بعد 11 يوما من التحقيقات المكثفة، بدأت تظهر صورة جماعية للرجال الذين قادوا أربع طائرات، ارتطمت اثنتان منها بمركز التجارة العالمي والثالثة بالبنتاغون، وسقطت الرابعة في مزرعة خالية بـ بنسلفانيا.
التقرير التالي نشرته صحيفة الشرق الأوسط الصادرة في العاصمة البريطانية وعرضت فيه تفاصيل الأيام الأخيرة للخاطفين المفترضين:
يقول التقرير إنها صورة تقريبية غير كاملة، تكشف أجزاؤها المتفرقة مجموعة من الشباب الجيدي التعليم، تمكنت من التسلل إلى البلاد والعيش بصورة لا تلفت الأنظار، في ضواحي المدن، والحصول على معارف من الطيران تكفي فقط للاستيلاء على طائرة ركاب وهي في الجو.
ومع أن المسؤولين الأميركيين بادروا بتوجيه المسؤولية عن الهجمات إلى أسامة بن لادن إلا انهم لا يزالون يحاولون إيجاد علاقة مباشرة بينه وبين تلك الهجمات.
ويعتقد المحققون أن هناك متآمرين آخرين، ولكن رغم جهود آلاف من محققي المباحث وضباط الاستخبارات، فإن السلطات لم تعتقل إلا عددا ضئيلا من المتهمين يمكن إحصاؤه على أصابع اليدين.
وتشير التقارير السرية إلى أن الخاطفين كانوا يتراوحون بين الحياة السرية والعلنية، مستغلين إمكانيات الخفاء والعلانية التي يوفرها مجتمع يحتقرونه.
وقد وصلوا إلى البلاد فرادى وفي رفقة ثنائية مستخدمين الأوراق الثبوتية الصحيحة مرة والمزورة مرات. ليس منهم من له سجل إجرامي، واثنان منهم فقط أثارا انتباه الـ سي. آي. إيه. أما البقية فيمكن أن يقول عنهم ضباط الاستخبارات إنهم نظيفون.
هؤلاء الشباب يملكون صناديق بريدية، وحسابات بريد إلكتروني، ورخص قيادة وبطاقات A.T.M . ومع أن بعضهم يتحدث إنجليزية ضعيفة، فإنهم لم يجذبوا الانتباه في محيط أصبح يتسم بالتعددية والانتماءات المتباينة.
تفادى هؤلاء الشباب أي اختلاط بالغرباء، ويقول المسؤولون، إنهم كانوا حريصين جدا في اتصالاتهم مع بعضهم البعض، مستخدمين البطاقات مسبقة الدفع وأجهزة الكمبيوتر بالمكتبات العامة. ومع أن تجار المخدرات، من الطبقة المتوسطة، يمكن أن يسخروا من أساليبهم، إلا أن إجراءاتهم الأمنية كانت فعالة وضعيفة البنية التقنية.
كعملاء سريين لم يكونوا حاذقين. اثنان منهم أغلقت حساباتهما لدى "فيزا" مما اضطرهما لدفع تكلفة تذاكرهما نقدا في مطارات مزدحمة بالبشر. وأوقف أحدهم للقيادة بدون رخصة وصدر أمر باعتقاله لنفس السبب.
ولكن رغم كل شيء كان هناك تركيز مرعب على الجنون الذي قاد إلى موت الآلاف يوم 11 أيلول/ سبتمبر.
وإذا كان الخاطفون يعرفون مسبقا نهاية العملية التي سينفذونها، فإنهم قد حافظوا على هذا السر وهم يتجولون داخل المحال التجارية الكبرى، وفي محلات البقالة، وأثناء الأوقات التي قضوها في أحواض السباحة.
قالت جيل نورث، (41 سنة)، "كانوا ينظرون إلى عينيك مباشرة"، وجيل كانت تسكن في موتيل فالينسيا بـ لوريل، ميريلاند، حيث كان خمسة من الخاطفين يتقاسمون حجرة واحدة قبل أسبوع واحد من الهجمات.
ترك "الإرهابيون" وراءهم آثارا ظاهرة. ففي لوريل وجد عملاء "أف بي آي"، حقيبة أسطوانية تحوي سماعات طيار ومواد ملاحية جوية أخرى. واحتوت حقيبة أخرى تم العثور عليها بمطار لوغان ببوسطن على شريط فيديو عن طائرات الركاب ووصية، حسب تصريحات أحد المسؤولين. وبعد البحث والتمحيص توصل المحققون إلى أن تكلفة العملية كلها لم تتعد 200 ألف دولار.
