الدولة ثنائية القومية بين الامكانية والواقع

تاريخ النشر: 10 يناير 2004 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

البوابة-بسام العنتري 

اعلنت حركتا الجهاد الاسلامي وحماس رفضهما خيار الدولة ثنائية القومية التي هدد رئيس الوزراء الفلسطيني احمد قريع بالسعي اليها، واعتبرتا انهما غير معنيتان بهذا التهديد "الارتجالي" والذي حذر مراقبون من النتائج السلبية التي قد يعود بها على الشعب الفلسطيني. 

وقال المتحدث باسم حركة الجهاد الاسلامي، نافذ عزام "نحن نرفض فكرة الدولة ثنائية القومية، والتي كانت تطرح في السابق كاحد البدائل (لانهاء الصراع)، وبالتالي نحن نتصور انه يمثل اعترافا ضمنيا باغتصاب واحتلال اجزاء من فلسطين". 

واكد عزام في اتصال هاتفي مع "البوابة" ان تصور الحركة هو ان "الدولة المنشودة يجب ان تكون فلسطينية خالصة لاصحابها واهلها". 

وراى عزام ان "مسالة الدولة ثنائية القومية فيها غموض كبير، ففي ظل ميل ميزان القوى لصالح اعدائنا (اسرائيل)، لا نعرف من الذي سيدير شؤون هذه الدولة". 

وتنطلق فكرة هذه الدولة من عدم جدوى الصراع إذ لا يستطيع الفلسطينيون اجبار اسرائيل على الانسحاب من أرضهم، كما لا تستطيع إسرائيل فرض الاحتلال عليهم إلى الأبد. وهكذا يتحتم على الطرفين إيجاد صيغة تعايش مشترك بدلا من الانفصال في ظل الواقع الديمغرافي المتداخل وشبكة المصالح المتبادلة. 

كما يرى دعاة هذه الفكرة انها يمكن أن تشكل مدخلا لتذويب مختلف عناصر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وبالخصوص في قضايا اللاجئين والقدس والاستيطان والحدود والموارد المشتركة. 

وكان رئيس الوزراء الفلسطيني اعلن الخميس أن الفلسطينيين سيسعون إلى دولة ذات قوميتين إذا نفذت إسرائيل تهديدها بالاستيلاء على أجزاء من الضفة الغربية في اطار خطة "فك الارتباط " التي هدد رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون بتنفيذها في حال فشلت خطة "خارطة الطريق" للسلام. 

وقد سارعت اسرائيل والولايات المتحدة الى رفض هذا التهديد، والذي وصفته الاولى بانه "فارغ" معتبرة في الوقت نفسه انه يهدف الى "ابادتها". 

وفي حين لم يوضح قريع الية تنفيذ هذا التهديد، الا ان وزير الاعلام السابق ياسر عبدربه اعلن في وقت سابق ان السلطة الفلسطينية قد تحل نفسها ردا على الاجراءات الاسرائيلية الاخيرة. مقدما بذلك اشارة على الاجراءات التي يمكن ان تلجأ اليها السلطة التي تاسست عام 1994 بناء على اتفاقات اوسلو. 

وبينما لم يستبعد المسؤول في حركة الجهاد ان يكون خيار لجوء السلطة الى حل نفسها في اطار تنفيذ التهديد الذي تحدث عنه قريع، الا انه اعتبر ان هناك خيارا "اهم واجدى" من ذلك. 

وقال ان خيار حل السلطة نفسها "خيار قائم، لكن هناك خيار اهم واجدى، وهو ترتيب البيت الفلسطيني ومحاولة الوصول الى موقف سياسي مشترك، والشعب باسره بلا شك سيدعم الموقف الفلسطيني الواحد على ارضية المقاومة في مواجهة العدوان والاحتلال..هذا هو الحل الاجدى". 

واكد عزام ان حركة الجهاد الاسلامي لن تطرح نفسها بديلا للسلطة الفلسطينية في ادارة شؤون الفلسطينيين في حال قامت هذه السلطة بحل نفسها، كما نفى ان تكون لدى اية جهة او تنظيم داخل الاراضي الفلسطينية القدرة على ادارة شؤون الشعب الفلسطيني في حال غياب السلطة. 

وقال "لا احد يستطيع ان يسد فراغا او ان يقوم بخدمات من المفترض ان تقوم بها دولة. الوضع الفلسطيني منهار من الناحية الاقتصادية. البنى التحتية دمرتها اسرائيل والحصار يخنق الشعب الفلسطيني باسره، والعاطلون عن العمل يقدرهم البعض باكثر من 200 الف". 

