أحلام مستغانمي: لا علاقة لسعدي يوسف بذاكرة الجسد

تاريخ النشر: 24 يونيو 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

نفت الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي ضمن مداخلة ألقتها في ندوة "المرأة والكتابة" في مهرجان الرباط الثقافي ما تناقلته بعض الصحف حول روايتها ذاكرة الجسد، حيث ادعى أحد الصحفيين أن الشاعر العراقي سعدي يوسف أسر له بأنه كاتب هذه الرواية، وقالت مستغانمي في معرض ردها: 

"منذ أيام فاجأتنا إحدى الصحف بمقال مكتوب بكثير من اللؤم المهندس والسم المنهجي لصحفي مغمور تحت عنوان سرقات أدبية: هل يختفي سعدي يوسف تحت قلم أحلام؟. 

ووصفت مستغانمي هذا المقال بأنه مليء بزيف الفجيعة والتباكي والحسرة، حيث يعتبر فيه صاحبه أن آلاف القراء الذين استمتعوا بهذه الرواية راحوا ضحية سرقة أدبية، مدعيا أن الشاعر العراقي سعدي يوسف أعلن في إحدى السهرات صدفة،انه الكاتب الحقيقي لرواية ذاكرة الجسد.  

وعزت أحلام عدم ردها على ما كتبه الصحافي بأن قناعاتها كانت دائماً تقضي بأن لا تجادل أحمق أو جاهلاً، "فلن يعرف الناس الفرق بينكما". وأضافت أحلام أنها اتصلت بالشاعر يوسف لتسمع منه الحقيقة وقالت أنها صدّقت سعدي يوسف، في كون هذه الزوبعة التي في ظاهرها أدبية وفي باطنها سياسية تحمل في ثناياها تقنية جديدة لتحطيم هذا المعارض أخلاقياً وإنسانياً حتى تتسنى تصفية مصداقيته كإنسان وكسياسي وكشاعر من أجل منعه من لعب أي دور سياسي قادم.  

وقالت بأن سعدي يوسف، نفى كل ما جاء في ذلك المقال، وأنه كذّبه في مقابلة أجرتها مع جريدة الحياة. 

وأشارت مستغانمي إلى أن ثمة أفكاراً مسبقة لدى الرجال، بكون المرأة لا يمكن أن تبدع، فإذا ما أبدعت ينتظرون أول من يزرع الريبة، ويشكك في مصداقيتها، وأضافت أنه كأن البعض عند صدور ذاكرة الجسد كان غير مصدق أن بإمكان جزائرية أن تتفوق على الكثيرين في الكتابة باللغة العربية ، واستشهدت مستغانمي بمقطع من مقالة ذلك الصحافي الذي تساءل فيه "من أين أتت هذه الكاتبة التي استحوذت على الأضواء؟".  

واستنتجت مستغانمي أن المسألة ليست مسألة ذاكرة الجسد ولا القضية قضية كونها أحلام مستغانمي، وإنما هي كوننا ننتمي إلى مجتمع عربي ذكوري يرفض الأنثى ويحتقر النساء، حتى أنه ما ظهرت كاتبة أو شاعرة عربية إلا وجاء من يقول إن ثمة حتماً رجلاً يكتب لها، وهو ما لم نسمع أنه قيل حتى الآن عن رجل ولا أنه قيل عن كاتبة تكتب في مجتمع آخر غير المجتمع العربي.  

ووصفت مستغانمي الذهنية التي تجعل من شاعرين في مستوى نزار قباني وسعدي يوسف يتعاركان دون علمهما على رواية تنسبها الصحافة كل مرة لأحد منهما بأنها ذهنية مريضة تحتاج إلى الرثاء والشفقة أكثر من الشكوى والمبارزة.  

وقالت مستغانمي خلال الندوة المقامة حول الأدب النسائي"لا تتوقعوا أن أقضي بقية عمري في نش الذباب". وأضافت بأن الكاتب لا يرد بمقال بل بكتاب آخر.  

وأكدت أن الكتاب لا يكتبون الكتب ليقضوا حياتهم في الدفاع عنها، بل لتدافع هي عنهم.  

وأشارت إلى أن تاريخ تطاول الصحافيين الأقزام على المبدعين العرب طاعن في القدم، ضالع في التجني.  

