رام الله – عزت الراميني
بدأت تطفو على السطح معاناة العمال الفلسطينيين الذين انقطعوا عن أعمالهم منذ اندلاع الانتفاضة، إثر إغلاق قوات الاحتلال للأراضي الفلسطينية، حيث لم تكتف إسرائيل بتهديد حياة العمال وقتلهم، بل سدت في وجوههم فرص العمل لكسب العيش، وبدأ العمال يعانون من الضائقة المالية التي تزداد حدتها يوما بعد يوم، مما دفع مئات العمال في قطاع غزة للتظاهر في باحة المجلس التشريعي، مطالبين السلطة والمجلس بمساعدتهم من أجل توفير فرص عمل لهم وإيجاد وسائل لدعمهم تساعدهم على الصمود من أجل تأمين مستلزمات الحد الأدنى لأسرهم. كذلك دعا بيان أصدره المكتب التنفيذي لكتلة التضامن العمالية القوى الوطنية والنقابية والمؤسسات الرسمية والخاصة للتقدم بخطوات ملموسة لتعزيز روح التضامن مع العمال لتعزيز صمودهم وتعظيم دروهم في الانتفاضة، مطالبا السلطة الفلسطينية باتخاذ قرار سياسي لاستيعاب عمال المستوطنات في القطاع الحكومي.
كما دعا البيان إلى ضرورة تشكيل صندوق دعم العامل بضم الاقتطاعات المالية والبالغة 5% من رواتب الموظفين التي حسمتها السلطة منذ عام 1996 تحت مسمى صندوق دعم البطالة. إضافة إلى صرف رواتب مقطوعة وثابتة لعمال الخط الأخضر، بما يؤمن لهم الحياة الكريمة، وفي نفس الوقت طالب المكتب التنفيذي الدول العربية باستيعاب أعداد من العمال والخريجين العاطلين عن العمل، كمقدمة لتحرير العمالة الفلسطينية من سوق العمل الإسرائيلي.
أما القوى الوطنية والإسلامية فقد طالبت كافة فئات الشعب الفلسطيني بالتضامن مع العمال المتضررين داعية السلطة إلى تحريم العمل في المستوطنات ووضع خطة لاستيعاب جميع العمال بتوفير فرص العمل لهم. وشددت القوى الوطنية والإسلامية كذلك على ضرورة إنشاء صندوق خاص بدعم العمال، واقترحت بهذا الشأن المساهمة بيوم عمل شهري من جميع موظفي السلطة مدنيين وعسكريين، وإلزام المؤسسات الخاصة والأهلية بتطبيق ذلك على موظفيها، واقترحت هذه القوى أيضا ضرورة التوجه إلى اتحاد العمال العرب لوضع خطة للتبرع لصندوق العمال الفلسطيني، والطلب من منظمة العمل الدولية العمل من أجل تحصيل أجور العمال من شهر أيلول والتي لم يتسلموها حتى الآن، وكذلك دعت القوى الفلسطينية إلى تشكيل لجنة إشراف على الصندوق بمشاركة الوزارات المعنية كوزارات العمل والمالية والأطراف ذات الصلة كاتحاد العمال.
من جهة أخرى تمت مطالبة شركتي الكهرباء والاتصالات ومصلحة المياه بخفض ما نسبته 20% من مستحقاتها المترتبة على المواطنين و 50% عن العمال المتضررين، إضافة إلى شمول التأمين الصحي الكامل للعمال مجانا وإعفاء أبنائهم من رسوم التعليم في الجامعات.
فيما قدمت وزارة العمل مشروع خطة طوارئ لمواجهة البطالة من خلال تشغيل العمال على شكل مجموعات عمل بأجر مقطوع رمزي مقداره 200 دولار شهريا للفرد بالتنسيق مع وزارة العمل، وذلك بتشغيلهم في البيارات وحقول الزيتون وبالتعاون مع وكالة غوث اللاجئين في مشاريع الوكالة، وكذلك في مشاريع المجالس المحلية من خلال تشغيل مجموعات في عمليات الصيانة والترميم لشبكات الري والمياه ومشاريع البنية التحتية، وفي هذا السياق قال د. سعدي الكرنز وزير الصناعة أن الشعب الفلسطيني وقيادته السياسية يدركان تماما أن المعركة شرسة والحصار الذي فرض على الشعب الفلسطيني لم يحصل مثله من قبل، مما أدى إلى زيادة معدلات البطالة من 10.5% إلى 45% مقدرا الخسائر الناجمة عن الإغلاق بنحو 560 مليون دولار أميركي منذ بدء الانتفاضة، أما وزير العمل الفلسطيني رفيق النتشة فقال لـ"البوابة" بأن الحصار الإسرائيلي خلف حوالي 120 ألف عامل عاطلين عن العمل داخل الخط الأخضر، وهذه مشكلة كبيرة. وأضاف أن الوزارة تبحث جديا عن إمكانية مساعدة العاطلين عن العمل، إذ قدمت دراسة كاملة إلى المجلس الوزاري، تضمنت الدعوة لتشكيل لجنة وزارية، واعتماد صندوق لرعاية العمال يمول من المساعدات التي تقدم للشعب الفلسطيني، وطالبت الدراسة كذلك بتقديم مساعدات عاجلة قيمتها 200 دولار لكل عامل.