الشواهد موجودة في كل مكان ففي حانة بميناء هامبورغ الألماني، يتذكر المدير تلك المحادثات التي كانت تدور بينه وبين بعض الشباب العرب الذي يؤمون الحانة للأنس وليس للشرب.
"كانوا جميعا يكرهون أميركا. وهذا لم يكن سرا".
قال مدير الحانة ذلك وهو يعلق على محمد عطا ومجموعته الذين كانوا يجتمعون هناك.
في مدرسة إيرمان للطيران بـ نورمان، أوكلاهوما، هناك سجل برسالة بريد إلكتروني وصلت يوم 22 آذار/ مارس 2000 من محمد عطا، يستفسر فيها عن معلومات حول برنامج مكثف لتدريب طيارين محترفين. وتذكر روكسانا كابوتو، بمركز اللياقة البدنية بلودرديل، فلوريدا، شابا وسيما تجتاحه رغبة عارمة للتدريب على الملاكمة وقتال الشوارع والكاراتيه.
قالت المس كابوتو كان متوترا نوعا ما، ولكن ذلك لم يكن أمرا غريبا فقد دخل إلى المركز وغادره بعد ذلك.
ويعتقد ضباط المخابرات أن التخطيط للهجمات ربما استمر لعدة سنوات، وتوجد جذور المؤامرة في الحافة الجنوبية العطنة لمدينة هامبورغ. فهناك تعمقت الميول الدينية لمحمد عطا بعد أن أدى فريضة الحج إلى مكة عام 1995. كان محمد عطا حينها طالبا بالجامعة الفنية في هامبورغ. ويتذكر أساتذته وزملاؤه في شركة تخطيط المدن التي عمل فيها متدربا، أنه جلب معه سجادة صلاة إلى المكتب، وأصبح حذرا جدا فيما يتناوله من طعام، وكان يكشط الطبقة العليا من الكيكة ليتأكد من أنها لا تحتوي على لحم الخنزير.
وفي عام 1999 وهو الذي أنهى فيه دراسته، نظم محمد عطا مجموعة للصلاة من خلال اتحاد الطلاب. ويعتقد ضباط الشرطة الألمان أن تلك المجموعة ربما وفرت غطاء مفيدا لتجنيد طلاب آخرين.
ومن بين المرتبطين بمحمد عطا، مروان الشحي الطالب من الإمارات العربية المتحدة. والطالب الآخر ربما يكون صاحب النظارة ذات الإطار السلكي الذي تحدثت عنه روكسانا بلودرديل، وهو زياد سمير الجراح.
قال ضابط استخبارات ألماني كبير، لم يشأ الكشف عن هويته: الصعوبة في هذا الأمر أن هؤلاء الشباب مكثوا هنا لفترة طويلة ولم تكن لهم أية صلة بأي عمل إرهابي أو إجرامي. وربما يكونون عناصر ساكنة... لديهم أوامر طويلة المدى.
أواخر عام 1999 أبلغ ثلاثة منهم عن ضياع جوازاتهم أثناء رحلة ببافاريا. وقال ناطق باسم وزارة الداخلية الألمانية، لصحيفة بيلد، إن الثلاثة ربما كانوا يريدون إزاحة التأشيرات العراقية والأفغانية من وثائقهم تسهيلا لدخولهم إلى الولايات المتحدة.
في تموز/ يوليو 2000، وصل محمد عطا والشحي إلى مدرسة إيرمان للطيران وطلبا القيام بجولة حول المدرسة. وقد صحبتهم يريندا كين، مديرة القبول، في جولتها النموذجية التي تستغرق نصف الساعة. فشاهدوا نماذج الطيران، والفصول وفناء الطيران. شكرها الرجلان وغادرا المدرسة.
ورغم تحفظاتهما عن أوكلاهوما إلا أن فلوريدا كانت مكانا ملائما لتدريب "الإرهابيين". فالتعددية العرقية التي تمتاز بها الولاية والطبيعة العابرة لحياة شقق الإيجار، والإجراءات المبسطة لنيل رخص القيادة، ساعدت جميعا على إخفاء تحضيراتهم.
في تموز/ يوليو التحق عطا والشحي بمدرسة هوفمان للملاحة الجوية، بفينيس، على الساحل الغربي لفلوريدا. وفي تشرين الأول/ أكتوبر بدأ صديقهما من ألمانيا زياد الجراح الالتحاق بمدرسة أخرى بفينيس، هي مركز فلوريدا التدريبي للطيران.
