أشار الباحث والمفكر العراقي فاروق يوسف إلى أن الحصار المفروض على العراقيين بحجة الانتقام من النظام الحاكم وتأديبه أخفى حقائق كثيرة، ومنها تلك التي تتعلق بنشر الكتاب وحركة تداوله.
ويرى يوسف أن النظر داخل السلة العراقية أصبح أمرا صعبا، لا بسبب ما يدل عليه من تدهور أخلاقي عالمي فقط، بل لتداخل معطيات ومظاهر الحياة بشكل تصعب معه إمكانية معرفة تاريخ أية ظاهرة بثقة أيضا. وأن حركة الحياة العراقية في ظل الحصار أصبحت كلا غامضا ومعقدا يؤدي، الى متاهة لا يمكن تعقب دروبها.
وأشار يوسف في شهادة عن "الكتاب العراقي" نشرتها صحيفة "الاتحاد" الإماراتية إلى أن مقاومة الضياع هي حديث دعاية أو دعابة سوداء ليس إلا. حيث ثمة ضياع فالت وضياع مقيم، وما بينهما تتكدس الخسائر وتتنوع أشكال التضحيات. وأكد أن الكتاب كونه قد شكل في مراحل متعاقبة من الحياة العراقية لازمة عيش وليس علامة ترف نخبوي، يعيش هذا الضياع بعمق استثنائي.
ويرى يوسف أن الكتاب العراقيين ضائعون حسب ما تقتضيه أماكن ضياعهم، وأن ثقافة الشتات العراقي صارت اليوم واحدة من أهم حقائق التشظي العراقي، بحيث صار الكتاب يؤدي وظيفة إضافية هي التعريف بالوجود." كمن يتحسس جسده ليتأكد من انه ما زال حيا فإن العراقيين اليوم يصنعون وجودهم الافتراضي من خلال الكتاب".
ويشير يوسف إلى أن الكتاب هو عنصر وحدة، وناقوس حنين وأنه لهذا السبب ليس غريبا ان تكون سنوات الحصار التسع الماضية قد شهدت اتساعا أفقيا عجيبا في حركة نشر الكتب والمجلات الأدبية العراقية داخل العراق وخارجه.
ويضيف أن النداء الروحي الذي يكثف الكتاب عناصر بنيته المتنافرة في معظم أجزائها، لا يخلو من تعبير عن حساسية مشهد ثقافي تقطعت أوصاله، وصار يدافع بالكتاب عن وحدته المفترضة.
وأوضح يوسف أن الكتاب العراقي اليوم يعبر عن معنيين متلازمين هما معنى الحياة ومعنى الثقافة، وكلاهما قد تعرض للهدم والانهيار والعصف الذي لا يزال مدويا. وأكد أن الكتاب قام بمساعدة المثقف العراقي، مبدعا وقارئا، على الفرار من لحظة يأس معتمة لذلك فإن اتساع فرص نشر الكتاب العراقي بجهود المبدعين أنفسهم لا يدل على ازدهار في حركة النشر إلا في حدود زمن مقيد بظرف استثنائي، وهو بالمقابل يؤشر إلى حقيقة كون المثقف العراقي قد اكتسب الآن فقط خبرة الحرية، وهنا يكمن اعظم مكسب لم يكن تحققه ممكنا لولا وقوع الكارثة، وتساءل: هل كان الخراب ضروريا الى هذه الدرجة؟وأجاب بنعم. مؤكدا أن هذه النعم هي بقسوة ما حدث.
