الاحتباس الحراري

تاريخ النشر: 05 أغسطس 2008 - 07:16 GMT

باهر النابلسي

أخاف من ركوب الطائرة، لا تسألوني لماذا، فأن مجرد علمي أنني معلق بين السماء والأرض، في أنبوبة معدنية أسمها طائرة، تسير بسرعة تسعمئة كيلومتر في الساعة، كافياً لأن تدب الرعشة في أوصالي، وهي رعشة لا تتوقف إلا عندما أشعر بعجلات الطائرة وقد دقت الأرض معلنة عودتي سالماً إلى حيث يجب أن أكون، على سطح الأرض، ولكن أحياناً تجلس بجاني إنسانة رقيقة، أو خفيفة الظل، تخفف من عناء الطريق، أو على الأقل جميلة، فأنشغل عن الرحلة بمحاولة تدبير الحيل والألاعيب حتى أنظر إلى وجهها الجميل، فتارة أضع جانب رأسي على الكرسي أمامي، موجهاً عينين نصف مغمضتين نحوها، أو أتظاهر بالبحث عن المضيفات، أو أضيع حزام الأمان على الكرسي الذي تجلس عليه، وهكذا حتى نصل، وتكون هي قد لعنت الساعة التي جلست فيها على هذا المقعد.

غير أن هذه المرة كانت مختلفة تماماً، فبعد أن صعدنا الطائرة واستقر جميع الركاب في أماكنهم، وحسبت أن الكرسي بجانبي سيبقى خالياً طوال الطريق، أحسست بدبيب ثقيل على أرض الطائرة، لا شك أن جميع الركاب أحسوا به كما فعلت، إلا أنهم ليسوا فضوليين مثلي ليلتفتوا بحثاً عن السبب، وكان السبب امرأة من الوزن الثقيل، تتهادى بطء، بينما تقضم سندويتشاً في يدها، فيخال للمرء أنها قد نسيت أن تتوقف عن الأكل منذ السنة الماضي، وقلت في نفسي أي كرسي سيتسع لها، أعان الله من ستجلس بجانبه، وفجأة وجدتها تلقي بثقلها علي، محاولة الجلوس على الكرسي بجانبي، إذن فهو كرسيها، قلصت نفسي قدر الإمكان في زاوية المكان، إلا أن هذا لم يكن كافياً لكي تستطيع الدخول في حيز المقعد، فبدأت تضغط نفسها إلى الأسفل، وباتجاهي، حتى أحسست أنني سأخرج من بطن الطائرة مقذوفاً إلى الخارج، وقد استطاعت في النهاية أن تستقر، في الوقت الذي بدأت فيه أنا بمعاناة احتباس حراري لا ينفع فيه علماء، ولا اتفاقية كيوتو ولا بان كي مون، فقد ظلت طوال الطريق تأخذ بثارات من سبقنها للجلوس بجانبي.