المشاركون في ندوة ناصر الدين الأسد بعمان يؤكدون ريادته الأدبية

تاريخ النشر: 28 سبتمبر 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

عمان – نزيه أبو نضال 

أجمع الباحثون المشاركون في ندوة "د. ناصر الدين الأسد بين الأصالة والمعاصرة" التي عقدت اليوم في عمان، على أهمية الدور الريادي والتأسيسي لـ.د الأسد في حقل الدراسات الأدبية واللغوية القديمة والحديثة. 

وقد ابتدأ د. عز الدين إبراهيم الندوة بكلمة ترحيبية باسم مؤسسة شومان المنظمة والداعية ، ثم توالت الأبحاث والتعقيبات على مدار أربع جلسات، أما الجلسة الخامسة فخصصت لشهادات عدد من المفكرين العرب : د.عبد العزيز الدوري ومي مظفر من العراق، ود. عبد الحميد إبراهيم من مصر ود. صلاح جرار أمين عام وزارة الثقافة الأردنية. 

وكانت كلمة الختام للدكتور الأسد الذي أوجز ملاحظاته على مجمل الأوراق التي قدمت طوال هذا اليوم. 

غسان عبد الخالق ورد الأسد على طه حسين 

تناول البحث الذي قدمه الناقد الأردني د. غسان عبد الخالق الأستاذ في جامعة فيلادلفيا موضوع ناصر الدين الأسد والأدب القديم إلا انه قصر بحثه على كتاب مصادر الشعر الجاهلي الذي نقض فيه كتاب طه حسين الشهير "في الشعر الجاهلي"، وأشاد د. غسان بالجهد العلمي المتميز الذي تجلى في كتاب الأسد، بحيث بات، بشهادة الدكتور المصري الكبير شوقي ضيف مرجعاً علمياً في بابه، بل إن الدكتور طه حسين نفسه قد اعترف بضرورة مراجعة كتابه حول انتحال الشعر الجاهلي بعد اطلاعه على كتاب د. الأسد.  

وقد استعرض عبد الخالق فصول كتاب مصادر الشعر الجاهلي مبينا قيمتها العلمية المتميزة مما "يؤكد انحيازه المنهجي للمعاصرة التي لا تضيق بالمعيار الموروث القابل للاستمرار في الحاضر والمستقبل، لكنها لا تتسع في الآن نفسه لتلك المعايير الموروثة المستمدة من السطوة غير المبررة لنقاد ونحويين ولغويين ومؤرخين، إذا ما أخضعت غاياتهم ودوافعهم لتلك المعالم (التراثية/ المعاصرة) في آن، والتي نصبها الدكتور ناصر الدين الأسد في كتابه هذا ولم يدّخر وسعاً للالتزام بها: الاستقراء التام، فالتحليل، فالنقد والحوار، فالتأويل والتركيب. 

وبعد أن استكمل عبد الخالق ورقته قام د. يوسف بكار الأستاذ بجامعة اليرموك بالتعقيب عليها. 

 

د. إبراهيم سعافين :الأسد والأدب الحديث 

تركزت ورقة د. إبراهيم السعافين من الأردن، والأستاذ في أكثر من جامعة عربية على جهود د. ناصر الدين الأسد في الأدب الحديث، وخصوصاً في جنوب بلاد الشام (الأردن وفلسطين) مستشهداً بكتبه الأربعة الهامة وهي الاتجاهات الأدبية الحديثة في فلسطين والأردن، والشعر الحديث في فلسطين والأردن، وخليل بيدس، رائد القصة العربية الحديثة في فلسطين، ومحمد روحي الخالدي، رائد البحث التاريخي الحديث في فلسطين. 

ويضيف د. سعافين بأن الأسد قد جمع الكتابين الأول والثاني في كتاب واحد عنوانه "الحياة الأدبية الحديثة في فلسطين والأردن حتى سنة 1950 "مع تعديلات طفيفة تنسجم فكرة الجمع بينها. وإذا كانت الدراسة في هدفها لم تقصد إلى تناول الحياة الأدبية بالعمق المطلوب في البحوث أو القضايا الجزئية، أو الحفر في طبقات متراكبة متراكمة فإنها لم تخطيء سلامة المنهج ووضوح الخطة، ونفاذ الرؤية وعمق البصيرة، إذ كفانا في النثر والشعر ما قد نضطر إلى الوصول إليه من أحكام أو نتائج، وبين لنا منهجه بوضوح وصراحة، وليس لأحد بعد ذلك أن يطالبه بما لم يخطط له أو يرسمه لهذه الدراسات الرائدة. وقد ذكر ذلك في غير موضع من هذين الكتابين اللذين ضمّهما أخيراً في سفر واحد". 

