المقاومة العراقية بين التنظيم والعفوية

تاريخ النشر: 29 يونيو 2003 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

مع بداية الشهر الماضي، استنتج القادة العسكريون الاميركيون في العراق، ان الحرب التي اعلن عن انتهائها قبل شهر من ذلك، لم تكن قد انتهت فعلا. 

فقد بدات ما تسميها القوات الاميركية "شبكات" مرتبطة بنظام الرئيس المخلوع صدام حسين، شن حرب عصابات على امل اخراج القوات الاميركية من البلاد، وربما استعادة النظام السابق كما يؤكد كبار القادة العسكريين الاميركيين. 

الرد الاميركي على هذه المحاولات كان قويا: الالاف من الجنود الذين كان مقررا ان يتركوا العراق، تم نشرهم في ما بات يعرف بمنطقة "المثلث السني" شمال غرب بغداد، وبدات عمليات اجتياح منظمة في هذه المنطقة من اجل اجتثاث المقاومة المتصاعدة. 

ولكن بعد مضي شهر على هذه الاجتياحات، تبين ان المشكلة تزداد سوءا بالنسبة للقوات الاميركية. 

فخلال الاسبوع الاخير من الشهر الماضي، ارتفع معدل الهجمات التي تتعرض لها القوات الاميركية الى اثني عشر هجوما في اليوم، كما اتخذت الكمائن التي ينصبها العراقيون منحى متناميا من حيث الفعالية والحجم. 

وايضا، تمكنت المقاومة العراقية من قطع الكهرباء والمياه عن بغداد عبر هجمات تخريبية، كما قتلت عدة عراقيين ممن حاولوا اعادة التيار الكهربائي الى العاصمة. 

وطالت الهجمات التخريبية انابيب النفط والغاز، واخذت تهدد بشكل جدي خطوط تصدير هذه الثروة التي يامل الاميركيون في ان تكون مصدرا لاعادة اعمار العراق، قبل ان تصبح اداة للتحكم في تجارة النفط في العالم. 

وبالتدريج، بدات القوات الاميركية تدرك انها امام مقاومة لا تنحصر ببقايا الموالين للنظام السابق، وانما تتسع لتشمل جماعات راحت تعلن عن نفسها عبر بيانات تتبنى الهجمات التي يتعرض لها الجنود الاميركيون. 

وتؤكد هذه الجماعات باستمرار عدم انتسابها الى النظام السابق، بل ومعاداتها له. 

وايضا بالتدريج، بدات القناعة غير المعلنة، تتسلل الى الاميركيين بان ترحيب بعض العراقيين بالاحتلال الذي خلصهم من النظام السابق، تلاشى بعد اسبوع واحد فقط، ثم تحول الى عداء راح معه العراقيون يوجهون الضربات للجنود الاميركيين الذين ارتكبوا اخطاء فادحة خلال تعاملهم مع شعب يحمل ثقافة يجهلونها.  

لكن الادارة الاميركية ترفض الاعتراف بهذا النسق من تطور المقاومة، وما تزال تصر على ان من يقاومونها ليسوا العراقيين الذين تصر على انهم رحبوا بقواتها لدى دخولها الى بلادهم، وانما "فلول" النظام المخلوع. 

ويساند "المؤتمر الوطني العراقي" الذي يتزعمه احمد الجلبي المقرب من البنتاغون، هذا الاستنتاج، او هذه القناعة التي لا تريد الادارة الاميركية ان تتزعزع حتى لا تفت من عضد تحالفها الدولي الهش خلال حربها في العراق. 

وقال عضو المكتب الاعلامي للمؤتمر، حيدر الموسوي لـ"البوابة" ان تكون الهجمات "الارهابية" التي تستهدف القوات الاميركية "فردية" الطابع، ومن تدبير "بقايا البعثيين". 

واضاف ان هذه المقاومة تتركز في الفلوجة (شمال غرب بغداد) بسبب ان العديد من المسؤولين العراقيين السابقين قد فروا اليها.  

واوضح ان "الفلوجة منطقة في وسط الصحراء..ونحن نعرف كثيرا من الشخصيات المطلوبة قد هربت الى الصحراء العراقية" القريبة من بغداد.  

وبالنسبة لبغداد قال انه "بما ان الطرف المقابل (الاميركيين) يعتمد على نوع من التسامح وعدم معاقبة جميع كبار البعثيين او اعتقالهم..فمن الطبيعي ان تبقى في بغداد اثار لهذا الارهاب". 

وكانت رسائل منسوبة الى صدام حسين اكدت انه يقود هذه المجموعات التي "تقاتل الاميركيين"، لكن الموسوي استبعد صدق هذه الرسائل التي تم تداولها على نطاق واسع، واكد ان صدام "ليس في وضع يسمح له بتنظيم عمليات" ضد القوات الاميركية.  

كما شكك ايضا في بيانات اخرى كانت تصدر عن جهات مثل "سريا المقاومة العراقية" التي تبنت "جميع العمليات الانتقامية والقتالية التي تتعرض لها قوات الاحتلال". 

وراى ان هذه جماعات تخريبية ذات اهداف "مشبوهة" ولا تمت للمقاومة الشريفة باية صلة. 

وبرز من ضمن هذه البيانات بيان حمل توقيع "حزب البعث" الذي كان يحكم العراق الى ما قبل شهرين والذي جاء بمناسبة الذكرى الرابعة عشرة لوفاة مؤسسه ميشيل عفلق. 

ودعا هذا البيان جماهير العراقي والبعثيين الى النضال من اجل استقلال العراق.  

وصدرت ايضا بيانات عن جماعات اسلامية تتبنى عمليات ضد القوات الاميركية. 

ومن ناحيته، اعتبر "المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق"، ان الهجمات التي تتعرض لها القوات الاميركية، ما هي الا ردود عفوية على الاستفزازات التي تمارسها ضد العراقيين.  

وقال المتحدث باسم المجلس، محسن الحكيم لـ"البوابة" ان "كثيرا من هذه الهجمات تنبع من تصرفات وسلوكيات (للجنود الاميركيين) لم تكن متناسبة مع البيئة العراقية".  

وهو بذلك يستبعد ان تكون مقاومة منظمة، ويؤكد انها "ستتبخر، في حال كانت هناك قوة عراقية منبثقة عن الشعب العراقي هي من يتولى عملية الحفاظ على الامن والسلم" في البلاد.  

والى وقت قريب، كانت تعد مناطق الغالبية الشيعية في جنوب العراق امنة بالنسبة للقوات البريطانية، وانتهى هذا الموقف مع مقتل ستة جنود بريطانيين في هجوم جاء على ما يؤكد الشيعة، ردا على استفزازات الجنود البريطانيين لسكان بلدة الميجر في شمال البصرة ثاني اكبر مدن العراق.  

وبدوره ايضا، يرى الشيخ احمد الكبيسي، رئيس "الحركة الوطنية العراقية الموحدة" (سنية)، ان ما يحصل هو "حالات فردية نحن لا نؤيدها لاعتبارات عدة. فهي عمليات غير منظمة ولم يحن الوقت لشرعيتها فقد تحدث الاحتلال عن سنتين. لننتظر سنتين".  

وترى القوى السياسية العراقية ان الحل يجب ان يكون من داخل العراق نفسه، أي بمعنى تولية العراقيين مقاليد الامور في بلادهم عبر اتاحة المجال امام تشكل حكومة انتقالية عراقية. 

غير ان الولايات المتحدة تؤخر هذا الحل لاعتبارات اكدت القوى السياسية العراقية انها غير مقتنعة بها.--(البوابة)