عمان – نزيه أبو نضال
تواصلت مساء أمس في رابطة الكتاب الأردنيين بعمان فعاليات الورشة الفكرية حول قضايا النهضة والتنوير العربية، وكان موضوع العلمانية هو المحور الرئيسي للجلسة، فتحدث المفكر العربي السوري جاد الكريم الجباعي حول "العلمانية في الخطاب النهضوي" فيما تناولت ورقة د. هشام غصيب من الأردن "مسيرة علمنة الفكر شرقاً وغرباً." أما الباحث مكرم حنوش القادم من بيروت فكان عنوان مداخلته "العلمانية ما لها وما عليها."
ابتدأ الجباعي بحثه بتفريق رآه ضرورياً بين العَلمانية (بفتح العين) والعِلمانية (بكسرها)، وكلاهما على صلة وثيقة بالمسألة المطروحة، فبينما تعني الأولى علاقة الذات بالعالم فإن الثانية تتصل في سياق طرحها بالعلم، ولكن بدلالة منهاضتها للفكر الديني.
وأضاف بأن خطابه يتصل بالعَلمانية (بالفتح)، وبعيداً عن الإشكاليات والحساسيات المتصلة بمفهوم العِلمانية (بالكسر).
وقد رأى جباعي أن فكر عصر النهضة ارتبط بفرعين كبيرين:
- الفكر الإصلاحي الديني ممثلاً بجمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده.
- والفكر العلماني المرتبط بأسماء شبلي شميل وفرح أنطون وسلامة موسى.
ولاحظ الجباعي أن الاتجاهين رغم افتراقهما الظاهر إلا أنهما انطلقا معاً من بنية فكرية مشتركة هي اليقينية المطلقة، الأول: من يقينية دينية والثاني من يقينية علمية.
وإن الطرفين تبنيا معاً ما يمكن أن يسمى وحدة "المخطط الكوني لتطور المجتمعات من الحالة الطبيعية إلى الحالة الاجتماعية ثم إلى السياسية" وهذا ما يؤكده بالضبط محمد عبده وشبلي شميل، مما يعني أن الخطابين الإصلاحي الديني والعلماني إنما يندرجان في سياق فكري واحد، ولعل مشروعية هذا الفكر إنما ينتمي في التحليل النهائي، بفعل طابعه اليقيني، للفكر الإصلاحي الديني أكثر منه للفكر العلماني.
ورأى الجباعي أن المناظرة الفكرية الهامة التي جرت بين الشيخ محمد عبده وفرح أنطون مما يعكس حيوية الفكر وديمقراطيته بين الطرفين آنذاك، وهذا ما نفتقده هذه الأيام حيث اختفى الحوار وارتفعت هراوة التحريم الغليظة.
لقد ربط فرح أنطون الطابع الديني للدولة بالاستبداد والنزاعات الطائفية، مؤكداً في حواره مع الشيخ محمد عبده بأن "اقتران السلطة المدنية بالسلطة الدينية في تاريخ الإسلام جعل التسامح الديني أصعب منه في المسيحية التي انتهت إلى الفصل بين السلطتين فصلاً بديعاً مهد للعالم سبيل الحضارة الحقيقية والتمدن الحقيقي."
وأكد الجميل أن العلم ليس بمعلم للإلحاد بل هو مجرد مبين للحقيقة، بما يقوّي من عزيمة الإنسان في تسخير قوى الطبيعة، وبما يؤسس "لاتحاد الأفراد على أساس المواطنة لا على أساس النحلة والمذهب والدين"..
