كل أربع إلى خمس سنوات تتكرر في إسرائيل زوبعة وضجيج في الجهاز السياسي والعسكري للدولة العبرية، على اختيار وتنصيب رئيس أركان جديد في الجيش يعرف في إسرائيل بمنصب " الرامتكال" . ويتولى المنصب الجنرال شاؤول موفاز اليميني المتطرف الذي سينهي فترة خدمته في التاسع من تموز/ يوليو المقبل. ويبدو واضحا أن موفاز لن يحظى بدعم القادة السياسيين لتمديد خدمته لفترة أخرى، بسبب تدهور علاقاته مع أبرز الشخصيات في الحكومة الإسرائيلية خاصة شارون رئيس الحكومة وبن أليعازر وزير الدفاع.
وقد اتهم شارون وبن أليعازر مؤخرا الجنرال موفاز بالتدخل كثيراً في الشؤون السياسية بدل أن يهتم في عمله ويركز على الجانب العسكري . وقد تمت الإشارة وفي أكثر من مناسبة إلى أن موفاز هو المسؤول عن سياسة الجيش الإسرائيلي والتي تلخصت بالقيام بعمليات توغل واغتيال وهجمات عنيفة في مناطق السلطة الفلسطينية، وقد تم ذلك بالرغم من عدم موافقة بعض وزراء الحكومة على مثل هذه السياسة أحيانا. أضف لذلك فإن تصريحات موفاز ضد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات كانت شديدة اللهجة وربما متطرفة أكثر من بعض وزراء اليمين في الليكود. ولا عجب أن هناك الكثير من الأفراد في الجهاز السياسي الاسرائيلي يعتقدون أن موفاز (ذلك المهاجر القادم من أصفهان) وبعد تقاعده من الجيش سيصبح زعيما لأحد الأحزاب اليمينية.
ومن المتوقع أن تسبب عملية اختيار رئيس الأركان الجديد الكثير من التوتر بين رئيس الوزراء ووزير الدفاع.
وحسب الصحافة الإسرائيلية فإن بن أليعازر يدعم عوزي دايان، قريب موشي ديان الذي كان وزيرا للخارجية في حكومة بيغين التي وقعت اتفاقية السلام مع مصر في عام 1979. ويعتبر عوزي ديان صاحب أفكار وآراء معتدلة وهو مقتنع بالوصول إلى حل مع الفلسطينيين. ولكن يبدو أن حظوظه بالحصول على المنصب ليست كبيرة خاصة وأن شارون يعتبره غير مقبول، كما وأن علاقته مع موفاز سيئة جدا.
ومن جهة أخرى، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي يدعم بوغي يعلون مساعدا لرئيس الأركان ، ويعتبر المرشح الأفضل من ناحية موفاز.
وعمل يعلون كقائد هيئةالاستخبارات العسكرية. والجنرال يعلون يدعو إلى إعادة احتلال كل الأراضي الفلسطينية في المستقبل القريب، وطالب بإقالة عرفات من منصبه! وهو الذي هنأ الجيش الإسرائيلي للمواجهة مع الفلسطينيين، ويهدد إذا لم يتم اختياره لمنصب رئاسة الأركان فإنه سيستقيل.
وبين ديان ويعلون فإن مرشحا ثالثا ظهر فيما يبدو أنه سيكون حلا وسطا بين رئيس الوزراء ووزير دفاعه، والمرشح الثالث هو عاموس مالكا، الذي ايضا ترئس الاستخبارات وترك انطباعا جيدا لدى الكثير من السياسيين من خلال ظهوره والحديث أمام العديد من اللجان في الكنيست.
الجنرال مالكا، المولود في المغرب، يأمل من خلال طرح اسمه ودعم بن أليعازر له، في أن يصل إلى منصب رئيس الموساد عندما تنتهي فترة الرئيس الحالي أفرايم هاليفي، على أساس أن تتاح له فرصة رئاسة الأركان بعد أربع سنوات.
والمرشح الرابع هو دان حالوتس ويعمل حاليا قائدا لسلاح الجو. وإذا تم اختياره ستكون المرة الأولى في تاريخ إسرائيل التي يتسلم فيها قائد سلاح جو وليس رجلا عسكريا من القوات البرية منصب رئيس أركان الجيش.
وحسب تقارير الصحافة الإسرائيلية يعتبر حالوتس صقرا في آرائه السياسية، ولذا فهو يحظى بتأييد اليمين المتطرف. ولكن تبدو فرصته في الوقت الراهن بالحصول على المنصب ضئيلة جدا.
ومما لا شك فيه أن اختيار رئيس الأركانالسابع عشر لإسرائيل سيكون بمثابة رسالة سياسية للعالم العربي، بالرغم من أن زعماء إسرائيل ينكرون ويصرون على أن هذا المنصب ليس سياسيا. وتصرفات موفاز منذ اندلاع الانتفاضة أعطت الانطباع أنه هو الذي يقود الجيش الإسرائيلي لتنفيذ عمليات معقدة وصعبة ضد الفلسطينيين، وفي بعض الأحيان ضد ما يعتقده القادة السياسيون. وقد حدث أن علق شارون ساخرا على قرارات اتخذها موفاز دون موافقة الحكومة قائلا "توجد حكومة في إسرائيل".
ويبدو أن اختيار شخصية معقدة ومثيرة للجدل مثل دان حالوتس لمنصب رئيس الأركان ستعطي الإشارة للعالم أن إسرائيل عازمة على مواصلة سياسة التصعيد والمواجهة ضد العالم العربي عامة والفلسطينيين خاصة. وفي هذه الأيام الذي تمتد فيها يد العالم العربي للسلام مع إسرائيل مبادرة ولي العهد السعودي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز، يتوجب على زعماء إسرائيل أن لا يفوتوا مثل هذه الفرصة. بيد أن اختيار رئيس الأركانالجديد سيجعل من السهل فهم هدف إسرائيل.
رئيس الأركان الإسرائيلي المقبل لا بد أن يواجه رأياً عاماً إسرائيليا يطرح أسئلة ملحة عن الوجهة التي تحملهم نحوها حكومة شارون، هذا الرأي الذي بدأ يقتنع تقريباً بأن العمليات الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي سواء التي تستهدف المستوطنين والقوات العسكرية، في المناطق الفلسطينية هي تحركات شرعية توافق عليها كل القوانين الدولية في العالم.
والشيء المؤكد الآن هو أن موفاز سيستمر في قيادة جيش إسرائيل على طريقته من أجل قمع الفلسطينيين. كما وفي الوقت الذي يتنافس فيه هؤلاء الجنرالات الأربعة، يشعر موفاز بالاطمئنان، فهو موعود بمنصب وزير الدفاع، إذا انشق حزب العمل عن حكومة التحالف، أو إذا ما جاء بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة مجدداً! (البوابة)