الشاعرة السورية ابتسام الصمادي للبوابة: الشعر لا يساوم على الصدق

تاريخ النشر: 31 يوليو 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

عمّان - نزيه أبو نضال 

 

قالت الشاعرة السورية ابتسام الصمادي إن الشعر مثلنا نحن الطلبة المشاغبين ،حين  

كنا في الجامعة ،لا نساوم على لحظة صدق. 

وفي حوار مع البوابة أجابت على سؤال حياة الأديبة الخاصة وأثرها على العمل الإبداعي وطقوسه: 

"لم يكن أحدنا يعرف عن الاخر الاّ ما تعرفه الرياح عن مراكز الأرصاد الجوية. هكذا تختار الطيور المهاجرة وجهتها صوب الدفء والحرية. وحين أبحرنا لم يكن لدينا بوصله ولكنّا وصلنا.  

وككل المشاغبين في الجامعة لم نساوم يوماً على لحظة صدق ولم نهرب الاّ من عصور القهر والإذعان ....  

حياة الأديبة الخاصة مهمة جداً على نتاجها فهي تحتاج دائماً إلى من يحترم عزلتها أثناء الكتابة ويقدّر عملها الإبداعي لتعطي بلذة وأمومة العطاء. . فهي تكتب بصوتها وجروحها وصخبها وأدوات تنظيفها ومريولها وفي تلك اللحظة تكون عصبية ومستنفزة إلى أبعد الحدود لذلك يسميها البعض بالإلهام وهي لحظة انفجار جميل لا يشبه الولادة كما يقولون ، لأن في الولادة خوف من الموت وفي الكتابة خوف من البقاء. . في الولادة طفل صغير تربيه وتسيطر على طرائق تفكيره، في الكتابة طفل كبير لا يسأل عنك يخرج مباشرة إلى الحياة الكبيرة ينتفض خارجاً إلى عوالم لم تبتدعها له ولا يهمه ذلك فلو تسنى لأحدهم أن يراه خارجاً من عزلتي بكل صخب الشباب وعنفوانه لقال ما قال. 

وكان سؤالنا التالي هو عن مدى حالة البوح التي تتجرأ عليها وتقدم بالتالي ذاتها بصدق كامل ؟ 

"ربما أقدم حالتي بشتى أشكالها ولكنني لا أثق أنها تستطيع أن تقدمني بشكل كامل ووافٍ فأنا ببساطة هذا التعب والأرق المستمر وهذا التناسل اللامتناهي: 

فكيف أجاري رفاه الأماني 

وثوبي مياه، وضفة نهر 

أزرر حولي عشب الوهاد 

حدودي التراب وذروة عشقٍ وقمح وضاد 

وكل نماء يحاكي خطاي 

وريشة بعدٍ تجرّد رشدي 

تحدّ جنوني 

ولوني البلاد 

 

رسالة الشاعر 

ولكن ماذا يعني الشعر بالنسبة لابتسام الصمادي وما هي رسالة الشاعر؟ 

أين هو الشاعر الذي يعي رسالته المتوائمة مع روح الشعر بغض النظر عن الإحتفالية أو حتى الصياغة والمهارة وتألق الصورة لأن ذلك وحده لا يصنع شعراً لذلك ذهب الكثير من الشعراء إلى دفات الزمن وناموا هناك فراكمت الأيام غبارها عليهم وفرشت لهم تعبها المضني ولفتهم بوطأة الحياة والخبز اليومي فكسروا أقلامهم.. 

وهناك من الشعر دون أي باعث داخلي أو وعي حتّى إذا ما حلت مناسبة تسمع ما يتناسب معها من قوالب جاهزة ويتسابقون إلى الموضوع بالطريقة الواحدة والنفس الواحد ويملأون الصحف والمجلات وكافة وسائل الإعلام وهذا ما أساء إلى الشعر ومريديه لأنهم ببساطة يأتون بما ينسجم مع الذوق الرسمي ويغفل الذات الشاعرة – هذا إذا كان هناك ذاتاً بالأصل- على حساب الموضوع المطروق. 

وعلى الرصيف الآخر نجد بعض الأقلام التي غالت وتطرفت وأتت بما يشبه التهويم والتشتت تحت ستار الحداثة والعمق والتصوق و و ... الخ. وذلك بسبب الضحالة الفكرية والنفسية المترسبة وراء ما يقولون فذهب الحديث والحداثويون بجريرة هؤلاء البعض والضحية بالنهاية هو الشعر. 

 

وهنا أقول ما قاله الجرجاني في أسرار البلاغة، وهذا موضع في غاية اللطف لا يبنى الاّ إذا كان المتصفح للكلام حساساً يعرف وحي وطبع الشعر وخفي حركته التي هي كالخلس وكمسرى النفس في النفس . 

