الخطر الجسيم ليس في أسلحة الدمار الشامل.. العقيد الركن: عامر الجبوري

تاريخ النشر: 09 نوفمبر 2002 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

الخطر الجسيم ليس في أسلحة الدمار الشامل 

بقلم العقيد الركن: عامر الجبوري: عضو قيادة حركة الضباط والمدنيين الأحرار 

الشعب العراقي يعاني منذ اكثر من ثلاثة عقود من القمع والاضطهاد والقتل و... من قبل النظام الحاكم الذي زجّ بالعراق في حروب مدمرة له ولجيرانه وللمنطقة وزعزعة الاستقرار العالمي وأضعفت التضامن العربي والأمن القومي العربي. كما أن نظام صدام عمل على تفكيك البنية الاجتماعية والثقافية والفكرية لمجتمع العراقي . إن الشعب العراقي يعيش حالة الحرب غير المحدودة سواءاَ كانت حرباً داخلية أو حرباً خارجية.. والشعب العراقي خلالها يعيش في مرجل ويعانى الأمرين . للأسف الشديد لم نجد لهذه المعاناة انعكاساً أو أي ردة فعل عربية سواءاً على المستوى الرسمي أو الشعبي ، وان وجدت أحياناً فإنها تخلط بين النظام وهو المسبب لجميع تلك المعاناة والمآسي وبين الشعب الخاضع تحت سلطة الإرهاب والقمع وبالتالي تفقد قيمتها وتأثيرها لأنها تساوي بين الضحية والجلاد. 

بعد حرب تحرير دولة الكويت الشقيقة وخلال أكثر من عشر سنوات مضت كان الخطاب السياسي العالمي وكذلك الإجراءات الدولية تركز على قضية أسلحة الدمار الشامل العراقية ووجوب تدميرها والخلاص منها . وتحت هذا المطلب حوصر الشعب العراقي ومورست عليه أنواع العقوبات الاقتصادية والنفسية والمعنوية من قبل المجتمع الدولي ، يضاف إلى ذلك ممارسات نظام صدام القمعية وحصاره الأشد وطأة على رقاب شعبنا المنكوب والمتاجرة بقضية الحصار الدولي والمرضى والموتى من الأطفال والشيوخ بسبب سياسة النظام الصحية والغذائية المقصود منها إيذاء وإذلال شعبنا والاستفادة منها إعلاميا من خلال التباكي على الشعب العراقي المحاصر .رغم ذلك ومعرفة العالم بحقيقة الأمور في العراق فانه لم يلتفت الى قضايا أكثر إلحاحا وأهمية ، بل هي أم المشاكل وسببها وهي طبيعة النظام الحاكم في العراق وسلوكه وأسلوب إدارته للسلطة الفردية والفريدة في العالم من حيث تعاملها مع شعبها ومع دول العالم والطرق التي تنتهجها في حل المشاكل مع دول الجوار وبقية العالم .وان دولاً عدة راحت أكثر من ذلك لاستغلال الوضع والظرف الذي يمر به العراق واستعداد سلطته الحاكمة في تقديم موارد ومستقبل العراق مقابل استمرار النظام الحاكم في بغداد بسلطته يوماً إضافيا . وتدافعت الدول باتجاه مصالحها غير المشروعة في العراق فكانت المساومات والابتزازات والوعود وإبرام الصفقات والاتفاقيات غير المشروعة على حساب مصالح وموارد أجيال شعب العراق ، حيث وضع صدام بلدنا العراق في مزاد عالمي مقابل الحفاظ على كرسيّ خاوِ ومنهار. فعقدت الصفقات التجارية وأبرمت الاتفاقيات والبروتوكولات النفطية بثمن بخس ولم نسمع صوتا يتحدث أو يطالب بحقوق الشعب  