وكانت القيادة الفلسطينية اصدرت بعد 24 ساعة من تصريحات قريع بيانا اعلنت فيه تمسكها بالاعلان عن قيام الدولة الفلسطينية وفق الشرعية الدولية والاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل، مضفية بذلك مزيدا من الغموض حول جدية ما طرحه رئيس الوزراء الفلسطيني في تصريحاته المثيرة للجدل حول الدولة ثنائية القومية. 

وحاول الوزير الفلسطيني لشؤون المفاوضات صائب عريقات ازالة هذا الغموض باعلانه ان كلا الخيارين يكمل بعضه، ويهدف الى ابراز مخاطر استمرار اسرائيل في خططها للاستيلاء على اجزاء من الاراضي الفلسطينية. 

لكن هذا التصريح لم يكن كفيلا بازالة الغموض بالنسبة لنافذ عزام الذي اكد انه لا يعرف ماهية الدولة التي سيتم اعلانها من جانب واحد، او ماهية حدودها ومدى السيادة عليها، لكنه اكد ان الحركة "مع استعادة كل شبر من الارض بشرط ان تكون هناك سيادة فلسطينية كاملة على هذه المساحة، وهذا من وجهة نظرنا يكون حلا مؤقتا لا يلغي حقنا الكامل في فلسطين" التاريخية. 

حماس: مواقف ارتجالية لا تعنينا 

ومن ناحيتها، انتقدت حركة حماس فكرة الدولة ثنائية القومية التي تحدث عنها قريع معتبرة انها تمثل شكلا جديدا "للارتجالية في القرارات غير المدروسة"، واكدت انها "لا تعنيها" فضلا عن انها لا تلبي مطالب الشعب الفلسطيني. 

وقال المتحدث باسم الحركة محمد غزال في تصريحات لـ"البوابة" انه "لا بد من دراسة مثل هذه المقترحات قبل طرحها، وان تكون خارجة عن نوع من الاجماع الفلسطيني او على الاقل التوافق الفلسطيني"، مضيفا ان "الشعب الفلسطيني عانى كثيرا من الارتجالية في القرارات والهجوم باشكال متعددة من المبادرات غير المدروسة والتي كانت تعطي انطباعات ونتائج غير جيدة". 

واكد غزال ان "موقفنا في حماس (هو) ان فلسطين للفلسطينيين، ويجب ان تعود للفلسطينيين، وبالتالي، هذه المقترحات ودون الدخول في تفاصيلها، لا تعنينا كثيرا ولا نشعر بانها تلبي حاجة الشعب الفلسطيني". 

وفي المقابل، اعلن المسؤول في حماس تاييد الحركة لاعلان الدولة الفلسطينية من جانب واحد، باعتباره خيارا مرحليا مقبولا. 

وقال غزال "نحن مع ان فلسطين هي للفلسطينيين، لكننا في نفس الوقت لا نرى في التعامل مع قضية المرحلية في هذا الموضوع أي بأس". 

واشار الى ان "هذا امر اعلن عنه الشيخ احمد ياسين (الزعيم الروحي لحماس) اكثر من مرة، واعلنته حماس في اكثر من مبادرة في السابق، وبالتالي، لا يضيرنا ان يكون هذا نوعا من الحل الجزئي في الموضوع الفلسطيني". 

وأعلن ياسين الجمعة ان حركته تقبل بقيام دولة فلسطينية على كامل أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة وفق حدود 1967 مقابل هدنة مع إسرائيل، لكنه شدد على عدم الاعتراف بإسرائيل على بقية أرض "فلسطين التاريخية" التي تضم بجانب القطاع والضفة الأراضي المحتلة عام 1948. 

تهديد ذو حدين 

على صعيده، اعتبر المحلل السياسي الفلسطيني، وديع ابو نصار، ان تهديد قريع بالسعي الى دولة ثنائية القومية، ستعود بنتائج سلبية جدا على الفلسطينيين، لكن هذه النتائج ستنعكس على رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون في حال كان هذا التهديد حقيقيا وارفق باعلان السلطة عن حل نفسها. 

وقال ابو نصار ان تهديد قريع "يشكل خطرا على الراي العام اليهودي والذي سيعطي الشرعية لشارون من اجل ان يفعل ما يرده، اما اذا اعلنت السلطة انها ستحل نفسها وتلقي بالمسؤولية عن الفلسطينيين على اسرائيل، فهذا سيسبب ارباكا" لحكومة شارون. 