على الجانب الآخر من البلاد، بسان دييغو، وصل رجلان هما نواف الحازمي وخالد المحضار، والتحقا بمدرسة أخرى للطيران، بغرض التدرب على قيادة طائرة البوينج. ولم يكن أي منهما له أية خبرة بالطيران وقتها.
ليس واضحا ما إذا كان هؤلاء الخاطفون على اتصال مع بعضهم البعض، ولكن بحلول صيف 2000 كان واحد على الأقل من "الإرهابيين" المتهمين بالهجمات في كل طائرة قد بدأ التدريب على الطيران بالولايات المتحدة أو بحث عنه.
تورستن بيرمان، الذي عاش مع الجراح بـ فينيس وصفه بأنه رجل غريب، خطر القيادة، ففي رحلة دائرية إلى فورت لودرديل كان بيرمان يقود القسم الخارجي من الطائرة بينما يدير الجراح الراديو، كما هي العادة. ولكن الجراح أصر على قيادة الطائرة في رحلة العودة، وتشغيل الراديو في نفس الوقت. عندما ساء الجو رفض مطالبة بيرمان للهبوط والتزود بالوقود. وقال إنهما بالكاد عادا إلى قاعدتهما.
قال بيرمان "قررت ألا أطير معه مطلقا. وكان كل من يطير معه يشعر بنفس الشعور. كان يبدو وكأنه في حاجة لمن يسيطر عليه".
وليس من بين الخاطفين من صار طيارا جيدا. فبعد دروس قليلة غير منتظمة، طلب من الرجلين اللذين كانا بسان دييغو أن يحسنا لغتهما الإنجليزية قبل أن يكون في مقدورهما الاستمرار. ويعتقد أنهما ذهبا إلى أريزونا لمزيد من التدريب.
ولكن الخاطفين استطاعوا في النهاية أن يحققوا هدفهم الأساس: فكثير من المدربين يقولون إن هؤلاء الرجال تعلموا القيادة والالتفاف ولكنهم كانوا يجدون صعوبة في الإقلاع والهبوط. وبعد أن تدرب عطا والشحي على طائرات صغيرة بهوفمان، ذهبا إلى ميامي في كانون الأول/ ديسمبر للتدريب على نموذج الطائرة 727.
وبعد أن ركزوا اهتمامهم على الطائرات التجارية، نقلت مجموعة فلوريدا قاعدتها إلى ضاحية براوارد وضاحية بالم بيتش. وقد عاش 12 من الخاطفين المتهمين بفلوريدا في وقت من الأوقات.
أمضى هؤلاء الشباب وقتا طويلا يتسكعون حول أحواض السباحة ويتجولون على السواحل. وقد اشترك 6 منهم على الأقل في أندية السباحة والرياضة، بما فيها النادي العالمي بـ بوينتون بيتش.
ربما يكون المشرفون الكبار على العملية هم الذين أمروا بدخول هذه الأندية، ولكن ثلاثة من هؤلاء الرجال ـ وليد الشهري، وائل الشهري وسطام السقامي ـ كانوا يكتفون فقط بالتحلق حول الماكينات دون أن يحركوا رجلا أو يدا.
قال المدرب جو فارنولي كانوا يقفون في أماكنهم ويكتفون بالمشاهدة ولكن محمد عطا كان له روتين مختلف. كان يجلس على ماكينات تدريب عضلات الأفخاذ محركا رجليه بعصبية إلى أعلى وإلى أسفل. مدير النادي العالمي للسباحة والرياضة جيم ولارد قال عنه: كان عطا يعمل بتوتر شديد، وفي غير انتظام.. كان مجنونا.
بحث هؤلاء الشباب عن السرية وحرصهم على البعد عن الأضواء جعلهم يفضلون الإيجارات القصيرة المدى، التي لا تستدعي البحث التفصيلي عن خلفيات المستأجرين. ويبدو أن اتصالاتهم انحصرت تماما في الهواتف الجوالة. وقال أحد الضباط إن واحدا منهم أجرى 700 محادثة في ظرف 3 أشهر قبل الهجوم.
الفريق الذي كان بسان دييغو ذهب إلى مسجد طلبا للمساعدة في الاستقرار، بعد أن نزلوا لفترة مع بروفيسور مسلم يبدو أنه لم يكن يعرف حقيقتهم. أما أولئك الذين كانوا بفلوريدا فقد تفادوا الجالية الإسلامية المحلية.
