الطريق إلى بغداد تمر عبر جنين

تاريخ النشر: 31 مارس 2003 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

تتقدم القوات الأميركية والبريطانية نحو بغداد ولكن الحرب لا تسير بالسهولة التي كان بوش يأملها. وتواجه قوات الغزو حاليا قرارا صعبا إما بمحاصرة بغداد والانتظار حتى ينهار النظام العراقي أو الاستيلاء على المدينة بالقوة.  

من جهتها تأمل القيادة العراقية أن يحاول العدو دخول المدينة. ففي الأسبوع الماضي قال وزير الدفاع العراقي إن معركة بغداد الحقيقية ستكون في شوارعها وتأمل القوات العراقية بإطالة أمد الحرب أكبر وقت ممكن.  

قال وزير الدفاع العراقي سلطان هاشم أحمد، "نشعر بالحاجة لإطالة أمد الحرب حتى يدفع العدو ثمنا باهظا". وفي رده على سؤال حول ما إذا كانت حرب بغداد ستكون في الشوارع، أجاب الوزير الذي كان يتحدث في مؤتمر صحفي في أحد الفنادق بوسط بغداد بـ "نعم".  

ووفقا للتقارير الإخبارية أعد الاستراتيجيون العسكريون الأميركيون أنفسهم لقتال بغداد.  

وقالت صحيفة الإندبنت البريطانية إن الجيش الأميركي طلب النصيحة من الجيش الإسرائيلي بشأن حرب المدن، وهو يدرس ملف القتال في مدينة جنين الفلسطينية في الضفة الغربية الذي جرى في نيسان/أبريل عام 2002 لكن القوات الإسرائيلية أنكرت أنها قامت بتدريب قوات أميركية على القتال من شارع إلى شارع.  

وكانت تقارير صدرت في شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي في وسائل الإعلام الأميركية والإسرائيلية مفادها أن مدربين إسرائيليين قاموا بتدريب قوات أميركية على الحرب في مدينة فلسطينية محاكاة داخل قاعدة عسكرية إسرائيلية. وقد تم نفي هذه التقارير ولكن مصدرا إسرائيليا، طلب عدم ذكر اسمه، قال للأسوشيتد برس إن ضباطا أميركيين قاموا بالفعل بزيارة لموقع إسرائيلي يشبه مدينة فلسطينية واستمعوا إلى إيجاز حول طرق التدريب الإسرائيلية.  

ونقل عن المقدم ديف بوش المشرف على التنسيق بين قوات المارينز والقوات الإسرائيلية قوله إن مهمته تتمثل في لقاء قادة عسكريين في إسرائيل ودول أخرى لتبادل المعلومات وشحذ المهارات. قال بوش إن هذا يفيد كلا من الولايات المتحدة وحلفائها.  

وأضاف متحدثا للمارينز كوربس تايمز، "نحن مهتمون فيما يطورونه وخاصة منذ أحداث 11 أيلول/سبتمبر. نحن مهتمون بخبراتهم السابقة في قتال الإرهابيين، لذا هناك الكثير من الأشياء التي يمكن أن نتعلمها منهم".  

وقالت النشرة الأسبوعية للجيش الأميركي إن قوات المارينز تخطط لمراجعة عقيدتها في حرب المدن اختيار التكتيكات الإسرائيلية.  

ويشمل هذا تطوير الأساليب الإسرائيلية في نشر المدرعات والقوات الجوية في مناطق مدنية. وجرت المحادثات العسكرية في كل من إسرائيل والولايات المتحدة وشاهد قادة من المارينز تمارين عسكرية إسرائيلية. كما شاهد ضباط إسرائيليون تمارين أميركية على حرب المدن، كذلك أرسلت الولايات المتحدة وفدا من رئاسة الأركان الشهر الماضي لاستعراض عملية السور الواقي وهو الاسم الذي أطلق على الهجوم الإسرائيلي الذي طال شهرا واحدا ضد الثوار الفلسطينيين في الضفة الغربية.  

إذا كانت الولايات المتحدة تعتقد أن الطريق إلى بغداد يمر عبر جنين، فإن هناك سببا يدعو المواطنين العراقيين للقلق. ففي أثناء الاشتباكات التي دارت في مخيم جنين في نيسان/أبريل الماضي، كان نصف عدد الفلسطينيين الذين استشهدوا من المدنيين. وكان هناك دليل قاطع على أن الجنود الإسرائيليين استهدفوا المدنيين بمن فيهم فدوى شما وهي ممرضة فلسطينية استشهدت حيث أطلقت النار عليها بينما كانت تحاول علاج رجل جريح. كذلك اسشتهد صبي يبلغ الرابعة عشرة من عمره بسبب قذيفة دبابة إسرائيلية في شارع مزدحم بعد رفع نظام حظر التجول. وفي مكان آخر أطلقت النار على مقعد فلسطيني على كرسي متحرك ولقي مصرعه وسحقته دبابة إسرائيلية تحت جنازيرها. 

وبالإضافة إلى ذلك منع الجنود الإسرائيليون سيارات الإسعاف من الوصول إليهم. وقام الجيش الإسرائيلي باستخدام الجرافات بتدمير حي كامل كان يؤوي أكثر من 800 عائلة فلسطينية محولا مبانيه إلى خرائب.  

