يقاضي الشباب العربي رئيس الوزراء الاسرائيلي ارئيل شارون بتهمة سلسلة طويلة من المجازر التي راح ضحيتها المئات، فيما جمعت محطة تلفزيونية إسرائيلية العشرات من الخبراء وتحدثوا مستغربين عن: "ماذا فعل شارون ليحاكم"؟.
وفي بروكسل وروت الفلسطينية سعاد سرور محنتها وقالت لدى الإدلاء بإفادتها بالعربية "لقد سمعنا احدا يطرق الباب، فسأل والدي حينئذ "من الطارق" وردوا" نحن إسرائيليون ونريد تفتيش المنزل. وفتح والدي حينئذ الباب وكان امامه 13 جنديا مسلحا.
واضافت بغصة بعد ذلك بدأوا بإطلاق النار علينا. واصيبت شقيقتي الصغرى برصاصة في رأسها فيما اصيب والدي في صدره لكنه بقي حيا اما انا فقد أصبت بالشلل على الفور، ولم يعد بوسعي… وتابعت لقد اغتصبوني حينئذ واحدا تلو الآخر امام اعين والدي، واطلقوا النار في اتجاهي واصبت في يدي اليسرى ثم غادروا، وعادوا مرة جديدة مساء واغتاظوا لرؤيتي لاني ما ازال على قيد الحياة، ثم أطلقوا النار مرتين على قسمي الأسفل.
وسرور التي تبلغ من العمر اليوم 36 عاما لا تزال تعاني من آثار هذه المأساة وهي تسير اليوم بمساعدة عكازات.
وكانت لجنة مؤلفة من رعايا فلسطينيين ولبنانيين ومغربيين وبلجيكيين قدمت دعوى بالحق المدني ضد شارون الذي كان في العام 1982 وزيرا للدفاع وقاد عملية غزو لبنان بتهمة الابادة في مطلع حزيران/ يونيو في بلجيكا.
واستند مقدمو الدعوى على أساس نتيجة تقرير لجنة تحقيق إسرائيلية كانت خلصت الى تحميل شارون مسؤولية المجزرة التي راح ضحيتها نحو 2000 مدني فلسطيني ولبناني في مخيمي صبرا وشاتيلا في ايلول/ سبتمبر 1982.
وقال محامي أحد مقدمي الدعوى لوك فالين منذ حوالي 20 عاما لم تحصل ملاحقات قضائية. لم يكن بوسع الضحايا تقديم شكوى في لبنان وإسرائيل، وقاموا بذلك في بلجيكا. واليوم وللمرة الأولى اصبح بوسع الضحايا رؤية القضاء ينظر في ملفاتهم.
واضاف ان الامر ليس مبادرة سياسية ولا اعلامية ولا يعني تاسيس محكمة دولية للشرق الأوسط.
ويستند مقدمو الدعوى الى قانون بلجيكي يعود للعام 1993 وعدل في 1999 يخول المحاكم البلجيكية النظر على نطاق عالمي في جرائم حرب واعمال إبادة وجرائم ضد البشرية بغض النظر عن مكان وقوعها او جنسيات الضحايا والمتهمين واماكن إقامتهم.
وذكر مقدمو الشكوى ان الامم المتحدة كانت اعتبرت مجازر صبرا وشاتيلا انها إبادة.
وستعلن نيابة بروكسل قرارها قريبا حول قبول هذه الدعوى ام لا.
وعلى نفس الصعيد رفضت هيئة الإذاعة البريطانية الاحتجاجات الاسرائيلية وتبنت برنامجا حمل اسم المتهم في اطار سلسلة برامجها الوثائقية "بانوراما" يستعين بخبراء دوليين يؤكدون إمكانية تجريم الإرهابي ارييل شارون لمسئوليته، عن ارتكاب مجزرة صبرا وشاتيلا وحظي البرنامج بمتابعة كبيرة في كافة أنحاء العالم فيما كانت سلطات الاحتلال الإسرائيلي تحاول عرقلة تصويره.
وفي البرنامج رأى المدعي العام السابق في المحاكم من اجل يوغوسلافيا السابقة ورواندا ريتشارد جولدستون انه في حال كان الشخص الذي يعطي الأوامر يعرف ان أوامره ستعرض مدنيين أبرياء للإصابات او القتل في وضع ما، فسيكون مسؤولا وتكون مسؤوليته اكبر من الذين ينفذون أوامره.
واضاف في تصريحات بثتها الـ بي بي سي: لا يمكن لأي شخص مسؤول الا يأسف على عدم توجيه اتهام ضد أي شخص. في أعقاب تحقيق لجنة كاهان حول مجزرتي صبرا وشاتيلا الذي خلص إلى ان «جرائم فظيعة تم ارتكابها.