العراقي وضرورة رفع معاناته وإنهاء عمليات القمع والقتل والتهجير والاعتقال والتعذيب الوحشي . ولم يتحدث أحد عن حقوق الإنسان المهدورة والمنتهكة في العراق ، في الوقت الذي أصبحت موضوعة حقوق الإنسان من أولى اهتمامات المجتمع الدولي على أعلى مستوى وهى هيئة الأمم المتحدة والتي سنت القوانين الدولية وعليها مسؤولية حماية الشعوب وحقها في الحياة الحرة الكريمة .يقوم مجلس الأمن الدولي ومنذ بضعة أيام ومازال بمناقشة مشروع قرار دولي لنـزع أسلحة الدمار الشامل في العراق ، باعتبارها تهدد الأمن والسلام الدوليين . ولم يلتفت مجلس الأمن الدولي (وهو أعلى سلطة دولية معنية بحفظ الأمن والاستقرار الدولي ) إلى ما هو اخطر من تلك الأسلحة ورغم قناعتنا بخطورتها وضرورة التخلص منها في العالم كافة ، إن الخطر الحقيقي في امتلاك تلك الأسلحة يكمن في طبية من يمتلكها والعقل المسيطر عليها. إنها موجودة منذ عقود مضت وفي دول عديدة ولكنها لم تستخدمها ولم تحدث كوارث بسببها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ، ماعدا نظام صدام الذي استخدمها اكثر من مرة ضد شعبه أولا وضد جيرانه لاسيما في حربه مع إيران.إذن موضوع التفتيش عن الأسلحة ذات التدمير الشامل وتدميرها ليس بالأمر المهم بقدر عمن يمتلكها واستئصال العقلية الإجرامية التي تسيطر عليها . فها هي دول عديدة بعضها كبرى وأعضاء في مجلس الأمن الدولي امتلكت أسلحة الدمار الشامل منذ عشرات السنين ولم تبادر إلى استخدامها بل حتى عدم التهديد باستخدامها ، بينما نظام صدام قد استخدم الأسلحة الكيماوية والبيولوجية ولمرات عديدة ضد شعبه وضد جيرانه ، ولديه الاستعداد التام لاستخدامها مستقبلا ، بل الأكثر من ذلك فان نظام صدام قد استخدم الأسلحة البيولوجية وبشكلها البدائي منذ عام 1969 ضد معارضيه عندما كان صدام نائبا للرئيس احمد حسن البكر ومسؤول جهاز المخابرات (مكتب العلاقات العامة حينها) حيث جرى بإشراف صدام ولمرات عديدة استخدام السموم لتصفية معارضيه السياسيين ، كما استخدم جراثيم الأمراض المعدية والقاتلة وكمثال على ذلك كان يجلب مرضى التدرن الرئوي ( السل) من مستشفى التويثة في بغداد المختص بمعالجة ذلك المرض ، إلى معتقل قصر النهاية في بغداد ويأمرونهم بالبصق في أفواه المعتقلين لنقل العدوى إليهم ، وبعد استفحال المرض يتم إطلاق سراحهم ليلاقوا مصيرهم في بيوتهم حيث كان العراق في فترة الستينات من القرن الماضي يعاني من انتشار ذلك المرض.ثم مسلسل القتل بالسموم والإبر السامة وبشكل واسع للتخلص من المعارضين ، وحوادث أخرى تثبت استعمال صدام للمواد البيولوجية ضد أبناء شعبنا ، منها توزيع القمح المسموم على المواطنين في أواخر الستينات والذي راح ضحيته مئات المواطنين ( هذه حادثة معروفة لدى اغلب العراقيين) كذلك قامت أجهزة القمع الصدامية بنقل أعداد من المعارضين من معتقلاتهم إلى مستشفى البتيرة المختص بمرضى الجذام ( يقع في محافظة ميسان جنوب العراق) . كما قامت الأجهزة القمعية بإلقاء القوارض والحشرات الضارة والناقلة للأمراض في غرف وقاعات المعتقلين ونشرها في بعض المناطق السكنية في بغداد .كما قام نظام صدام بتوجيه نفايات ومجاري المياه الملوثة من المستشفيات والمفاعل النووي الكائن في منطقة سلمان باك جنوب بغداد ، إلى نهر دجلة مما أدى إلى تلوث مياهه والذي يعتبر المصدر الرئيسي لمياه الشرب لمحافظات وسط وجنوب العراق .أما فيما يخص الأسلحة الكيمياوية فقد استخدمها نظام بغداد لمرات عديدة ضد شعب العراق وضد جيرانه بشكل سافر لا يتطلب أي جهد لاثباته . من ذلك نستنتج بشكل مطلق إن عقلية صدام ومن حوله لديها الاستعداد التام لاستخدام أسلحة الدمار الشامل . إن أي سلاح حتى التقليدي منه ليس خطورته بنفسه بل الخطورة بمن يمتلكه وعلى المجتمع الدولي ومجلس الأمن الدولي والمسؤول عن الأمن والسلام العالمي أن يكون جادا في معالجة هذه الإشكالية الخطيرة لاسيما وان تلك العقلية تمتلك وسائل السلطة ومالكة رقاب شعب وبلد كالعراق له إمكانيات وقدرات كبيرة .على العالم أن يعي هذه القضية ويضع حلول لمعالجتها والكف عن الخطاب السياسي والإعلامي الذي يركز على تدمير الأسلحة ، أن الخطورة تكمن في من يملكها ويملك السلطة لاستخدامها لانه حتى وان دمرت أسلحة الدمار وبقيت سلطة صدام فأنها قادرة على إعادة إنتاجها واستخدامها أو إيجاد بدائل مدمرة أخرى ، لان عقلية وسلوك صدام هي عقلية مجرمة ومدمرة وشاذة عن العقل السوي .  