ولاحظ السعافين أن الأسد وخاصة في دراساته وأبحاثه الشعرية قد اصدر أحكاما شاملة إلا انه كان يجد مسوغاً علمياً لها "وخاصة بالنسبة للشاعر الأردني "عرار". 

ثم يختم بالقول: "ومهما يكن فإن باحثنا تناول عدداً من القضايا المهمة في التطبيق، تجلت بعضها في كتابه عن خليل بيدس رائد القصة في فلسطين. 

ويظل هذا الجهد العلمي رائداً بأكثر من معنى، وتظل الجهود اللاحقة على قيمتها وتميزها مدينة له بفضل السبق والريادة". 

وقد قام د. سمير قطامي من الأردن، والأستاذ في جامعة اليرموك بالتعقيب على بحث د. سعافين. 

 

د. نهاد الموسى: د. الأسد واللغة 

اختصت ورقة د. نهاد الموسى من الأردن، بموضوع اللغة في كتابات الأسد، وقد بين جملة العناصر التي انتهجها الأسد من حيث الأداء، هاجس الوضوح والأسلوب ثم في التصحيح اللغوي وتأصيل بعض العامي بالفصيح. 

ثم ينتقل إلى بعض جهود الأسد في تاريخ المعجم العربي والانتصاف لابن دريد، وفي تاريخ الخط العربي وتحقيق تقادم النقط. 

ثم انتقل بعد ذلك إلى الموضوع والمنهج في كتابة الأسد حول تعليم العربية ثم العربية واللسانيات وأخيراً بتفضيل العربية عن غيرها من اللغات. 

ثم يخلص نهاد الموسى إلى القول بأن د. الأسد يمثل امتداداً لعلماء العربية الأثبات في ضبطه وتحريه وفي بصيرته المنهجية في تحقيق المسائل. وهو محافظ حين يتصل الأمر بسلامة العربية وثوابتها، على أنه حافظ يتحلى بالسماح وينأى عن الغلو والتشدد إذا تعلق الأمر بتسويغ استعمال معاصر يجد له وجهاً ولو شارداً في متن العربية وأقيستها، ويأخذ بالتوسعة إذا جرى النمو والتطور على مقتضيات النواميس التي جرت على العربية في صيرورتها من جهة ما هي كائن حيّ، وهو حفيظ قد يغلو في حب العربية فيتجاوز المقارنة إلى المفاضلة. وهو متحفظ على استثمار المقولات اللسانية الكلية في مقاربة مستأنفة لظواهر العربية وقضاياها". 

وقد قام بالتعقيب على ورقة د. الموسى د. جعفر عبابنة من الأردن. 

 

د. عبد القادر الرباعي: د. الأسد والتراجم الأدبية 

في الجلسة الثالثة من الندوة قدم د. عبد القادر الرباعي من جامعة اليرموك الأردنية بحثاً بعنوان "ناصر الدين الأسد والتراجم الأدبية" واستعرض في البداية الأعلام الذين قدمهم الاسد من قدماء ومحدثين وهم: العجير السلولي، وحذافة بن غانم، والشاعر الحاردة، والشاعر قيس بن الخطيم من القديم، وخليل بيدس، ومحمد روحي الخالدي من الحديث. 

كما ضم كتابه: "الحياة الأدبية الحديثة في فلسطين والأردن حتى سنة 1950" مجموعة من أدباء القطرين، ترجم لهم ترجمات موجزة، وأشهر هؤلاء الأدباء عرار (مصطفى وهبي التل) وإبراهيم طوقان. 

وأوضح الرباعي "إن أول ما نحرص على تأكيده في جهود ناصر الدين الأسد المتميزة في تراجم الأعلام موضوعيته وحياده، فإذا كان من الثابت في البحث الأدبي أن الترجمة حتى الموضوعية منها لا تخلو من تدخل الذات المترجمة، فإن ناصر الدين الأسد حاول جاهداً أن يبعد هذه الذات عما يتحدث عنه من سير حياة الأدباء المترجم لهم، وقد بدا ذلك جلياً في المعالجات الداخلية للقضايا المتعلقة بالشخصية وإنتاجها، ولهذا نستطيع أن نقول في تتبع الأسد لسير الأعلام المترجم لهم: إنه تتبع موضوعي وصادق وممتع وفي هذا تحقيق لقول كوليردج "إيه حياة مهما كانت تافهة ستكون ممتعة إذا رويت بصدق". 

