اللعنة على داستن هوفمان- علي السوداني

تاريخ النشر: 15 فبراير 2009 - 02:56 GMT

 

اليوم هو الخميس . الخميس الذي يطل بقوة على شهر شباط . شباط اللبّاط بلغة أهل بغداد . اعراس وزيجات كثيرة للناس وللقطط . القطط تبدل مواءها فيصبح كما أنين شهوة مكبوتة . انا مريض . اظنني لست كذلك . أنا منهك حسب . هيرمان هيتسه يتحدث عن طاولة خشب عتيق ، وضوء خافت من شمعة تحترق ، ورسام محبط ودوائر معمولة من دخان ، ولوحة لم تكتمل بعد ، وقنينة نبيذ فاخر ، ورائحة سيكار محببة ، وصوت موسيقى يأتي من كوة ضوء مرسومة فوق مؤخرة كوخ مزروع أول التلة ، وحفيف أشجار عملاقة تسور درباَ نيسمياَ يوصل الى باب بحيرة هاجعة ، وصوت ارتطام زخات مطر تشريني بقرميد الشرفة . يا ألله ، كم أحببت هذا . مائدتي المسكينة لا تشبه مائدة هيرمان العظيم . الأمر مختلف تماماَ . التلفزيون يبث فيلماَ مدوخاَ . الفلم يظهر جمعاَ من الممثلين المجيدين . أنا لا احفظ كثيراَ أسماء الممثلين . ثمة داستن هوفمان . أعرفه من زمان فيلم " رجل المطر " البديع . ممثل آخر الليلة ، احبه لكنني لا اعرف أسمه . وجهه أقرب الى الرعونة . ليس غبياَ . قد يكون أخرق . فيلم الليلة يحكي قصة حياة روائية تتلذذ بقتل أبطال نصوصها . الولد ألأخرق مقترح قتل هذه الليلة . داستن هوفمان ناقد أدبي متزمت . الولد ألأرعن لا يريد أن يموت . هوفمان القاسي يجمّل له ميتة شاعرية وخالدة . أخبره أن البطل في ألأعمال التراجيدية العظيمة ، يموت دائماَ ، لكن اسمه يبقى راسخاَ في ذاكرات الناس . سعيد انا حتى اللحظة بمشاهدة هذا الفيلم على الرغم من بعض الجمل النقدية المنحطة . ثمة ناقد يكتب سبعين صفحة مكتظة ، عن لوحة تجريدية سخيفة ومنفرة . يتحدث عن ضربة فرشاة ولون حار وسماكة قماشة ومساحات فارغة وقراءات بصرية مختلفة ولغوة غير مفهومة . يحدث هذا خارج فيلم الليلة بالطبع . الصغيران ، نؤاس وعلي الثاني لا يهدآن وكلما مرّا من أمام الشاشة ، توترت أعصابي وشرعت بنباح مؤلم حتى اهتديت الى حل المعضلة . أطفأت الضوء في غرفة المعيشة وفي المطبخ الذي يطل عليها ولم يبق سوى الضوء المتقلب المبثوث من شاشة التلفزيون وما يخلفه ضوء جمرة السيكارة فوق وجهي الجاد . الصغيران العنيدان صارا يلهوان ويتقافزان تحت مائدتي كما جرذان سينما بابل . سينما بابل انبنت في ستينيات القرن الفائت بشارع السعدون . شارع السعدون ينام ألآن نومة الدجاج ببغداد المغتصبة . البطل الرقيع قلق على مصيره . قال أن توقيت زمان الموت لا يعجبه ، والروائية مصرة على اكمال النص ، والناقد الجبان ليس بمستطاعه نحت نظرية نقدية ممكنة قد تفضي الى التسليم ببقاء البطل حياَ على الأرض . الفلم انتهى والعائلة كانت نامت من دون ان أدري . انصت الآن الى شخير متقطع ، أظن أن مصدره ، خشم الولد نؤاس . السكون ينتج أصواتاَ مبتكرة : صوت الثلاجة ، أزيز حشرات تتناسل في شقوق الحائط ، خشخشة في صدري ، مواء قطط هائمة تفتش عن طريدة مشتهاة ، حوامات تطير حول صيوان ألأذن ، طقطقة عظام بقة على شاشة التلفزيون ، ناقوط حنفية معطوبة ، زامور سيارة ضخمة ، سحبة مروعة من سيفون مرحاض جاري الفوقاني . جاري أبو محمود طيب وكريم ولا يوجد مسوغ لكرهه . هو يستخدم المرحاض الفوار كثيراَ . أهداني البارحة ، جرة زيتون طيب . لدى أبو محمود احساس متعاظم بالذنب . أنا لا أكرهه . مرحاضه الغربي جزء من حريته وراحته .  ثمة احساس بنشوة مذهلة . صور وموسيقى تعزف من بعيد . مطرة حنين وزخة أيام حلوة راحت . على أطراف اصابعي أمشي ، ألملم بقايا المائدة : كمشة لبلبي ، آثار خلطة لبن وخيار وثوم ، يسميه أبو مايكل ، المسيحي الطيب ، جاجيك العوافي . أيضا ، مرمدة سكائر مثلومة ، وأوشال كأس . المنظر المتأخر بدا بطيئاَ وموجعاَ . وحشة مباغتة . طنين أغنية عتيقة يركل رأسي . اللعنة عليّ وعلى داستن هوفمان .

 

alialsoudani61@hot mail.com