واعتبر ريتشارد فالك الذي أجرى تحقيقا حول ممارسات إسرائيل في لبنان، ان مسؤولية شارون واضحة وقال لا ريب في إمكان اتهامه لانه كان يعرف ما قد سيحدث او كان ينبغي عليه ان يعرف.
واضاف ان شارون كان وزيرا للدفاع وعلى اتصال مع القادة على الأرض وكان موجودا شخصيا في بيروت وهو الذي اصدر الاوامر التي أدت إلى دخول المنفذون إلى المخيم.
وقال موريس درابير، الموفد الأمريكي الخاص إلى الشرق الاوسط عام 1982 لا يمكن للمرء الا يتوقع ما قد سيحدث في مثل هذه الظروف الا إذا كان مطبق الجهل او قادما من عالم غير عالمنا.
ويقول المحقق التلفزيوني فيرجال كين في مقدمة برنامجه بانوراما الذي حمل عنوان المتهم ان ما دفعه لتقصى حقائق مذبحة صبرا وشاتيلا هو تخصصه في إجراء تحقيقات صحفية وتليفزيونية عن جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان في العالم كله وان الحافز على تقديم البرنامج هو التقدم الجاري تجاه تشكيل محكمة دولية لجرائم الحرب خاصة وان تساؤلا كان دائما يلح عليه حول ما اذا كان هناك دليل يمكن ان يساعد على إجراء محاكمات بشأن ما حدث في مخيمي صبرا وشاتيلا.
وقد بدأ المعد التلفزيوني والمذيع برنامجه بقوله انه منذ قرابة عشرين عاما أرسل ارئيل شارون الذي كان يتولى منصب وزير دفاع إسرائيل حينذاك قواته مع أفراد ميليشيا لبنانية إلى داخل مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين وعندما غادر أفراد الميلشيا المخيمين بعد أن أمضوا فيهما 36 ساعة تم اكتشاف مصرع ثمانمئة شخص على الاقل اثر تعرضهم لعمليات تعذيب وقتل.
وذكرت شبكة بي بي سي ان معد البرنامج ومذيعه قد امضيا أربعة اشهر في الأعداد للتحقيق التلفزيوني تحدث خلالها مع شهود عيان رئيسيين وبعض من نجوا من المذبحة وقرأ عشرات الآلاف من الكلمات وشاهد افلاما بالساعات ليصل في النهاية الى إمكانية طرح التساؤل حول امكانية محاكمة شارون باعتباره مجرم حرب.
واضافت الشبكة ان مهمة المعد لم تكن سهلة على الاطلاق مثلما يؤكد بنفسه فقد حيث رفض صحفي إسرائيلي مساعدة الفريق التلفزيوني وكانت حجته في ذلك انه لن يفعل أي شيء يعطى الفلسطينيين ذخيرة وقال اخر ان الوقت ليس مناسبا لمساعدة أي أحد في مهاجمة رئيس الوزراء.
وفى بيروت لم تكن مهمة المعد اكثر سهولة فقد اثارت فكرة البرنامج الدهشة للرغبة في إحياء ذكرى المذبحة وواجه الفريق قائد ميلشيا سابق متهم بقيادة المذبحة بقوله إذا كنتم تحققون في جرائم حرب هنا فإننا جميعا سندخل السجن وعلى الرغم من الانتقادات الشديدة التي وجهتها اسرائيل لشبكة بي بي سي عن إذاعة هذا البرنامج الا ان اعدادا كثيرة من المشاهدين وصفت البرنامج بأنه ممتاز ومتوازن لكشفه حقيقة ماحدث مطالبين بتقديم ما ورد به من معلومات الى الامم المتحدة على امل ان يتحرك المجتمع الدولي لتوجيه اتهامات لشارون بشأن مايفعله.
واعربت مشاهدة من روتردام بهولندا عن املها في ان تؤدى إذاعة البرنامج الى مساعدة الضحايا على إقامة الدعاوى القضائية ضد شارون وآخرين قائلة ان تولى شارون منصب رئيس الوزراء في الوقت الحالي يعتبر أمرا مخزيا حقا.
وتشكل كلمة ارييل شارون أمام الكنيست الإسرائيلي يوم 22سبتمبر1982 وكان يشغل حينذاك منصب وزير دفاع اسرائيل ادانة واضحة له فيما يتعلق بدوره فى مذابح صبرا وشاتيلا،
فقد قال اننا لم نرسل افراد القوات الاسرائيلية الى داخل المخيمات (صبرا وشاتيلا) حفاظا على ارواحهم وطالما انه يوجد آخرون يمكنهم تنفيذ هذه العملية.
