المفكر العراقي محي الدين إسماعيل: الأزمة في الخطاب الثقافي لا في المتلقي

تاريخ النشر: 26 يونيو 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

قال المفكرالعراقي محيي الدين إسماعيل:"إن هناك أزمة ثقافية على المستوى العالمي، ونظرة واحدة إلى المشهد الثقافي على المستوى الكوكبي، ترينا معالم هذه الأزمة الثقافية و الحضارية التي يمر بها العالم" وأضاف:" لقد ازداد الإقبال على قراءة ملايين النسخ من الإلياذة والأوديسة وتاريخ (هيرودوت) وتواريخ (تاسيتوس) وكتابات (سيشرون) وأمثالها، على نحو لم يسبق له مثيل، أما الإقبال على قراءة نتاج كتاب الرواية والقصة المحدثين نسبيا فهو يمثل جانبا من الأزمة الثقافية الحضارية الراهنة كونه مجرد تزجية للوقت وقتل للفراغ وليس بحثا عن أجوبة". 

وأشار إسماعيل إلى تراجع الاهتمام بالفلسفة والفكر المجرد بشكل واضح، واحتلال الألسنية مكان الفلسفة، لأنها تقدم أجوبة عن الوجود والإنسان ومستجدات الكون. 

وحسب صحيفة" البيان" الإماراتية يقول إسماعيل إن أزمتنا في الوطن العربي تختلف عنها في العالم الغربي.. كما أن أزمة الثقافة العربية تختلف في خصائصها وطبيعتها عن الأزمة الثقافية في الغرب..ويشير إلى أن أزمتنا هي جزء من أزمة البلدان النامية عموما، فهي أزمة نهوض، في حين أن الأزمة في الغرب انبثقت من مشكلات ثورة ما بعد التكنولوجيا، ويؤكد إسماعيل أن الخطأ الذي نقع فيه هو عقدنا المقارنات بيننا وبين الدول الصناعية لنتبين الفوارق بيننا وبينها. ويشير إلى أن المنظور التاريخي يختلف عما هو عليه هناك، لأن لنا تواتراتنا الاجتماعية والحضارية بوجه عام، ولهم تواتراتهم وتناقضاتهم، التي تكمن في هذه التطورات الدراماتيكية التي يواجهونها. 

ويرى إسماعيل أننا ما زلنا نعاني من وطأة مركب النقص إزاء الحضارة الغربية، وعلينا ان نعرف تماما ان أزمتنا هي أزمة نهوض حضاري يختلف عن الأزمة التي تعاني منها دول الغرب المتقدمة التي دخلت أزمة ليست من النوع التي نعانيها اليوم. 

ويرى المفكر العراقي ان الأزمة تكمن في طروحات ثقافتنا لا في المتلقي،و أننا كثيرا ما نتحدث بلغة الغرب ومصطلحاته عندما نحاول تحليل أزمتنا.، في حين علينا ان ندخل مغامرة حضارية كبرى من نوع جديد، مع تحديد دقيق لوجهة نهوضنا الحضاري.ويقول:" إننا ما زلنا نتحدث بلغة الاستشراق والمستشرقين في شأننا الحضاري مع ان علينا ان ندرك ان معظم هؤلاء لا يعرفون شيئا عن خصائص أزمتنا، كما أنهم في كثير من الحالات لا يعرفون إلا اقل القليل من لغتنا". 

ويشير إسماعيل إلى أن العولمة هي من إفرازات الرأسمالية في طورها التكنولوجي المتقدم، وهي ليست كما يظن البعض قديمة قدم الإمبراطوريات القديمة، ويضيف أنه عندما يقرن بعض من المثقفين العرب العولمة بظاهرة الإمبراطورية الرومانية أو الإمبراطوريات في عصر الاستعمار الحديث ، فإن هذا يعني عدم استيعاب موضوع العولمة، التي هي نتاج سباق تاريخي مرت به الرأسمالية، وهي ذات مدلول خاص في العلاقات الدولية يختلف عن اي مدلول مما أفرزته الإمبراطوريات القديمة أو الحديثة، حيث لها تفاعلاتها الخاصة بها على المستوى الحضاري كله. 