وأضاف الوزير بأنه تلقى دعوة من د. عصمت عبد المجيد الأمين العام لجامعة الدول العربية تفيد بموافقة الجامعة على عقد اجتماع طارئ لوزراء العمل العرب لدعم ومساندة العمال الفلسطينيين على ضوء قرارات مؤتمر القمة العربي، مشيرا إلى أن هذا الاجتماع قد جاءت الموافقة عليه بالتنسيق مع مدير عام منظمة العمل العربية، والذي من المقرر عقده يوم 22 من الشهر الجاري في مقر الجامعة العربية.
وذكر النتشة أن جدول أعمال هذا المؤتمر سيركز على وسائل دعم العمال الفلسطينيين والطلب من الدول العربية إعطاء الأولوية للعمالة الفلسطينية، خصوصا الدول التي تستخدم العمالة الأجنبية، إضافة إلى الطلب بضرورة إنشاء مراكز تدريب مهني للمعاقين والمتضررين.
وعلى صعيد آخر فقد وجهت اللجنة الخاصة بمتابعة قضية العمال المنبثقة عن القوى الوطنية مذكرة إلى الرئيس ياسر عرفات وأعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ومجلس الوزراء دعت إلى أن "نتقاسم لقمة العيش، ونواصل انتفاضة الحرية والاستقلال" وطالبت بوضع مبالغ المستحقات المستقطعة من العمال، والتي حولت من إسرائيل إلى السلطة في صندوق العمال، وإصدار دمغة بقيمة شيكل على جميع المعاملات الرسمية تخصص للصندوق، وفتح حساب خاص بالصندوق لتلقي الإعانات والتبرعات الشعبية من النقابات الصديقة والدولية، والطلب من القطاع الخاص عدم تسريح العمال، والطلب من وكالة الغوث الدولية زيادة تطوير خدماتها ووضع خطة للتشغيل.
كما طالبت المذكرة أيضا بإعادة النظر في أولويات الموازنة، وإلغاء كافة الامتيازات ومظاهر التسيب، وهدر المال العام لصالح الاستثمار.
وقد اكتظت وزارة العمل بآلاف العمال لتسجيل أسمائهم في سجلات الوزارة، وذلك في إطار عملية مسح لعدد العمال العاطلين عن العمل في كشوف خاصة، ليتسنى بالتالي توثيقها وتقديمها للجهات المختصة، لتسهيل تقديم المعونات، وتوفير فرص العمل في إطار الخطط المقترحة.
وفي لقاء مع العامل إبراهيم محمد الحوامدة قال بأن الظروف المعيشية أصبحت بالنسبة له ولأسرته صعبة للغاية، حيث أنه لم يقم بأي عمل منذ أربعين يوما، وهو لا يتمكن حتى من شراء مستلزمات الحد الأدنى لأسرته المكونة من عشرة أفراد، ويأمل من وزارة العمل أن تقوم بتوفير فرصة عمل له، وهو على استعداد للقيام بأي عمل مهما كان نوعه وبمقابل ما يسد رمقه فقط، مضيفا بأنه يتفهم الوضع الحالي، وأنه سيصمد في وجه الضغوط الإسرائيلية على شعبنا أسوة بإخوانه العمال. أما العامل تيسير فتحي حمد من قرية بتين فقال: إننا نشارك في الانتفاضة، ونعمل الآن في قطف الزيتون، وقد بدأت تضيق علينا الأحوال المعيشية. كلي أمل أن تفي وزارة العمل بوعودها في تأمين فرص عمل لنا، حيث أننا بحاجة إلى العمل، وليس إلى صدقات، وإذا تعذر ذلك، فلا نطلب أكثر من لقمة العيش لسد رمق العيال، وإننا سنستمر بالانتفاضة حتى نحرر أرضنا ونقيم دولتنا.