وإذا بدت نهاراتهم طويلة، فإن لياليهم كانت مليئة بالنشاط. وقد تحدث الجيران في عدة شقق وفنادق عن حركة متصلة لرجال شرق أوسطيين أثناء الليل، وقالوا إنهم سمعوا ضوضاء غريبة أثناء الليل. وقد عثر المحققون الفيدراليون على أجهزة كمبيوتر وأفرشة في إحدى الشقق، ووثائق باللغة العربية وخرائط جوية في شقق أخرى.
وثمة ما يشير إلى أن هؤلاء الرجال، كانوا يسعون لتجنيد البعض من الطيارين العديدين من الشرق الأوسط الذي يتلقون تدريباتهم على ساحل فلوريدا. وتقول وثائق الـ في بي آي إن السلطات الألمانية أصدرت أمرا باعتقال أحد الشباب الذين كان أحد الخاطفين المتهمين، الجراح، يحاول تسهيل سفره إلى فلوريدا للتدريب على الطيران.
مع تسارع الأحداث أخذت فرق الاختطاف تأخذ شكلها النهائي. استقبل الجراح زميلا أسكنه بحجرته واستقل معه الطائرة التي سقطت فوق بنسلفانيا. وظهرت مجموعة سان دييغو في ضاحية بميريلاند. وهؤلاء سيستقلون الطائرة التي اصطدمت بالبنتاغون.
عندما هم الجراح، وزميله في الغرفة، أحمد الحزنوي، بمغادرة فلوريدا جرت بينه وبين المالك هذه المحادثة: قال تشارلس ليزا: "زياد، ربما تجيئك بعض الأموال، أين أستطيع أن أعثر عليك؟" قال زياد "سأرسل لك بطاقة بريدية".
يوم 20 آب/ أغسطس كان يوما لطيفا بـ نيوجيرسي الشمالية. ذهب نواف الحازمي إلى مكان لتأجير السيارات، وأخرج بطاقة ماستركارد واستأجر سيارة كريسلر كونكورد. احتفظ بهذه السيارة لعشرة أيام. وفي اليوم الأول من أيلول/ سبتمبر نزل بموتيل بميريلاند. فالمخطط كان قد دخل إلى مرحلته الأخيرة. ومع أن المراحل الأخيرة ليست واضحة تماما، إلا أن المحققين يعتقدون أن الخاطفين قضوا وقتا طويلا في دراسة اهد افهم والقيام برحلات تجريبية استعدادا ليومهم الأخير. وكانت سيارة استأجرها عطا قد شوهدت داخل مطار لوغان خمس مرات على الأقل وسجلت الكاميرات ذلك. وهنا، ومع ازدياد تركيزهم أصبح هؤلاء الرجال أكثر انطواءً على أنفسهم.
في فندق فالينسيا بـ لوريل، كان الجيران يلمحون الحازمي وأربعة رجال آخرين وهم يجلسون في صمت على بطانيات مفروشة على الأرض.
يقول توريز بروكتور، بالحجرة المجاورة لم أسمع مطلقا رنين الهاتف أو صوت التلفاز.
توقفت جيل نورث ذات يوم بمرآب السيارات، فأغلق الرجال طريقها وهم يتحلقون حول بعضهم البعض وينخرطون في محادثة عميقة. ولم تستطع المرور إلا بعد أن طلقت بوق السيارة. ولكنهم لم يرفعوا عيونهم مطلقا.
كان الرجال الخمسة يخرجون غالبا في الصباح، يستقلون سيارة تويوتا عليها لوحات كاليفورنيا، ويأخذون معهم أمتعتهم: حقائب سوداء أو غامقة الزرقة بعجلات أو حقائب تحمل على الظهور. وعندما يعودون تكون معهم أكياس الخضراوات، فيبقون بحجرتهم حتى الصباح.
لم يكن واحد منهم يخرج منفردا إلا أن مدير محلات فيديو قريبة يذكر أن الجراح زار محله ثلاث مرات ولكنه لم يشتر شيئا.
ومع كل تركيزهم فإن هؤلاء الرجال ارتكبوا بعض الأخطاء التي لا تخلو من غباء. فالجراح أعطى عنوان الشقة التي تركها قبل يومين لاستلام تذكرته للسفر. اثنان من الخاطفين زارا موقع أميركان إيرلاينز على الإنترنت للحجز ولكن فيزتيهما رفضتا لاختلافات في العناوين مما اضطرهما للذهاب إلى مطار بالتيمور الدولي للدفع نقدا. ولكن هذه الأخطاء لم تترك أثرا.