ويضيف إسماعيل ان هذه الظاهرة قد أفرزت ثقافتها الخاصة بها، وإن لم تستكمل بعد، وهي ظاهرة ثقافة "السايبر"، إذ انها من نتاج هذا التطور الذي شمل جميع أوجه الحياة.  

ويؤكد إسماعيل أن خطابنا الثقافي لا يزال نصا ناقصا، وأن علينا ان نستوفي حركة النهوض العربي، على أرضية ثابتة رصينة، لنمتلك خطاب المواجهة تلقائيا، ويضيف بأن علينا ممارسة رؤية حقيقية للواقع الفكري.  

طوفان البربرية 

ويعتقد إسماعيل أنه في عصر كهذا العصر، لابد أن يجد الفكر تعبيرا عنه، وأن الفكر في العالم الغربي عامة وفي الوطن العربي يبدو وكأنه جوقة ذات نبرة عالية تجأر بالشكوى المريرة من أزمات العالم،"حتى لكأن المفكر أو الفنان إنسان طرده العالم الى البرية الموحشة والأرض اليباب". ويشير إلى أن مستقبل الفكر العربي عموما مرتبط ارتباطا حتميا بحركة النهوض العربي، وأن الثقافة العربية مقبلة على تحولات جذرية، ويضيف:" كل الذي نستطيع ان نقوله الآن هو ان مستقبل ثقافتنا في جوهرها يتعلق بمشروعنا الحضاري القومي, ثم ان علينا إدراك أننا في مرحلة تحول سريع خاطف في سرعته".  

ويعتبر إسماعيل أن المرحلة التاريخية التي بلغتها الرأسمالية، وما رافق ذلك من وهم التفرد في قيادة العالم، وعولمة الكوكب الأرضي كله من خلال إخضاع الشعوب للهيمنة الرأسمالية، وتصفية جميع حركات التحرر الوطني والسيطرة المتفردة على السوق، كلها وراء ما يعنيه المفكر الأميركي (ولتريمان) بأنها(طوفان البربرية)، ويشير إلى أن وهم التفرد يشمل فيما يشمل التفرد باتخاذ القرار الدولي، وهو منهج يتلاءم مع هذه المرحلة التاريخية التي تمر بها الرأسمالية، وإلى ان هذا الوهم في ظل تحديات الواقع في العالم المعاصر يكشف عن عجز في القدرة على الاستيعاب.  

وينهي إسماعيل بتعريف نفسه على أنه تلميذ صغير في المدرسة الكونية الكبرى، فيقول:" (ايكرمن) صديق (جوته) سأل يوما ذلك الشاعر العظيم عن رأيه في (شكسبير) فأجاب الشاعر الألماني "إني أتحطم ألف مرة عندما اقرأ شكسبير، فمن أكون أنا؟" ويضيف إسماعيل "كم من مرة أتحطم حيال كل هذه القمم الشوامخ". 

يذكر ان محيي الدين إسماعيل مفكر وكاتب ومترجم من مواليد البصرة 1925 ،حاصل على دبلوم في اللغة الإنجليزية من الجامعة الوطنية ببيروت، تقلد عدة مراكز في الدولة،عين ملحقا صحافيا ومديرا لمكتب وكالة الأنباء العراقية، ومديرا عاما للإعلام، ورئيس تحرير مجلة (اليوم) الصادرة باللغة الإنجليزية, ومترجما في مكتب العمال الدولي في إسطنبول, ويعمل حاليا مستشارا في وزارة الإعلام. 

بدأ يكتب في الصحف منذ أواخر الثلاثينات واكتشف خلال رحلته الثقافية، أن دور المرء أعمق من دور ووعي أمته، وان قيمة الأدب ان يكون مولدا للأفكار، ومن مؤلفاته:" رحلة لأقصى الفجر" عام 1962 "من ملامح العصر" عام 1966" للعاصفة لا للريح" عام ,198 "تويمبي.. فلسفة التاريخ" عام 1989 "مفارقات ثقافية" عام 1992- -(البوابة)