إبراهيم غوشة.. والشعب الفلسطيني المحتار

تاريخ النشر: 18 يونيو 2001 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

محمد عمر 

يجلس الفلسطيني إبراهيم غوشة في قاعة الترانزيت في مطار الملكة علياء في العاصمة الأردنية عمان، بانتظار الفرج، وفي الانتظار تتحول قصة غوشة إلى لعبة شد سياسية تتنازعها أطراف عديدة وبالطبع "مؤامرة صهيونية" أيضا. 

سواء كان إبراهيم غوشة ناطقا باسم فصيل سياسي فلسطيني أو كان فلسطينيا عاديا فقصته تلخص قصة شعب يحيا منذ أكثر من ثلاثة وخمسين عاما في صحراء التيه العربية. 

"الفلسطيني الطيب هو الفلسطيني الميت" عبارة قالتها رئيسة وزراء إسرائيل السابقة غولدا مائير، ويبدو أن أكثر من جهة عربية صدقتها. 

السلطات الأردنية تحت دواعي عدم تهجير الفلسطينيين تغلق حدودها في لحظة هي أشد لحظات الشعب الفلسطيني حساسية ودقة وخطورة. 

على جسر الملك حسين يحتجز أكثر من 200 فلسطيني لأكثر من 13 ساعة متواصلة لأن السلطات الأردنية تخشى أن يدخل هؤلاء الأردن للإقامة الأبدية. 

في لبنان يقر مجلس النواب قانونا يحرم الفلسطيني من حقه في امتلاك سقف يأويه بحجة منع التوطين، ويحرم على الفلسطيني حتى ترميم منزله المتداعي وتغلق في وجهه أبواب الرزق، ولكن النتيجة يموت الفلسطيني جوعا وبردا أو يختار الهجرة إلى الدانمارك لا إلى القدس. 

في سوريا يمنع كل فلسطيني أو حتى أردني من أصل فلسطيني من دخول قلب العروبة النابض دون إذن مسبق من "الضابطة الفدائية". ودائما تحت دواعي عدم تهجير الفلسطيني. 

في مصر يغادر الفلسطيني حامل الوثيقة المصرية من أجل زيارة أحد الأقارب في دول عربية أخرى، وحين يعود إلى القاهرة يجد الأبواب مغلقة. 

في ليبيا يختار العقيد القذافي طريقة أخرى لحمل الفلسطيني على الصمود فيجمع ما تيسر منهم ويبعدهم إلى الحدود مع مصر التي ترفض السماح بدخولهم فيؤسس الفلسطيني مخيما جديدا هو مخيم "السلوم" ولكن هذه المرة بدون "وكالة غوث" أو "كرت مؤن". 

طالب غزي أنهى دراسته الجامعية في إحدى الدول الاشتراكية سابقا، وحين حاول العودة إلى غزة عن طريق مصر رفضت سلطات الأمن السماح له بالعبور، تنقل الفلسطيني ستة أشهر كاملة بين مطارات العرب حتى سمحت له الجزائر بالإقامة المؤقتة. 

الدول العربية الأخرى ليست أفضل حالا في التعامل مع الفلسطيني تحت دواعي عدم تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه، وكأن الشعب الفلسطيني مجموعة من اللاجئين المؤقتين يحملون خيامهم بحثا عن أرض غير أرضهم. 

لقد نسي العرب أن في فلسطين التاريخية يعيش فلسطينيون هم أكثر عددا وعدة من كل فلسطينيي الشتات، ولا يريد الحاكم العربي أن ينظر إلى طوابير مواطنيه وهي تقف على أبواب السفارات الأميركية والأوروبية واللاتينية والأسترالية وحتى الإسرائيلية بحثا عن تأشيرة سفر أو هجرة. 

قد يكون إبراهيم غوشة ناطقا باسم فصيل فلسطيني متشدد ولكن قد يكون هذا الأمر من حسن حظه لا من سوء طالعه، فلو كان فلسطينيا عاديا لبقي أشهرا في قاعة الترانزيت دون أن يسمع به أحد. 

قد تكون قصة غوشة قصة سياسية، خلفها "مؤامرة صهيونية لإحراج الأردن"، أو قد تكون "مؤامرة صهيونية لتخريب العلاقات العربية العربية"، وقد تكون أيضا "مؤامرة صهيونية لتقليص دور قطر في المنطقة، خاصة بعد تدخلها في قضية الانتفاضة، وقضية السودان – الترابي، وقضية النزاع الإماراتي الإيراني"، وقد تكون أيضا وسيلة لإلهاء الرأي العام عن الانتفاضة، ولفت الأنظار عنها، كما أفعل أنا في مقالتي، ولكن لو اختار غوشة أن يتخلى غدا عن كل مناصبه السياسية وتوجه إلى زيارة دولة عربية لأقام في مطارها أكثر مما أقام عسيب، فلقد انكشف الغطاء وعرفت جنسيته الحقيقية، ولن يغامر بالتفكير في السفر إلى أي دولة "بدون إذن الضابطة الفدائية" 

وبالمناسبة في العراق أيضا ضابطة فدائية لضبط دخول الفلسطيني وعدم تهجيره.