أسبوع لأفلام داوود عبد السيد في عمان

تاريخ النشر: 16 سبتمبر 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

يحتل المخرج المصري داوود عبد السيد مكانة لائقة وسط أقرانه من صناع السينما المصرية الجديدة غير المعلنة وهو الذي تجاوزت أعماله الحارة والمصنع والأفكار المباشرة عن الصراع الاجتماعي، كما في فيلم "الصعاليك" 1985 و "البحث عن سيد مرزوق" 1990 و "الكيت كات" 1991 و "ارض الأحلام" 1993 و "سارق الفرح" 1995، وفيلمه العذب الأخير "أرض الخوف" وقد تحرر في هذه الأفلام من طريقة السرد الدارجة في مثيلاتها في السينما المصرية وفق التصاعد التدريجي بالأحداث، ووجد في عنصر الفانتازيا الذي جربه ملاذا للتعبير عن واقعية الرؤية الفنية وليس واقعية الوصف الخارجي. 

وجاء في صحيفة "الرأي" الأردنية اليوم أن داوود عبد السيد سيزور الأردن غدا الأحد لحضور الأسبوع الخاص بأعماله والتي سيعرض عدد منها بوجوده. 

وكان قد كشف في أول أعماله الروائية الطويلة "الصعاليك" عن مولد سينمائي جديد يلتزم بقضايا الإنسان المعاصر ومثابرته الدؤوبة في محاولته التأقلم مع عالم مجبول بالمشكلات والعوائق ومحاولته لتغييره إلى واقع أفضل بأقل الخسائر. 

وبرز فيلم "الصعاليك" كعمل فني متكامل على نحو يندر في السينما المصرية وشكل حافزاً للعديد من زملائه السينمائيين الشباب (آنذاك) بالسير على خطاه في أعمال كونت فيما بعد تيارا غير معلن في السينما المصرية الجديدة بعد أن صار تيار السينما الواقعية الجديدة الذي ظهر في أواخر حقبة الستينات من القرن المنصرم.  

في العام 1991 يقدم داوود عبد السيد في فيلمه "الكيت كات" المأخوذ عن رواية أدبية للكاتب المصري إبراهيم اصلان المعنونة "مالك الحزين" قصيدة سينمائية آسرة مليئة بالرهافة والرقة والعذوبة المغلفة بالبهجة والشجن بالضحك والبكاء ومرثية للأحلام الصغيرة للبسطاء الذين يعجزون عن تحقيق متع الحياة لعدم توافر الشروط الإنسانية للحياة أو التي نالت منهم حاسة من حواسهم كما هو لدى بطل الفيلم محمود عبد العزيز الأعمى الذي يعيش حياته على اتساعها ويغرف من متعها دون أن يأبه لتبعات ممارساته في عرف المحيطين به. 

مع فيلمه "ارض الأحلام" 1993 يبدأ داوود عبد السيد مرحلة مختلفة عن أحلامه الثلاثة الأولى ولا يعني ذلك أنها مرحلة جديدة ذلك أنها بشكل أو بآخر امتداد لرؤيته لواقع عالمه الفسيح. 

لا ينتمي "ارض الأحلام" إلى الكوميديا المباشرة ولا هو بالكوميديا الساخرة تماماً بل يجد نوعه ما بين الاثنين ويعمل على تكديس مواقف لا تنتهي من الاحباطات والصدمات، وخيبات الأمل وصولاً إلى نهاية تزيد الوضع غموضاً وحيرة. 

 

يعود عبد السيد في فيلمه "سارق الفرح" 1995 إلى أجوائه الأثيرة وعوالم البسطاء والهامشيين أكثر مما يهتم بالحبكة الدرامية وتعقيداتها ويرسم ملامح لأبطال قادمين من الحارات الشعبية يملؤهم ضجيج الحياة بالفرح والمرح المطعم بسخرية مريرة من قبح ومأساوية مصائرهم ويضمن أحداثه لحظات من الاستعراض والغناء والرقص وإبراز الطقوس للغيبيات الخرافية، من خلال تقديمه لرؤية سينمائية مستمدة عن قصة قصيرة للأديب خيري الشلبي غير أن داوود عبد السيد ترك لنفسه العنان في إضافة ما يراه من شخصيات لا وجود لها بالطبع داخل القصة الأصلية إلى جانب إدخاله ملامح شخصيات لها وجود بالقصة بغية إبرازها درامياً.  

و"سارق الفرح" يعد مغامرة إنتاجية كبيرة للمخرج وهو نوع من التأمل السينمائي الرصين والشاعري لعالم هؤلاء الفقراء من دون شعارات وبعيداً عن النغمة الميلودرامية الزاعقة، فهؤلاء الذين يندفعون وراء أحلامهم الصغيرة والمشروعة يسرقون الحب ويختطفون لحظات الفرح الصغيرة وينتهون نهاية مأساوية لا يستحقونها في معظم الأحوال. 

وقبل أن يطوي القرن العشرين أيامه الأخيرة حقق داوود عبد السيد تحفته السينمائية "ارض الخوف" 1999 وموضوعه يتكئ على شخصيات محدودة وأمكنة تسري فيها الأحداث متشعبة ومتعددة ويبدو بطله أحمد زكي راو لأحداث وتتداخل فيه الأزمنة لفترات متنقلة ما بين الماضي القريب ونهاية الستينات مروراً بعقد السبعينات وانتهاء بالثمانينات ومن الممكن وصف العمل بالحالة الذهنية أكثر منه بوصف أحداثه والتي تخفي داخلها تنظيماً دقيقاً لمسرى وأجواء أحداثه الرئيسية. 

فيلم "ارض الخوف" ليس فيلماً عن المجتمع بقدر ما هو عن الفرد وعن الرجل المختلف عن الآخرين والذي يكشف لنا في البداية انه رجل غريب الأطوار والنزعة إلا أننا سرعان ما نكتشف أنه اكثر الجميع طبيعية، وأن الآخرين هم غرباء السلوك حين يرصد الجزء الأخير من الفيلم تدهور الشخصية المحورية حيث يعيش أحمد زكي متخفياً عن الجميع بعد أن يتخلى عنه رجال العصابات ورجال الشرطة الذين عاش بينهم ويتبين له أن حياته قد ضاعت هباء وأنه خسر عمله إلى الأبد وصار مطلوبا إلى جانب فشله الأسرى في الحب والزواج. 

باختصار إننا في فيلم "ارض الخوف" أمام رائعة سينمائية راقية قلما تجود بها السينما المصرية والسينما العربية على السواء_(البوابة)