وأضافت بأن هؤلاء الصحفيين أخطأوا هذه المرة·، فليس أمامهم أنثى مذعورة تخاف من كل شيء، وعلى كل شيء.. ولا تملك إلا أن تقر في خبائها مهانة وهي من الشاكرين.  

وترى مستغانمي أنه لا شرف لكاتبٍ أو كاتبة خارج شرف القلم. وأن كل ما يحدث لكاتب بسبب كتاب.. جميل، وقالت أن الكاتب بسبب كتاب يمكن أن يحَب ويمكن أن يكرَه، ويمكن أن يسجَن ويمكن أن يكرَّم، وأضافت أنه في جميع هذه الحالات، عليه أن يتذكر أنه كاتب دون إضافات،" فأن تكون كاتباً يعني أن تكون على استعداد لأن يحدث لك أي أمر من كل هذا مقابل حفنة من الكلمات"!.  

نص كلمة مستغانمي: 

وفيما يلي نص المداخلة التي قدمتها أحلام مستغانمي في ندوة المرأة والكتابة في مهرجان الرباط الثقافي، وخصت بها جريدة"الاتحاد" الإماراتية: 

 

كم تأخر هذا الموعد.. كل هذا الحب، كل هذا الترقب، وأنا واقفة على حافة الأضداد، كسيف ليس من حقه أن يخلف غمده.  

خفت إن أنا أخلفت موعدي مع المغرب أن يشحذ الوقت خنجر الشوق فيؤلمني الغياب عنكم.  

لماذا إذن إدماني الحضور بينكم؟·  

ألأنني منذ عشر سنوات يوم زرت المغرب آخر مرة، لم أكن أحتاج إلى تأشيرة دخول إلى وطن هو مسقط قلبي، وأنني اليوم يلزمني مبرر منطقي وكثير من الاستمارات والأوراق الثبوتية والصور الشمسية، ليكون لي حق التجول في أزقة القلب المشرعة لسياحٍ ليس في جيوبهم من الحب لكم أكثر مما في قلبي.  

أفي غيبتي تواضعت أحلامنا المغاربية إلى هذا الحد؟ جئتكم إذن بذريعة الأدب. لا لمعاتبتكم ولا لرفع العتب·  

لقد اكتشف نزار قباني قبلي أن العروبة لعنة وعقاب، فاعذروا تعب عروبتي، أنا الجزائرية القادمة إليكم من لبنان، بجواز سفر فرنسي. فالكاتب العربي، يأتي اليوم من حيث لا نتوقعه، من بلاد أصبحت مصادفة وطنه، مشهراً جواز سفره الأجنبي درعاً في وجه الشبهات. ولذا، عندما يصل أينما وصل، شيء ما يؤلمه، حتى ليكاد يجهش بالبكاء.  

كم أخلفت من المواعيد الأدبية مع المدن العربية، خوف أن يصبح حزني مشروعاً سياحياً، ووجاهة أعيشها باسم الأدب، على حساب رفاق صمتوا وانطفأت أقلامهم إلى الأبد.  

هذا الضوء لا يخدعني، لقد وجدت نفسي في الصفوف الأمامية بعد أن مات من هم أكثر مني أهمية.  

عندما تكون كاتباً جزائرياً، كيف لك أن تجلس لتكتب شيئاً في أي موضوع كان، دون أن تسند ظهرك إلى قبر.  

في زمن العنف العبثي، والموت العدمي، أنت تتعلم التواضع من قبور الآخرين، وتتعلم احترام عتمة الغائبين، وتخاف أن تسرق ضوءهم دون قصد، داخلاً مع كلّ موت في حالة صمت. حتى تكاد تصدق أن في صمت الكاتب عنفاً أيضاً.  

أوقتها اكتسبت تلك الفضيلة التي سيستفيد منها أعداؤك بإصرارك على مواجهة حقارة المثرثرين وإرهابهم··· بعنف صمتك.  

منذ عشر سنوات إذن، زرت المغرب للمرة الأخيرة للمشاركة في مهرجان شعري نسائي أقيم في فاس، كان وجودي آنذاك في خانة الشاعرات، خيانة من خياناتي الكثيرة للشعر.  