د. هشام غصيب ومسيرة العلمنة
تناول الدكتور هشام غصيب في بحثه المتميز، مسيرة وسيرورة الفكر العلماني عبر حركته شرقاً وغرباً، وملاحظاً بصورة أساسية وجود فارق نوعي في البنية الفكرية لكلا العالمين، فلئن "ابتكر الشرق الأديان الكونية الكبرى، وفي مقدمتها المسيحية والإسلام، فقد ابتكر الغرب (بمعناه الإغريقي القديم والأوروبي الحديث) الفلسفة بديلا للدين، إن لم تكن نقيضاً له. ولا نبالغ أن قلنا إن الصراع محتدم بين الفلسفة والدين منذ نشوء الفلسفة في جزر أيونيا الإغريقية الفينيقية وحتى يومنا هذا. إذ نشأت الفلسفة ثورة على الأسطورة. وكان رد فعل الدين الشرقي أن استوعب بعض العناصر الأساسية للفلسفة الإغريقية من أجل احتوائها وإخضاعها لمسلماته. وهذا ما حققه فلاسفة العرب والشعوب الإسلامية الأخرى. لكن الفلسفة بطبعها متمردة ومناقضة للنهج الإيماني.
لذلك كان لا بد للدولة اللاهوتية من محاولة تصفية الفلسفة أو تحويلها إلى ممارسات وشعائر صوفية. وهذا ما كان. إذ تمت تصفية الفلسفة في العالم العربي السني على يد الغزالي وتلامذته، وتم تحويلها إلى لاهوت وتصوف في العالم الفارسي الشيعي."
ولاحظ د. هشام غصيب ان الغرب بدوره شهد مثل هذه المحاولات التصفوية في العالم الأوروبي المسيحي، لكن صعود البرجوازية الأوروبية المتواصل أعطى دفعة للفلسفة مكنها من الدخول في سيرورة علمنة متواصلة، ترتب عليها فك ارتباط الفلسفة (والعلم) بالدين، "بل وتهميش دور الدين في المجتمع واحتواؤه وإلحاقه بالفلسفة".
وكانت المعالم الرئيسية في هذه السيرورة كما حددها د. غصيب على النحو التالي:
1- نقل مصدر اليقين المعرفي من الذات الإلهية إلى الذات الإنسانية (ديكارت).
2- نقل مصدر الوجود من الفكرة الإلهية إلى الخبرة البشرية المباشرة (التجريبيون، لوك، هيوم).
3- نقل القدرة على تنظيم العالم المحسوس من الذات الإلهية إلى العقل البشري (كانط).
4- نقل مصدر الخير والأخلاق من النص الإلهي إلى الإرادة البشرية العاقلة (كانط أيضاً).
5- اعتبار الطبيعة والتاريخ تجليا للعقل المطلق، واعتبار الفلسفة والدولة الحديثة نهاية التاريخ وقمته (هيغل).
6- اعتبار عقل هيغل المطلق تعبيراً عن ذات النوع الإنساني، أي اعتباره جوهراً كامنا للفرد البشري (فويرباخ).
7- اعتبار العمل الاجتماعي الهادف (العقلاني) أساس المعرفة والتاريخ والتقدم البشري (ماركس)."
ولاحظ غصيب أنه في ذروة انتصار الفلسفة الأوروبية في أرقى صيغها وهي الماركسية لم تلبث أن تحولت إلى ما يشبه العقيدة المقدسة، ومعنى أن تتحول الفلسفة التي تقوم على الاستمرار بطرح الأسئلة وتجاوز ذاتها إلى مجرد عقيدة جامدة، فهذا يؤذن بوجود خطر جدي لا بد من معالجته، لأن ذلك مناقض لطبيعة الفلسفة.
وحول فكر عصر النهضة العربية، وفكر حركة التحرر العربية قال غصيب ان المطلوب أن يسعى هذا الفكر إلى تدمير ذاته لبنائه من جديد حتى يكون قادراً على إنجاز دوره ومهماته التاريخية.. ذلك أن العقل العربي في صيغته الراهنة غير قادر لا على استلهام التراث العظيم من التاريخ العربي الإسلامي، ولا على استلهام منجزات الحضارة الغربية.. ومثل هذا الاستلهام أو الاستغراب (نقيض الاستشراق) يعني أن نتعامل مع المنجز الغربي بروح نقدية لا بروح استسلامية ولا بروحية معادية.