كان هذا التصريح كافيا في حد ذاته لكشف دور إسرائيل ودور شارون تحديدا في هذه المذابح ويكشف الكاتب الصحفي أمنون كابيلوك في كتابه الذي أصدره في أعقاب المذبحة بعنوان "صبرا وشاتيلا.. تحقيق في مذبحة" النقاب عن ان شارون حضر بنفسه الى بيروت الغربية عقب غزو قواته لها ليقود عملية المذبحة بنفسه من مقر قيادة اقيم في أعلى بناية تشرف على المخيمين والتي سبقها قيام القوات الإسرائيلية بقصف مكثف للمخيمات من الخارج.
ويرى كابيلوك ان اغتيال الرئيس اللبناني المنتخب بشير الجميل الذي وصف الفلسطينيين في تصريح ادلى به لمجلة "لونوفيل اوبوزرفاتور" الفرنسية قبل مصرعه بأيام بأنهم "شعب زائد عن الحاجة في الشرق الاوسط"، والذي تعاون مع إسرائيل طوال سنوات الحرب الأهلية اللبنانية كان نقطة البدء في تنفيذ المخطط الذي أعده شارون لغزو بيروت الغربية.
ويلخص أمنون كابيلوك المخطط "المعد سلفا والذي اتخذ قرار تنفيذه ثلاثة من كبار المسؤولين دون الرجوع للحكومة الاسرائيلية هم مناحم بيجن رئيس الوزراء واسحاق شامير وزير الخارجية وارييل شارون وزير الدفاع بقيام اسرائيل بتسهيل دخول ميليشيات الكتائب اللبنانية وغيرها من الميليشيات المسلحة الى المخيمين بعد فرض حصار عسكري إسرائيلي عليها والضغط لسحب مشاه البحرية الامريكية والقوة الفرنسية في قوات الطوارئ الدولية من لبنان قبل بدء تنفيذ المذبحة.
كما يشير الى قيام اسرائيل بنقل عتاد حربي من خلال جسر جوي في مطار بيروت وتزويد القائمين بالمذبحة بصور للمخيمين التقطت جوا وبمعلومات محددة قدمها عملاء إسرائيليون سبق زرعهم داخل صبرا وشاتيلا وبوضع علامات على الطرق والمنازل لتسهيل المهمة على القائمين بها.
ويقول كابيلوك انه فى الخامس عشر من ايلول/ سبتمبر1982 عهد الى الجنرال امير دوري قائد المنطقة الشمالية بتنفيذ العملية فعقد اجتماعا مع الجنرال رفائيل ايتان رئيس الاركان وفادي افرام قائد عام الميليشيات المسيحية وايلي حبيقة مسؤول الاستخبارات فيها.
واتفق خلال الاجتماع على ان تتولى الميليشيات اللبنانية وحدها المهمة وحظر على القوات الاسرائيلية دخول المخيمات كما طلب من افرادها ان يلزموا الصمت تماما ازاء ما يجرى داخلها.
ولم تنسحب اسرائيل من بيروت الغربية الا بعد اتمام المذبحة و تحت زيادة الضغوط الدولية لاسيما الامريكية فى التاسع والعشرين من ايلول/ سبتمبر 1982.
مرور عشرين عاما على وقوع مذبحة صبرا وشاتيلا لا ينفي عن اسرائيل رغم اصرارها على النفي تورطها فيها او يعفيها من تحمل المسؤولية عنها ولا ينفي على شارون صفة مجرم الحرب اذ ان بنود المعاهدات التي اقرتها الجمعية العامة للامم المتحدة في قرارها رقم "260أ" الصادر عام 1948 تنص صراحة على ضرورة معاقبة كل من شارك في المذابح الجماعية واتفق على تنفيذها وحث على اقترافها بشكل مباشر وثبت تواطؤه فيها .
ومثلما هو معروف اقرت الجمعية العامة للامم المتحدة في عام 1968 معاهدة بمقتضى القرار رقم 2391 تنص على عدم سقوط جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية بالتقادم أيا كان التاريخ الذي ارتكبت فيها.. الى جانب ما تنص عليه معاهدات جنيف والبروتوكولات الملحقة بها من ان الامتناع عن تقديم مساعدة انسانية للمدنيين في وقت الحروب والمنازعات يعد جريمة يعاقب عليها القانون الدولي.. وجريمة صبرا وشاتيلا وغيرها من الجرائم والمذابح لن تسقط ابدا بالتقادم—(البوابة)—(مصادر متعددة)