وبعد أن استعرض الرباعي هذه الجهود وتوقف عند بعضها متسائلاً أو مثمناً خلص إلى التأكيد بأن "التراجم التي اعتنى بها ناصر الدين الأسد، قديمة كانت أم حديثة، قد تحققت فيها فوائد جمة بمستويات مختلفة، فقد كشفت عن ألوان جديدة من الفن الشعري والقصصي، والبحث التاريخي ، وابانت عن الريادة في بعضها، كما جلت قضايا وموضوعات وأحداثا كانت ، قبل ذلك، غائمة بل غائبة ، ثم أنها أبرزت تفاعلاً حياً بين مسار الحياة للشخصية المترجم لها، والهم السياسي أو الاجتماعي الذي كان مصدر قلق للمرحلة التاريخية التي وجدت فيها، وتوقفت أيضا عند محطات خاصة تجلت فيها لمسات إنسانية عميقة ظل تأثيرها في نفس المترجم له باقياً ومؤثراً في حياته وآثاره . 

كما أن الذات العالمة الناقدة التي توافرت لناصر الدين الأسد أغنت تلك التراجم فوقعت على المهم منها، وصححت ما كان قد وقع لها او لآثارها من أخطاء جلبها الآخرون إليها، وقد حكم ذلك كله منهج رصين ضبطته روح علمية، ومسؤولية أخلاقية عالية فجاء منهجاً مثالياً جديراً بالاحتذاء. 

وهكذا فإن التراجم التي قدمها ناصر الدين الأسد لم تكن مجرد سرد لحوادث مرت بها حياة هذا العلم أو ذاك، ولكنها كانت تحليلاً دقيقاً وعالماً يستقصي بعمق جوانب تلك الحياة وأبعادها الذاتية، والاجتماعية، والانسانية، وقد انعكس كل ذلك على الآثار التي تركها صاحب الترجمة، شاهداً حياً على عبقرية فنه قبل كل شئ. 

وقد قام د. محمد حور من الأردن بالتعقيب على بحث الدكتور الرباعي. 

حسني عايش : د.الاسد وروح العصر 

الكاتب الأردني المعروف حسني عايش تناول في ورقته د. الاسد والعصر ، وتوقف عند ثلاثة من مؤلفاته المتنوعة المتصلة بالقضايا الفكرية والسياسية والاجتماعية المعاصرة، ملاحظا أن د. الاسد امتلك الإمكانية والقدرة على إيصال خطابه إلي مختلف الأجيال بما فيهم الشباب، كما تمكن من الوصول إلى غير الناطقين بالعربية كذلك، أو لمن ينتمي إلى معتقدات أخرى. 

ويرى حسني عايش أن القارئ لكتب الاستاذ ناصر الدين الاسد الثلاثة يجد آن روح التراث عنده حية وقوية وحكيمة، وانه فارس من فرسانها، وفارس كذلك من فرسان العصر، ها هو يقول : "ونحن نميل إلى أن العولمة كالحداثة، إنما هي ظاهرة العصر وسمته، وان الوقوف في وجهها ومحاولة تجنبها أو العزلة عنها إنما هو خروج على العصر وتخلف وراءه. وعلينا أن نسارع إلى دراسة عناصر هذه العولمة وفهم مكوناتها، والتنبه لاتجاهاتها. ثم علينا أن نتعامل معها من موقع الثقة بالنفس والإدراك العميق لخصائص ثقافتنا واستخراج كوامنها الأصيلة وجوهرها الحقيقية، وتعريضها للتفاعل مع تلك الثقافة العالمية الوافدة، آخذاً وعطاء. نحن والآخر : صراع وحوار". 

وتولى د. إبراهيم عثمان التعقيب على ورقة الأستاذ حسني عايش. 

عبد العزيز الدوري : المثقف والموقف  

ولعل ما يلخص بكثافة شديدة مجمل الأبحاث والشهادات المقدمة ما ابتدأ به الدكتور عبد العزيز الدوري شهادته: 

"ناصر الدين الأسد له دوره الكبير في الثقافة وفي مؤسساتها وله ريادة واضحة فيها. 

وهو يجمع بين الفكر والعمل (مما لا يتيسر إلا لقلة) من جهة، وبين التراث والحداثة من جهة أخرى. 

وهو ينتظر من المفكر والأديب " أن يكون وثيق الصلة بتراثه، دائم الاسترفاد به، عميق الفهم لآفاقه الموحية". 

وان يكون في الوقت ذاته عضواً حياً متفاعلاً مع حركة الثقافة من حوله في العالم. "وهو لذلك ألا يقنع بنقل المعرفة بل لا بد من إضافة وإبداع" - - (البوابة)