لكنني افترضت يومها انها خيانتي الأجمل، وأن الشعر سيغفرها لي، لأنني لم أكن حضرت لأثبت شاعريتي لأحد، ولكن لأثبت، في حدود موهبتي، أن الجزائر التي تعيشون بمحاذاة جرحها مازالت واقفة، وأن الشعر عندنا مازال على قيد الحياة، لا لكثرة شعرائنا، ولا لجودة إنتاجهم، ولكن لأنهم بإصرارهم على الكتابة أو بموتهم في لحظة إصرار أعادوا إلى الشعر وجاهته، وإلى لقب شاعر هيبته وسطوته الأولى.  

أعود إليكم متنكرة في زي روائية. وربما لا أكون قد خُنتُ هذه المرة سوى نفسي، ذلك أنه في كل ضوء خيانة للكتابة وانزلاق تدريجي نحو غرور مهيأ له الكاتب فِطرياً مما يجعلهُ يأخذ نفسه مأخذ الجد.. بدلاً أن يأخذ الكتابة مأخذ الجد.  

ليتواضع الكُتّاب قليلاً،من منا بإمكانه اليوم، حتى وهو يحاضر من على منبر كهذا، أن يجزم بأنه أديب حقاً؟.  

وحده الوقت، وأكاد أقول الموت، هو الذي يحكم لكتاباتنا أو عليها، حتى يخيل إليّ أننا نحتاجُ إلى موتنا كي نُدرك إن كنا حقاً كُتّاباً، وكي نرى إذا كانت كُتبنا ستعيشُ بعدنا، عندما لا نعود هنا لنستند إلى ضوضائنا.  

قبل سنة ونصف السنة، يوم حصولي على جائزة نجيب محفوظ عن روايتي ذاكرة الجسد، تلك الجائزة التي يبدو لي أنها أخطأت طريقها إليّ، وكان من المفترض أن تذهب إلى نزار قباني، أو إلى سعدي يوسف، سبق أن قُلتُ في حفل تكريمي المسروق من أحدهما:  

جميل كل ما يحدث لكاتب بسبب كتاب، بسبب كتاب يمكن أن تُحَب ويمكن أن تُكرَه، ويمكن أن تُسجَن ويمكن أن تُكرَّم، ويمكن أن تُغتال ويمكن أن تُشرَّد. ويمكن أيضاً أن تحصل على جائزة لم تتوقعها يوماً، وفي جميع هذه الحالات، عليك أن تتذكر أنك كاتب وكاتب دون إضافات، فأن تكون كاتباً يعني أن تكون على استعداد لأن يحدث لك أي أمر من كل هذا مقابل حفنة من الكلمات!·  

كم من الأشياء حدثت لي بسبب كتاب!·  

اليوم بإمكاني أن أضيف أنه بسبب كتاب، قد تخسر كثيراً من أوهامك، وترى كثيراً من القناعات تتهشم أمامك· فالحياة تستدرجك إلى عداوات أنت غير مستعد لها، وعبثاً تبحث عن أعداء شرفاء، ستقع في فخ معارك لا نُبْل لأصحابها، لأنك لا تدري أن الطريق الى النجاح محفوف بالأحقاد. ولكن لا تهتم، فأنت مدين لهؤلاء بنجاحاتك. فلفرط خسارتك، وبفضلها فقط، أصبحت كاتباً، فالكاتب الكبير يفضّل على المكاسب الصغيرة خسارات في حجم قامته لكونها المادة الأولى لأدبه.  

كلما تقدّمت في الكتابة باللغة العربية، غادرت عمر الوهم ودخلت سن الفاجعة.  

أي أُفّة هذه؟ وأي قدر يتربّص بالكاتب العربي الناجح الذي يقف في مسافة وسطيّة بين القتلة والمرتزقة؟ فهو بالنسبة للأولين متهم بالكتابة، والذين يعادونه، والذين قد يقتلونه، لم يقرؤوه ولم يحاولوا أن يفهموه أو يناقشوه، إنما هم يحاسبونه على اختلافه عنهم لا على اختلافه معهم!.  