كان الفلسطينيون الذين يدافعون عن المخيم مسلحين ببنادق هجومية فقط بالإضافة إلى شراك وقنابل من صنع محلي ضد قوات إسرائيلية تتمتع بتسليح هائل. ورغم ذلك صمد الفلسطينيون مدة 11 يوما وتمكنوا من قتل 23 جنديا إسرائيليا، قتل 13 منهم في كمين واحد، كما لقي عشرات من الفلسطينيين مصرعهم أثناء القتال.  

وعندما نفدت الذخيرة التي كانت بحوزة الفلسطينيين، استمروا في القتال وأخذوا يلقون بالحجارة على الجنود الإسرائيليين. وإذا ما قدر للجيش العراقي، الذي يملك أسلحة أفضل من الفلسطينيين، أن يتخذ نفس الموقف في الدفاع عن بغداد والمدن الأخرى، فإن المعارك ستؤدي إلى إصابات عديدة بين الأميركيين.  

من جانب آخر ذكرت بعض التقارير أن فلسطينيين ممن حاربوا ضد القوات الإسرائيلية في جنين ومدن فلسطينية أخرى أثناء الهجمات الإسرائيلية السنة الماضية أجروا مكالمات هاتفية مع أصدقاء ومعارف لهم في العراق لتقديم النصيحة لهم حول التكتيكات التي يجب أن يتبعوها ضد القوات الأميركية والبريطانية إذا بدأت حرب الشوارع.  

وبحسب خبراء عسكريين فإن حرب الشوارع هي الأصعب في المدن المكتظة بالمباني العالية، فكلما كان المبنى أعلى، كانت هناك أماكن أكثر لاختباء القناصة، كذلك فإن الدبابات التي توفر القوة النارية في المناطق المدنية لا تستطيع الوصول إلى الأهداف العالية لأن أسطوانات مدافعها لا ترتفع بشكل كاف.  

كذلك تساعد الشوارع الضيقة على جعل الهجوم في بعض المدن صعبا حيث إن العربات في مقدمة ومؤخرة الطوابير العسكرية يمكن أن توقعها في كمائن. فمثلا حينما وقع طابور روسي مدرع في كمين في شوارع غروزني الضيقة عام 1994، تم تدمير 122 عربة مدرعة من أصل 146. كذلك واجه الأميركيون نفس الموقف في مقديشو حيث أن الحواجز في الشوارع المدينة الضيقة أعاقت حركة القوافل العسكرية الأميركية مما أعاق قوات الإنقاذ الأميركية. جدير بالذكر أن مدينة بغداد القديمة فيها طرق ضيقة.  

وبالفعل فقد شعرت قوات إسرائيلية في بداية الأمر أن باستطاعتها إدخال دباباتها وعرباتها المدرعة إلى أزقة مخيم جنين ولذا قامت بفتح ممرات لها عن طريق تدمير أجزاء من البيوت المحيطة بهذه الأزقة.  

إذا كانت لدى الجيش الأميركي خطط لاستخدام البلدوزرات من طراز D9 في المدن العراقية، فإن هناك سببا آخر يدعو للقلق. فعندما دخل المراسلون الصحفيون إلى مخيم جنين وجدوا واجهات المنازل مقطعة بشكل دقيق مما جعل بالإمكان رؤية ما بداخل هذه المنازل من الشارع حيث شاهد المراسلون الممتلكات الشخصية، الأرائك، الأسرة ألعاب الأطفال وهي تتدلى من طوابق شبه منهارة وبشكل خطير.  

لم يكن الاستخدام الإسرائيلي للجرافات مقصورا على فتح الطريق أمام الدبابات، فقد استخدمت القوات الإسرائيلية هذه الجرافات لإنزال عقاب جماعي بالفلسطينيين كتدمير حي بأكمله في جنين بعد انتهاء القتال.  

وفي نيسان/أبريل الماضي استشهد ثمانية أفراد من عائلة الشعبي في مدينة نابلس حين داهم جندي إسرائيلي منزلهم بجرافة وهدمه على رؤوسهم وهم أحياء على الرغم من صراخ الجيران الذين قالوا للجنود الإسرائيليتين أن أصحاب المنزل كانوا بداخله.  

قامت القوات الإسرائيلية بتزويد الجيش الأميركي بشريط فيديو مسجل حول غاراتهم على المدن الفلسطينية، بحسب ما ورد قي تقارير وسائل الإعلام. 

وأضافت هذه الوسائل أن ضباطا إسرائيليين زودوا نظراءهم الأميركيين بتفاصيل حول التكتيكات الإسرائيلية.  

وكان من بين هذه التكتيكات قيام الجنود الإسرائيليين بالتنقل أثناء القتال من منزل إلى منزل من خلال فتح ثقوب في جدران هذه المنازل لتحاشي الظهور في الشوارع مما ألحق التدمير بآلاف منازل الفلسطينيين. كذلك استخدم الجيش الإسرائيلي بشكل متكرر المدنيين الفلسطينيين كدروع بشرية لحمايتهم وهم يتقدمون.  

يأمل العراقيون بتحويل معركة بغداد إلى نسخة من ستالينغراد. وتستطيع القوات الغازية محاصرة بغداد خلال عدة أيام ولكنها تفتقر إلى "القوة الهائلة" لشن حرب شوارع في المدينة.  

قال مصدر عسكري بريطاني إن حجم المقاومة التي شهدتها القوات البريطانية في جنوب العراق خلال الأسبوع الأول من الحرب خاصة مدينة البصرة، ثاني أكبر المدن العراقية أظهر أن الحملة التي تقودها الولايات المتحدة للاستيلاء على بغداد ستكون صعبة—(البوابة)