مما نأسف له إن دولا عديدة ومنها أعضاء دائمة في مجلس الأمن الدولي تركز على التفتيش وتدمير الأسلحة، ناسية ومتناسية العقل الحاكم لها وهو الذي يفترض البحث عن أسلوب للقضاء على هذا الحاكم أو على الأقل إبعاده عن السلطة . أن إبعاد حاكم بغداد عن السلطة ليس عملا وقائيا لأسلحة التدمير الشامل بل هو عملا علاجيا وحتميا وضروريا لان صدام سبق إن استخدم تلك الأسلحة وبشكل متكرر وفي أوقات وأماكن عدة، فجميع عناصر الجريمة الدولية والإنسانية متوفرة فيه .نحن العراقيون نحب عراقنا وشعبنا ونتمنى أن تحل مشكلة العراق بدون حرب أو ما يسمى ضربة عسكرية ، كما إننا نتمنى ونعمل بشكل ملح على حل قضية بلدنا ، ولاحل لقضيتنا الاّ برحيل نظام صدام . إذن خلاص وطننا من نظام صدام هو الهدف الأول والأساسي ولا هدف او شعار يبرر غير ذلك . إن كل الأغطية والتبريرات والشعارات التي تؤدي إلى غير ذلك هي كلمات حق يراد بها باطل. كما إننا كعراقيين ليس طرفا في الحرب الوشيكة مع نظام صدام، بل ينبغي إن نعمل كل ما بوسعنا للاستفادة من الفرص والظروف الدولية والمحلية المساعدة في التخلص من نظام صدام الدموي . وخلال مناقشة مجلس الأمن الدولي لإصدار قرار يجبر نظام صدام لخضوعه لمتطلبات المجتمع الدولي ومنها حقوق الإنسان العراقي وحرية الشعب العراقي في اختيار من يحكمه . أن رفض أو تردد بعض اعضاء مجلس الامن الدولي دائمى العضوية فيه خطورة كبيرة وفهو من جهة يشجع صدام في استمراره بعدم تنفيذ قرارات مجلس الامن الدولى وايغاله في تضليل المجتمع الدولي ومراوغاته ، ومن جهة ثانية يعطي انطباعا بضعف مجلس الامن الدولي ومن هيئة الامم المتحدة في ردع الانظمة الدكتاتورية الخارجة عن الشرعية الدولية وبالتالي تصبح المنظمة الدولية الحالية غير قادرة على معالجة المشاكل الدولية المعاصرة ، وتستجد حاجة دولية ملحة لايجاد هيكلية وضوابط دولية حديثة تنبع من مستلزمات النظام العالمي الجديد ، يضعها الاقوياء والمنتصرون ، كي تكون المنظمة الدولية اكثر نجاعا وايسر اسلوبا لتامين متطلبات الامن والاستقرار والسلام الدولي .وكما كانت من نتائج الحرب العالمية الثانية وانتصار الحلفاء فيها ، ولادة منظمة الامم المتحدة الحالية وريثة عصبة الامم ، وولادة مجلس الامن الدولي وحق النقض للمنتصرين والاقوياء في تلك الحرب الكونية . فلا يستبعد ان يكون النظام العالمي الجديد الذي ولد بعد انهيار الاتحاد السوفيتي السابق ، وتجلى بعد حرب تحرير الكويت عام 1991 كتجربة اولى له، ثم تكرس في كوسوفو وافغانستان ، ونعتقد ان مرحلة (استثمار الفوز) ستكون في العراق . وسيخرج المنتصرون بمبادئ وضوابط دولية جديدة يفرضونها على الخاسرين والمتفرجين في آن واحد .!! 