وأكد أن الوضع الثقافي في العراق كان اشد التباسا مما هو عليه اليوم، لا على العراقيين الذين حرموا لعقود ولأسباب كثيرة نعمة الاطلاع على تجربة الآخر الثقافية عن قرب فقط، بل وعلى المثقفين العرب، وصنف يوسف هؤلاء نوعين هما، اليائسون والمرتزقة وأضاف أنه في ظلال هذا التعتيم المزدوج نشأت أسطورة الكتاب العراقي التي لم تكن تخلو من عناصر بناء حقيقية، تلك الأسطورة التي استندت على مبدأين، ثراء مادة الكتاب ورخص ثمنه، وهي معادلة صعبة لم يصل إليها الكتاب في الوطن العربي إلا في مصر أيام حكم الرئيس عبد الناصر.
وأشار إلى أن انهيار هذه الأسطورة كان لأسباب خارجية، ولكونها أقيمت على بناء داخلي هش. واعتبر يوسف هذه الأسطورة في حقيقتها جزءا من أسلوب دعائي وجد ضالته في الكتاب، ليقدم من خلاله صورة مثالية عن الدولة التي ترعى الثقافة. في حين كان المثقف العربي لا يدخل ضمن اهتمامات هذه الدولة، وهذا ما لم يكن يعرفه المثقفون العرب ولا يعترفون به، بل كانوا يعتبرون الحديث عنه نوعا من الدعاية المضادة.
وتحدث يوسف عن احتكار الدولة الشامل لكل ما يتعلق بالكتاب اختياره ونشره واستيراده توزيعه.وأضاف أن هذا الاحتكار كان ينطوي على نوع صارم من الرقابة، إذ لم تكتف المؤسسة الرسمية بأسلوبها الانتقائي القائم على شروط وضعية متغيرة وغامضة فقط، بل وضعت البريد تحت عينها الساهرة. بحجة أن الشعب لم يصل بعد إلى مرحلة الحصانة الفكرية والأخلاقية والسياسية التي تؤهله للوقوف بصلابة أمام آلة الدعاية الأجنبية المغرضة.
واعتبر يوسف أن المثقف العراقي، بسبب الحرب والحصار ولكل ما سبق من أسباب، وجد نفسه في لحظة عري كامل وكانت فكرة الحرية كفعل، جديدة عليه ووجد أن عليه تقع مسؤولية تاريخية خالصة، إما ان يفشل الادعاءات التي تقول بعدم استعداده لخوض غمار الحرية، أو أن يعترف بان عبوديته كانت قدره المناسب وأضاف:"كما أرى اليوم وبعد حوالي عشر سنوات على وقوع الكارثة فإن المثقف العراقي قد انتصر لحريته".
وأوضح يوسف أنه في الداخل المحاصر لجأ المبدع الى البحث عن أساليب جديدة لنشر نتاجه، فتوالى صدور الكتب الشعرية بطريقة الحفر الطباعي من خلال الزنك أو الشاشة الحريرية، وصار الشاعر العراقي الشاب يروي حكاية حريته المزدوجة، شعره الذي لم يعد مراقبا وكتابه المطبوع بجهوده الشخصية الفقيرة. وأشار إلى أن هذا الإنجاز الإعجازي، الذي يبدو تقنيا من الخارج، قد أدى الى ان يدخل الشعر الحديث في العراق مرحلة قطيعة جديدة. وأضاف أن العالم الذي انفتح فجأة أمام مثقفي الخارج، وضعهم في قلب الحرية، فسارعوا الى تأسيس دور نشر خاصة بهم وصارت كتبهم ومجلاتهم الأدبية تتنقل بين القارات، ناقلة معها حنينها الى الوطن.
وختم يوسف بقوله:" لا الشعر الرديء، ولا حكايات القهر، ولا يوميات التشرد، ولا الإستعادات المؤسية لما مر به العراق طوال العقود السابقة، هو ما يحثنا على التفاؤل، فما زال المثقف العراقي يعيش صدمة الحرية، بل ان ما يدفعنا الى الشعور بالتفاؤل يكمن في ان العراقيين ولأول مرة في تاريخهم الحديث قد اهتدوا الى الكتاب وهو في حالته الطبيعية، حرا ومستقلا" - -(البوابة)