 

قلم المرأة قنديل الكلام 

وماذا عن جسد المرأة الذي هو لعبة الرجل او لعبة الشاعر وكيف تتماهى بعض الشاعرات مع هذا الاستلاب ؟ 

تقول ابتسام الصمادي :"اللغة ثروة خصبة للإستغلال لا لنقول وحسب بل لنفعل ونقدم اختراقاً قادراً على الإلتفاف كجذور الباسقات من الأشجار التي وإن اصطدمت بأقصى الصخور فإنها قادرة على إيجاد طريقها نحو الخصوبة ومتابعة النماء، تقلقتي بعض الكتابات التي تنحو نحو جسد المرأة وتكريسه كمادة من قبل المرأة الكاتبة عينها وأنا هنا لا أصادر كينونة المرأة التي تكسر القيود الكاذبة المفروضة على رغباتها والتي تتعارض مع شرطها الإنساني ولكني أضع تخوماً واضحة المعالم بين التحرر والتحلل بين الجرأة والوقاحة. فحرية الكتابة تعني الإلتزام بعلاقتنا بذواتنا وعلاقتنا بالآخر وعلاقتنا بالعالم وهو توازن كتوازن الطبيعة التي ترمم نفسها – بين العام والخاص فعندما نتخلى عن العام يعني أننا عزلنا أنفسنا حتى غدونا خارج الدائرة وهذا طبعاً لا يعني أن نضرب حصاراً على الخاص ونعود إلى التابوهات التاريخية، ولكن من المجدي أن أقول أن قلم المرأة عندما يكون مباحاً لا يؤدي الاّ إلى عبودية جديدة كما الوأد. إضافة إلى التركيز على كونه منتهي الحرية من قبل بعض الكاتبات لا يشكل الاّ حالة من العجز الإبداعي والإنساني فالكاتبة تستطيع أن تكون جريئة وصادقة وهذا ما هو مطلوب من الإبداع بكل حالاته ولكنها ملومة بل مرفوضه حين تسلّع قلمها فيسقط في المجانية والإبتذال بغية الشهرة والإقتداء بالغير ليترجم عملها سعياً وراء التسويق خاصة وإنه يعطي فرصة للإنتهازيين لترجمة هذا الهزال. فالخطاب التقليدي حجّب وعي المرأة وجسدها والحديث الوافد عرّى جسدها ودّع وعيها وهنا يكمن دور القلم الأنثوي وأهميته في هذه المرحلة والمبدع رجلاً كان أم إمرأة لا يكون كذلك ما لم يتمتع بذهنية حدسية تصل إلى عمق الأشياء قبل حدوثها تماماً كما تشعر الخيول الأصيلة بالزلازل والكوارث: 

 

خذ ما تشاء فحدسي كل مشكلتي 

والخيل تنبيء بالزلازل في القاع 

 

فالمسألة والحالة هذه تتكشف عن حالتين اثنتين أولهما ما يكمن من تشويه لشأن المرأة ذاتها على أرضية ما يخلط البعض بين الحقوق الإنسانية والتحلل الأخلاقي، وثانيهما في الاستثمار السلبي للأدب وهو الطاقة الخلاّقة القادرة على التعبير والنفاذ وخاصة عندما تدخل كتابات المرأة في المناهج الدراسية سواء في المدارس أو في الجامعات وتدرس ضمن مقررات الأدب المقارن فتساهم في توجه سليم للمجتمع وللجيل ككل، بقلم مقنع وطرح حواري جاد على جدلية إختيار الموضوعات وطرائق تناولها. 

والخطورة القصوى تكمن في تناول القضايا الكبرى والمصيرية بمنظور شخصي ضيق وعلى أرضية تجربة ذاتية قاصرة طبعاً مع الإحترام والإعتراف بإبداع الكثيرات اللاتي أجدن في هذا المجال خاصة وأن هذه المسائل كانت من حصة الكاتب أو ظن أنها من حصته وحده بينما ترك الشؤون الصغيرة للكاتبه: 

فمن ينير القاع من لجج الظلام 

لأطلّ من سفح المدى 

بأمومة تصل الصدى 

وتلملم المخزون من صدف الكلام 

فأضم في روحي بلاداً في وطن 

أكسو بحرفي من مهابته العظام 

 

الشعر والحب 

لماذا نجد دائما هذا الإرتباط الحميم بين الشر والحب ؟ 

لا نملك للحب تعريفاً محدداً لأنه مأهول بسر باطني يعيش على تخوم الروح عظيم كأي إحساس نبيل عصي على اللغة فلا تحده .ولأنه القلب فلا يرده.  

ترصد جوانبه لنحتويه فتنفلت من شعبة كالضوء الذي ينفذ من أشد الأماكن عتمة .. هناك تشابه غريب بينهما في الكبر والتماهي: هذا إبداع ما بعد الروح. هذا شاهق كالمجد وذاك سائر على صيحة مرتفعة، هذه شقائق النعمان وذاك دم أدونيس، هذا أخضر حنون وذاك يحمل نعناعه أينما حل ونحن الشعراء نقف بين الاثنين كأطفال زوجين متخاصمين"—(البوابة)