لذا على اعضاء مجلس الامن الدولي ان يتحملوا مسؤولياتهم تجاه السلم والاستقرار العالمي لاسيما الاعضاء الدائميين ، فان خروجهم من اللعبة سيكونون متفرجين لاسيما وانهم متفرجون غير حياديين بل مشجعين للفريق الخاسر وبالتالي فان خسارته ستلحقهم ايضا .هذا من ناحية مصالحهم يضاف الى ذلك مسؤولياتهم الدولية في الامن والسلام. ان عدم صدور قرار قوي لمجلس الامن الدولي يتضمن حقوق الانسان العراقي اعتقد انها انتكاسة للمنظمة الدولية ومجلس الامن الدولي وانتكاسة للامن والاستقرار الدولي ،وانتكاسة للدول التي ساهمت في عدم اصدار ذلك القرار سواءا بالنقض اوعدم التصويت .لان الولايات المتحدة وحلفائها عازمة على تحقيق اهدافها سواءا ضمن الامم المتحدة او خارجها . لذا فان تحققت اهدافها بعمل خارج منظمة الامم المتحدة ، وستكون قادرة على تحقيقها فعلا ، ولاشك في ذلك فان الولايات المتحدة وحلفائها ستضع شروطا وضوابط دولية لنظام دولى جديد يتجاوز الصيغة الحالية في هيئة الامم المتحدة ، باعتبارها الدولة المنتصرة ووفق رؤيتها للنظام العالمي الجديد ، كما حدث بعد ان وضعت الحرب العالمية الثانية اوزارها ، وسيخسر الاخرون ، لذا من الحكمة وخدمة لمصالحهم الدولية ووفق الواقع الجديد ان يبقى اللاعبون الكبار الخمسة في اللعبة ولا يخرجوا منها ، وذلك بعدم ممانعتهم بل موافقتهم ودعمهم على اصدار قرار قوي يجبر صدام على الرحيل ويعيد العراق كبلد وشعب الى المجتمع الدولي ،. وليس من المستبعد ان تظهر قوى دولية كبرى جديدة كالاتحاد الاوروبي واليابان ، تحل محل الخاسرين والخارجين من اللعبة .  

ان قضية تنحية او طرد اسوء حاكم مستبد ودكتاتوري من الحكم في بغداد وبمسوغ عالمي الا وهو حقوق الانسان والديموقراطية سيضع العالم الحر ودول القرار الاخرى امام امتحان صعب ، من سيجتازه بنجاح سيكون بمثابة سمة دخول عصر النظام العالمي الجديد ، بمرتكزاته الاساسية وهي الديموقراطية ومؤسسات المجتمع المدني وحقوق الانسان والعولمة .