تؤكد الأنباء والتقارير والتحليلات أن رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون يسعى من خلال الهجوم الذي يشنه على الأراضي الفلسطينية إلى إعادة العمل بنظام "الإدارة المدنية" وهو ما يعني فعليا إلغاء اتفاقات أوسلو الموقعة عام 1993 بين حزب العمل والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات. وبالتالي إلغاء كافة نتائجها وتحديدا السلطة الوطنية الفلسطينية.
فما هي "الإدارة المدنية"
بقيت الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 طيلة السنوات التي حكم فيها حزب العمل الإسرائيلي خاضعة لما كان يعرف بـ"الحاكم العسكري". بيد أن الانقلاب اليميني الذي شهدته إسرائيل عام 1977 وتمثل في تسلم الليكود اليمني مقاليد الحكم في البلاد دفع برئيس الوزراء الإسرائيلي في حينه مناحيم بيغن إلى محاولة البحث عن صيغة "تجميلية" من شأنها تكريس واقع الاحتلال الإسرائيلي تمهيدا لضم هذه الأراضي إلى إسرائيل وتخفيف حدة الانتقادات والضغوط الدولية.
وقام بيغين في حينه بجمع كبار مستشاريه وعددا كبيرا من الخبراء والأكاديميين للتباحث في الوسائل الكفيلة التي تسهل عملية الضم مستقبلا، خشية من ردود فعل عنيفة قد تحدثها أي عملية ضم قسرية سيما وأن بيغن كان يخوض مفاوضات مع الرئيس المصري الراحل أنور السادات انتهت بتوقيع معاهدة كامب ديفيد.
وقد أشار الخبراء والمستشرقون على بيغن بالقيام بخطوات تعمل على تطبيع الاحتلال وإخفاء صورة الحكم العسكري خلف مسمى أكثر لطفاً، بحيث يخرج التعامل بين الفلسطينيين والحكم العسكري الإسرائيلي من نطاق الإجراءات الأمنية المعهودة.
وبالفعل فقد قام أرييل شارون عام 1981 الذي كان وزيرا للدفاع، بالإعلان عن إقامة الإدارة المدنية لتكون الواجهة التي يختفي خلفها الحكم العسكري بالرغم من أن جميع كوادر الإدارة المدنية هم من الضباط والجنود الإسرائيليين.
وكان أول رئيس للإدارة المدنية البروفيسور مناحيم مسلون وهو مستشرق وخبير بالشؤون الفلسطينية.
وارتبط إقامة الإدارة المدنية بتشكيل روابط القرى وهي مجموعة من مخاتير ووجهاء فلسطينيين تعاونوا مع الحكم الإسرائيلي، وكان هدف شارون من تشجيع هذه الجماعة الجديدة هو العمل على خلق جسم تمثيلي للفلسطينيين بديل عن منظمة التحرير الفلسطينية، وقد عملت الإدارة المدنية على إفساح المجال أمام أعضاء روابط القرى للعمل والحركة في كافة أنحاء المناطق الفلسطينية، وقد كانت تعليمات شارون واضحة وصريحة وهي إعطاء كل التسهيلات لروابط القرى من أجل تسهيل مهامها، لكن تجربة هذه الروابط لقيت فشلاً ذريعاً، حيث نظر الفلسطينيون إلى أعضائها كعملاء لإسرائيل. إلا أن هذا الفشل لم يحل دون مواصلة الإدارة المدنية محاولة تحقيق أهدافها، والتي يمكن إجمالها في مجالين:
أولا: إتمام تجسيد الواقع الاحتلالي تمهيداً للضم الكامل، وهنا جاءت الإدارة المدنية لتحقيق غرض سياسي للائتلاف اليميني الحاكم.
ثانياً: فتح قنوات اتصالات مباشرة مع الجماهير الفلسطينية عبر جلسات الحوار واللقاءات المكثفة مع رموز المجتمع الفلسطيني عن طريق مناقشة المشاكل اليومية الحياتية للشارع الفلسطيني، وقد لعب ضباط الإدارة المدنية كحلقة وصل بين الشخصيات الفلسطينية والمستوى السياسي الإسرائيلي ، وقد نظمت الإدارة المدنية عدة لقاءات بين إسحاق شامير وعدد من الوجهاء الفلسطينيين وكان الغرض منها البحث عن جسم تمثيلي بديل حتى بعد أن فشلت تجربة روابط القرى.
وقامت الإدارة المدنية في سبيل تسهيل تكريس الاحتلال وعملية الضم بمصادرة عشرات الآلاف من الدونمات في الضفة الغربية وقطاع غزة لإقامة مستوطنات جديدة ، حيث شهد مولد الإدارة المدنية انبعاث حركة استيطانية شاملة عملا بسياسة حكومات اليمين التي لم تكن تفرق بين ما يعرف بـ المستوطنات السياسية والمستوطنات العسكرية، إلى جانب ذلك مصادرة أراض بغرض إقامة طرق التفافية وبنية تحتية لتلك المستوطنات.
وقامت الإدارة المدنية بمحاولات حثيثة لوقف النمو الديموغرافي والتوسع الجيوغرافي للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة وذلك عن طريق هدم البيوت حيث كانت سلطة البناء والتنظيم التابعة للإدارة المدنية تقوم بهدم مئات المنازل في كل عام.
كما أسهمت الإدارة المدنية بدور كبير في عمليات تجنيد العملاء حيث يربط ضباط الإدارة المدنية بين الخدمات المقدمة للجمهور الفلسطيني وبين العمل لصالح جهاز المخابرات، فمثلا الحصول على تراخيص عمل أو زيارة أو لم شمل العائلات غالبا يتم استغلالها للمساومة، كما أن الإدارة المدنية فرضت في فترة من الفترات إتاوات على بعض الذين يتلقون خدماتها، فمثلا إذا تقدم أحد الفلسطينيين في المهجر بطلب لم شمل فإن ضباط الإدارة المدنية لا يترددون في إلزامه بالتبرع للقيام بمشروع الأصل أن يتم تمويله من ميزانية الإدارة المدنية لأنها تقوم بجمع الضرائب وبشكل باهظ، وكذلك يساهم قسم الشؤون العربية في الإدارة المدنية بقسم أبحاث تنقل للمخابرات الإسرائيلية، حيث يتم رصد توجهات الرأي العام الفلسطيني أولا بأول وعلى أساسها يتم حسم السياسات للتعامل مع الجمهور الفلسطيني—(البوابة)—(مصادر متعددة)