مكرم حنوش
وأسئلة العلمانية
الكاتب والباحث الأردني مكرم حنوش والمقيم في لبنان منذ سنوات طويلة صاحب تجربة حية ومباشرة فهو عضو مؤسس في الحزب الديمقراطي العلماني اللبناني.. ذلك أن مسألة العلمانية في لبنان تحتل اهتماماً استثنائيا بحكم التشكيلة الطائفية الخاصة.
وانطلاقاً من هذه التجربة الخاصة لاحظ حنوش كيف أن مشروع قانون الزواج المدني الذي أقرته الحكومة اللبنانية وتحمس له رئيس الجمهورية آنذاك، وهو الياس الهراوي لم يلبث أن هزم حين تحرك رجال الدين المسيحي والإسلامي معاً لإجهاض هذا المشروع، ورغم أنه مشروع اختياري وليس ملزماً للجميع.
وقد رأى مكرم حنوش في معرض تعريفه للعلمانية أنها ترتبط أساساً بتوفير حقوق الإنسان للمواطن وفي حقه بالبحث الحر مؤكداً بأن لا تناقض هناك بين العلمانية والدين.. وان العلمانية لم تدّع أنها وحدها هي مالكة المعرفة وإليها فقط تنتهي الحقيقة.
ولاحظ حنوش أن غياب العقل النقدي العلماني في حياتنا العربية يجعلنا متخلفين عن الغرب حتى في الأبحاث الاستشراقية الخاصة بالعرب أنفسهم، حيث تمكن المستشرقون أن يتقدموا علينا حتى في هذا المضمار إضافة إلى أنهم استطاعوا إحكام سيطرتهم على مقدرات العالم.
وفي نهاية الجلسة الفكرية دار حوار معمق مع الحضور حول القضايا المثارة.. مما أغنى ووسع من الموضوعات المطروحة.
كيلة ومحادين ورشيد
وكانت جلسة أمس الأول قد تناولت محور "الأمة والدولة والهوية" وشارك فيها كل من الكاتب الأردني سلامة كيله المقيم في سوريا وخرج حديثاً من السجن بعد أن أمضى به ثماني سنوات بتهمة الانتساب إلى أحد الأحزاب السورية المعارضة، ثم الكاتبين الأردنيين موفق محادين والدكتور فايز رشيد.
تناول سلامة كيله في بحثه النشوء التاريخي للدولة وارتباط ذلك بظهور المجتمعات الطبقية، ثم تحدث عن مصير الدول القطرية في الأطراف في ظل نظام العولمة وسيطرة الشركات متعددة الجنسية على مقدرات الأقطار الضعيفة والتابعة.
أمّا د. فايز رشيد فقد تطرق في بحثه إلى مفهوم العولمة متناولاً هذا المفهوم من أكثر من زاوية، ولكنه أكد بأنه رغم الأساس الاقتصادي لهذا النظام إلا انه بات يشكل الآن نظاماً عالمياً سياسياً جديداً، مستغلاً بذلك آخر منجزات وتقنيات العلم.
وفي بحثه المعنون بـ "الدولة والمجتمع والأيديولوجيا" ركز الباحث موفق محادين على الطابع المؤقت للدولة الريعية التي لا تلبث في ظل نظام العولمة أن تفقد مبرر وجودها ودورها.
وأضاف : "ان العولمة في بلدان العالم الثالث لا تهدم الدولة البيروقراطية لصالح دولة دميقراطية، ولا تكسر القوى التقليدية لصالح منظومة طبقية جديدة، بل تفتح أوسع الأبواب لدورة خراب شاملة، وتوقف مشروع الاندماج الاجتماعي لصالح القبيلة والجهوية والطائفية".
هذا وتتواصل فعاليات هذه الورشة الفكرية في رابطة الكتاب الأردنيين حتى مساء الخميس القادم- -(البوابة)