وتثير فكرة إقامة دولة ذات قوميتين مخاوف متزايدة لدى الإسرائيليين من أنهم إذا لم ينفصلوا عن الفلسطينيين فإن إسرائيل قد ينتهي بها الأمر وهي تحكم منطقة تمتد من نهر الأردن إلى البحر المتوسط، وسرعان ما يصبح اليهود أقلية فيها. 

وتوقع ابو نصار انه في حال اعلان السلطة عن حل نفسها فسوف "تكون هناك تظاهرات في الشارع الاسرائيلي ضد شارون".  

واضاف ان حل السلطة نفسها يعني انه لم يعد هناك طرف فلسطيني، واسرائيل هي المسؤولة عن الضفة الغربية وغزة، وهذا سيؤدي بالكثير من المؤسسات الدولية وبخاصة الاتحاد الاوروبي لان توقف المساعدات التي تقدمها للفلسطينيين على اعتبار انها ستذهب في هذه الحالة لصالح تمويل الاحتلال. 

واكد ابو نصار ان "هذا سيكلف اسرائيل اقتصاديا وامنيا، حيث ستصبح مسؤولة عن ادارة الحياة اليومية للفلسطينيين. وبحسب بعض التقديرات سيكلفها هذا نحو 20 مليار شيكل" وهو ما يساوي نحو 4 مليارات دولار سنويا. 

لكن ابو نصار استبعد ان تلجأ السلطة الفلسطينية الى خيار حل نفسها، والذي "كان يجب ان يحصل مع اول اجتياح اسرائيلي لرام الله" وذلك "لسبب بسيط، وهو ان المسؤولين في السلطة الفلسطينية لا يريدون التخلي عن مناصبهم". 

وفي ما يتعلق بتلميح القيادة الفلسطينية الى اعلان الدولة من جانب واحد، فقد اعتبره ابو نصار مجرد "تهديد هش". 

وقال "هذا بتقديري تهديد هش لانه في عام 1988 كان هناك اعلان دولة، وكانت الظروف الدولية تسير لصالح الفلسطينيين، ورغم ذلك، لم يحصل الفلسطينيون على شئ في الميدان". 

واضاف ان "المشكلة اليوم هي ان الوضع العربي اسوأ بكثير مما كان عليه عام 1988، كما انه لم يعد هناك اتحاد سوفييتي.. وبالتالي هذا الاعلان سرعان ما سيتم نسيانه". 

احراج اسرائيل 

ولجهته، وصف عبد العليم محمد، الخبير في الشؤون الاسرائيلية في مركز الاهرام للدراسات الاستراتيجة، تهديد قريع بانه "لا يخلو من ذكاء"، معتبرا انه سيكون من شانه وضع اسرائيل في موقف محرج على الصعيد الدولي. 

وقال ان "هذه الفكرة لا تخلو من ذكاء ومن وجاهة لان اسرائيل تريد ان تحتفظ بنفسها كدولة يهودية في المنطقة، دولة يهودية دينية تقوم على الافضلية لليهود، والتمييز ضد غير اليهود". 

واضاف ان هذه الفكرة "ستضع اسرائيل في موقف محرج على الصعيد الدولي، لان الفلسطينيين لا يريدون دولة الى جانب اسرائيل، لكنهم يريدون الاندماج في دولة كبيرة من النهر الى البحر باعتبارهم فلسطينيين وباعتبارهم عربا وباعتبارهم اصحاب الارض". 

وتوقع محمد ان تلقى هذه الفكرة مقاومة شديدة من قبل اسرائيل، لكنه راى انه "اذا اجاد الاعلام العربي استثمارها، فسوف يسبب ذلك حرجا بارزا لاسرائيل، لان معنى ذلك ان الفلسطينيين سينخرطون في نضال سلمي ومدني على غرار ما حدث في جنوب افريقيا من اجل المساواة في هذه الدولة الواحدة". 

لكنه اعتبر ان اعلان حل السلطة "قد تكون خطوة، لكن الامر لا يقف عند حد انهاء السلطة حتى يتحقق هذا القرار، ولكنه امر بحاجة الى مفاوضات من نوع جديد تهدف الى مأسسة كيفية اقامة هذه الدولة" كما ان "هناك اشكالات سياسية وثقافية عميقة من الممكن ان تطرح..ليس كافيا انهاء وجود السلطة".—(البوابة)