديد لهم، غير أن تشدد الرئيس برويز مشرف وأبعاده لكل العسكريين المتعاطفين مع التيار الإسلامي أخلط الأوراق وجعل مؤيدي بن لادن في مواجهة خيارات صعبة في المنطقة لإعادة تشكيل التنظيم المسلح لكن في مناطق بعيده عن الضغط السياسي أو العسكري، وأبعد عناصر تنظيم القاعدة من حساباتهم اللجوء إلى الصومال بعد سلسلة من العمليات الأميركية الناجحة في رصد والتضييق على القواعد الخلفية في هذه المنطقة، وهي العمليات التي كانت أشارت إليها تقارير أمنية وزعت أهم نتائجها بعض الصحف العربية في لندن.
وأفسدت التطورات الميدانية التي عرفتها الشيشان في الفترة التي سبقت مقتل القائد العربي الخطاب كل الحسابات خاصة بعد سد قوات التحالف الأفغاني جل المنافذ الشمالية وهو ما يكون قد عزز القناعة من أهمية اللجوء إلى الصحراء الكبرى في إفريقيا خاصة بعد نجاح نشطاء التنظيم في كسب التغطية والتأييد الكامل بمدينة كانو النايجيرية، حيث تفقد حكومة أوليسيفون أوبايانجو سيطرتها على تطور التيار المتطرف.
محور الاتصالات مع الجزائر.
ولحد الساعة فإن الجماعة السلفية للدعوة والقتال التي يتزعمها حسان حطاب تعد التنظيم الجزائري الوحيد الذي استطاع الدخول في شبكة تنظيم القاعدة بعد رفع التغطية الدينية والتنظيمية عن الجماعة الإسلامية المسلحة سنة 1997، بسبب خروجها عن "النهج السلفي" خلال المجازر المروعة التي عرفتها الجزائر، ويعد أمير المنطقة السادسة للجماعة السلفية مختار بن مختار المدعو أبو العباس أو الأعور من أهم القيادات التي شاركت في الحرب الأفغانية داخل التنظيم الإرهابي في الصحراء، والتي استطاعت نسج علاقات مثيرة للاهتمام في عمق الصحراء خاصة في مالي والنيجر. كما أن نائبه إبراهيم غريفة، وهو أيضاً من قدماء الحرب الأفغانية، تمكن رغم حالة المرض من تنفيذ عدة عمليات مكنت التنظيم المسلح من الحصول على تجهيزات حديثة في كشف الاتصالات اللاسلكية.
ويتوقع أن يكون لهذين القياديين في الجماعة السلفية دور مهم في المنطقة مع نشطاء تنظيم القاعدة بسبب معرفتهم بالمنطقة وأهم نشطاء المتطرفين في دول الساحل الأفريقي—(البوابة)