شكل التوقيت المقترح لعقد مؤتمر مقرر للمعارضة العراقية في العاصمة الالمانية بون في ايار/مايو المقبل، ما يمكن اعتباره نقطة قياس يستعان بها لتحديد موعد الضربة العسكرية الاميركية للعراق، ذلك ان المؤتمر الذي ياتي على غرار (مؤتمر مستقبل افغانستان)، يشكل خطوة مهمة للوصول الى توافق حول شكل الحكم الذي سيرسي قلوعه في بغداد فور اقصاء نظام صدام حسين.
وتاتي تصريحات نائب الرئيس الاميركي ديك تشيني الاخيرة، حول ان الضربة المقررة للعراق لن تكون في وقت قريب، سندا اخر يضفي مزيدا من الثقة على ان التحرك العسكري لاقصاء النظام العراقي لن تكون بحال قبل ايار/مايو المقبل، وربما تكون خلاله، كما سبق واكده مسؤول خليجي في تصريحات نشرتها "البوابة".
وقد ادلى تشيني بتصريحاته هذه، التي نقلها عنه رئيس الوزراء التركي بولنت اجاويد عشية استقباله له في انقرة، بعد ان اختتم نائب الرئيس الاميركي جولة في المنطقة استطلع خلالها مواقف 12 دولة بينها تسع عربيات، حول الضربة القادمة.
واكثر من أي وقت مضى، باتت فصائل المعارضة العراقية، التي يكاد عددها يقارب العشرين، على ثقة من ان واشنطن قد عقدت العزم نهائيا على التحرك باتجاه تغيير السلطة في بغداد، ولذلك لم يكن صعبا ان تتقبل جميعها الدعوة الاميركية الجادة لها بضرورة عقد مؤتمر تخرج من خلاله بصيغة توافقية حول شكل الحكم القادم.
والمؤتمر جاء بناء على طلب أميركي، كما اكدت مصادر قريبة من المعارضة، وأشار إليه ريتشارد باوتشر أيضاً في مطلع الشهر الماضي حين قال إن وزارة الخارجية تسعى لعقد مؤتمر كهذا.
وقالت المصادر لـ"البوابة" ان المؤتمر سيخصص لمناقشة "مستقبل العراق من خلال طرح مشروع سياسي متكامل بالتوازي مع المشروع او التصورات التي سيضعها اجتماع العسكريين في واشنطن".
وعلمت "البوابة" ان المسؤولين الأميركيين يجرون اتصالات مكثفة بين الفصائل المعارضة التي تتنازعها خلافات حقيقة وجدية لانجاح عقد المؤتمر.
وتأكيدا لمعلومات "البوابة" فقد اكد امين عام حركة الضباط الاحرار اللواء السابق في الحرس الجمهوري نجيب الصالحي في تصريحات في العاصمة الاردنية عمان ان "هذه الاتصالات تحظى بدعم والتزام اميركي وبريطاني وان هناك تنسيقا متواصلا مع هاتين الادارتين"، مشيرا الى ان "فصائل هامة مثل المعارضة الكردية في الشمال والمجلس الاسلامي الشيعي الاعلى في الجنوب والمؤتمر الوطني العراقي الموحد ستحضر مؤتمر ايار/مايو".
واوضح الصالحي الذي فر من بلاده عام 1995 ان هذا المؤتمر سيعقبه في حزيران/يونيو "اجتماع مختصر واكثر اغلاقا".
وفي وقت لا توجد فيه مؤشرات واضحة حول السبب الذي جعل من المانيا حاضنة لمؤتمر الفصائل العراقية كما كان الحال مع الفصائل الافغانية قبيل اطاحة نظام طالبان في كابول، الا ان المؤتمر على ما تؤكده لـ"البوابة"،مصادر قريبة من المعارضة، سيكون برعاية مشتركة من قبل واشنطن والامم المتحدة.
واشارت المصادر ذاتها الى ان جدول اعمال المؤتمر، وان لم يتم تحديده بعد، الا انه سيتمحور حول تشكيل حكومة انتقالية ربما تكون ولايتها لمدة ستة اشهر، وسيكون دورها ادارة شؤون البلاد، ريثما يتم اجراء انتخابات عامة تفرز بالضرورة حكومة ورئاسة دولة منتخبتين ديمقراطيا.
غير ان مصادر اخرى قالت لـ"البوابة" ان الفصائل، وبرغم انها لن تواجه صعوبة في توزيع الحقائب الوزارية في الحكومة المقبلة، الا انها ستصطدم بمعضلة كبيرة، تتعلق بتحديد من سيتولى رئاسة هذه الحكومة.
وفي هذا الاطار، فالاسماء عديدة، ولكل منها حصيلة من الادلة التي سيدفعها على الطاولة ليستند اليها في طرحه شرعيته واهليته لتولي هذا المنصب، وستكون مهمة الرعاة الاميركيين والتابعين للامم المتحدة صعبة للغاية خلال محاولتهم التوفيق بين اصحاب هذه الاسماء.
ولا يفوت هنا الانتباه الى ان العراق يتالف من ثلاث اثنيات عرقية وطائفية رئيسة (سنة، شيعة واكراد)، وهذه الثلاثة، تحمل كل منها نزعة للاستقلال في دولة مستقلة بذاتها، وان كانت الفصائل التي تمثلها تنفي ذلك من منطلق التماشي مع رغبة الولايات المتحدة ودول المنطقة في عدم تفتيت العراق الى دويلات.
وفيما ترى العديد من الاوساط السياسية العربية والغربية، ان هذا التعدد هو مكمن الصعوبة في التوصل الى شخص تتوافق عليه الفصائل في مؤتمر بون ليكون رئيسا للحكومة الانتقالية، الا ان فصيلا هو (الحركة الملكية الدستورية) يرى انه يحمل مؤهلات تجعل من رئيسه رمزا يمكن ان يلقى قبولا عند كافة الفصائل، وذلك من واقع ان العراق كان يحظى حتى عام 1958، بحكم ملكي اجمع عليه وتقبله الشعب العراقي.
وكان الحكم الملكي في العراق اقصي عام 1958 خلال انقلاب عسكري قاده عبد الكريم قاسم الذي تولى الرئاسة قبل ان تاتي سلسلة انقلابات اخرى اوصلت صدام حسين اخيرا الى السلطة ضمن بوتقة حزب البعث.
وضمن هذا الاطار، يرى زعيم (الحركة الملكية الدستورية) الشريف علي بن الحسين، الذي يعيش في المنفى في لندن منذ الانقلاب على الملكية في بغداد، ان الحكم الملكي كان الاكثر قبولا من الشعب العراقي.
ومن هذا المنطلق، ينادي الشريف علي بعودة الدستور الملكي الى الحكم في العراق، ويقول في هذا السياق "نحن كملكيين نؤمن ان الدستور الشرعي هو الدستور الملكي القديم، والذي خدم الشعب العراقي باسلوب ممتاز، وما علينا الا تحديث هذا الدستور الذي يعود الى نحو 80 عاما، حتى يتواكب مع الشروط والظروف الحالية".
والشريف علي بن الحسين هو ابن خالة الملك فيصل الثاني الذي اقصي عن عرش العراق خلال انقلاب عبد الكريم قاسم.
ويبدى الشريف علي ثقة بان الشعب العراقي الذي لن تفرض عليه الادارة الاميركية "زعامة عميلة" بعد اقصاء صدام، بل "ستترك له حرية الاختيار"، لن يكون بعيدا ان "يختار" في استفتاء قد يتم طرحه "عودة الدستور الملكي".—(البوابة)