فؤاد أبو حجلة
"وشهد شاهد من أهله.." وانفضح النظام العربي الذي نفاخر به الأمم.
قرأ رئيس ليبيا معمر القذافي البيان الختامي للقمة العربية العتيدة التي صرنا نشك في انعقادها بعد أن نجحت الولايات المتحدة والرجعية العربية في إدارة مشروعها بحكم سيطرة المخابرات المركزية الأميركية على كل الأنظمة العربية يحفظها الله .
كان بيان القمة الذي قرأه القذافي جاهزا قبل موعد عقد القمة بأسبوع، وكان مصاغا بطريقة تضمن الإجماع العربي على ما ورد فيه من قرارات أميركية ملزمة لكل الزعماء الملتزمين، الذين يبدو أن القذافي غضب منهم أو من بعضهم ففجر قنبلته غير آبه بالنتائج، وهذا ما يحدث غالبا في إطار الأسرة الواحدة حين يختلف الأشقاء على تقسيم الميراث مثلا.
بداية لا أدعي أن السيد القذافي، أو قائد الثورة، أو الأخ العقيد، أو عميد الزعماء العرب كما سمى نفسه، رجل مختلف عن غيره من أقرانه في المدرسة الأميركية للقيادات السياسية. كل ما في الأمر أن الرجل أحس بإمكانية عودته إلى الأضواء، وتصفية حساباته مع بعض إخوانه القادة العظماء - يحرسهم الله من عيون الحاسدين - فرأى، وهو معروف برؤيته الصائبة، أن يفضح النظام العربي كله بقراءة خمس أو ست صفحات صفراء تحمل صيغة البيان الأميركي للقمة العربية.. وهكذا عرفت الأمة ما تفعله قياداتها التاريخية في الخفاء وفي الغرف المغلقة بمفاتيح أميركية.
وبعيدا عن موقف عميد الزعماء العرب، وعن الانفعال الذي يمكن أن تتسبب به هذه الفضيحة، يجب قراءة البيان الختامي للقمة بعناية وتؤدة حتى يمكن استخلاص العبر من أصحاب الحكمة الحاكمين بأمر الرب الأميركي في العواصم العربية المحتلة.
يقول البيان إن العرب يشجبون ويدينون، بل ويستنكرون أيضا جرائم إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، ويضيف بأن القادة العرب لن يتراجعوا عن هذا الشجب وهذه الإدانة، ولن يتخلوا عن هذا الاستنكار مهما تعرضوا له من ضغوط، ويعني ذلك أن من يتوقف عن الشجب والإدانة خائن، وربما يتم قبول استنكاف البعض عن الاستنكار نتيجة لاعتبارات ذاتية محضة.
ويؤكد البيان على دور الأمم المتحدة، وهو دور مهم بالمناسبة، في حماية عملية السلام وتفعيلها، لأن العملية بحاجة إلى تفعيل. وهذه إشارة ذكية من الزعماء إلى عنصر مهم من عناصر وعوامل الكينونة العربية .. ولكم أن تتخيلوا مثلا لو كانت عملية السلام بلا تفعيل.
ولا يغفل البيان حق جماهير الأمة في ثقافة مستنيرة وتعاون، أو تلاقح ثقافي يلبي شروط العصر، وهذه التفاتة مهمة وخطيرة، لأن الأمة لا تستطيع أن تعيش بدون تلاقح، والزعماء يعرفون ذلك جيدا، لكنهم- سامحهم الله- لم يشيروا إلى موقف القمة من الصراع الدائر بين الشعر العامودي والشعر الحر، ولم يوضحوا ما إذا كانوا مع قصيدة القافية أو قصيدة التفعيلة، ويبدو أن هذا الأمر يحتاج إلى قمة جديدة.
لكن البيان الختامي على شموليته، يغفل قضايا في غاية الأهمية والخطورة بالنسبة للمستقبل العربي، ولا نعرف حتى الآن أسباب تجاهل القمة لهذه القضايا والضغوط التي مورست على الحكام العرب للقفز عن التطورات الخطيرة المتعلقة بالحياة العربية، ومنها:
- موضوع خزق الأوزون، وهو موضوع لم يتناوله الزعماء العرب رغم استمراره بالتوسع.
- موضوع التلوث البحري على سواحل الكاريبي، وكلنا نعرف خطورة هذا التلوث.
- موضوع الأخطار المحيطة بالبطريق المهدد بالانقراض في القطب الجنوبي رغم التشابه الكبير بين البطريق وعدد من الزعماء والشيوخ العرب.
- موضوع تنشيط السياحة العربية التي تتراجع رغم حرص الزعماء على تنشيطها من خلال عقد اللقاءات في المنتجعات، وخاصة ذلك المنتجع الواقع في شرم الشيخ تحديدا.
كما تجاهلت القمة في بيانها الختامي عن سبق إصرار وترصد مواضيع خطيرة أخرى منها قضية الخلاف حول استخدام الليمون مع الملوخية، والانحياز المكشوف لفريق البنات في البرنامج التلفزيوني المهم الذي يحظى بإجماع الأمة.
قد أكون تجاوزت حدودي في هذا التعليق على الفضيحة، لكن الزعماء العرب تجاوزوا حدود المعقول في الخيانة، إن كان للخيانة حدود.