أما إذا نجا من هؤلاء، فمرتزقة الصحافة يتربّصون به ويريدون جثته ممددة على صحائفهم الصفراء للتمثيل بها، لا بتهمة الكتابة، هذه المرة، بل بجريمة نجاحه فيها.فالنجاح هو أكبر جرم يرتكبه كاتب عربي اليوم، ذلك أن الإنسان العربي الذي عاش وسط الخرائب وتعاسة الواقع البشع، قد تعوّد على الفشل حتى باتت تؤذيه نجاحات الآخرين في أي ميدان كانت. وكما قال خليل حاوي موجع نبض الدم المحرور في اللحم القديد ولذا يظل يبحثُ لهذه النجاحات عن أسباب خارقة، وقد ينسبها للجن أو للملائكة، لا تكريساً لفكر غيبي يتمنطق به، وإنما تبخيساً لمبدع ينتمي لأبناء جلدته.  

ففي جبّانة الأدب العربي الحديث، أنت لا تجد قبوراً للأعمال الفاشلة فقط، وإنما تعثر على حفر لوأد الإبداعات الجميلة وطمسها، لأننا نستكثر على أنفسنا أي شيء جميل، مثلما يرهب عجائزنا الفرح، وتعتبرنه نذير شؤم.  

لذا، كل ما يؤلمني أن هذه الجاهلية العربية المعاصرة التي تنادت على قتل صغيرتي ذاكرة الجسد عهدت إلى خطف الشاهد من يدي، لتصنع منه وتداً وتستند إليه خيمة منتدى النميمة العربية. فمن يبكي موءودا صوروه ثمرة خطيئة تنسب كل مرة لأب أو لشاعر؟.  

يا لمأساة كاتب يكتب اليوم باللغة العربية، وليس يكسب من هذه اللغة سوى خساراته!·  

وأي قصاص هو قصاص المبدع العربي الذي في زمن هجرة الكثيرين من الكتاب العرب إلى اللغات الأجنبية حيث المجد والكسب السريع والجوائز التي قد يقصر نظرنا عن إدراك غائيّتها، يختار البقاء على قيد العروبة، والكتابة بلغة محفوفة بالمخاطر ومُسيّجة من ناحية بحرّاس الأخلاق والأوصياء على الدين، ومفروشة من ناحية أخرى بألغام المرتزقة بين مزورين يعيشون على تزوير كتبه في عشرات الطبعات، فيصنعون من حاجته ثراءهم، وآخرين بذريعة الصحافة، وتحت جلباب النقد يحترفون، بنوايا سوداء، القرصنة الأدبية والتهتك الأخلاقي، في زمن عربي انتشر فيه وباء فقدان مناعة الحياء.  

منذ أيام فاجأتنا إحدى الصحف بمقال مكتوب بكثير من اللؤم المهندس والسم المنهجي لصحفي مغمور تحت عنوان سرقات أدبية: هل يختفي سعدي يوسف تحت قلم أحلام···؟· وهو مقال مليء بزيف الفجيعة والتباكي والحسرة، يزف فيه صاحبه لآلاف القراء الذين وقعوا حسب تعبيره تحت سطوة هذه الرواية وانبهروا بها مرارة الحقيقة، وهي كونهم جميعهم راحوا ضحية سرقة أدبية، بعد أن بلغه أن الشاعر الكبير سعدي يوسف أعلن في إحدى السهرات صدفة، وفي مقهى ما على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، وبمرارة وحرقة وألم مليء بالعذاب انه الكاتب الحقيقي لرواية ذاكرة الجسد.  

وكعادتي لم أكن لأرد على هذا الموضوع. فقناعاتي كانت دائماً لا تجادل أحمق أو جاهلاً، فلن يعرف الناس الفرق بينكما، لولا ان صاحب هذا المقال تكفل بضمان حملة إشهارية لنفسه بتوزيعه على وكالات الأنباء الصحافية، وكأنه اكتشف لتوه كوكبا غاب عن مرصاد الفلكيين فلم تبق صحيفة عربية إلا وتلقفت هذا الخبر.  

كان يلزمني بعض الوقت لأحصل على هاتف سعدي يوسف وأستفسره الأمر، احتراماً لماضيه النضالي والشعري ولاعتقادي ان مثل هذا الكلام لا يمكن أن يصدر عنه، وإنه إذا كانت له هذه الموهبة الروائية، فلماذا لم يكتب رواية تحمل اسمه يجني منها مجداً حقيقياً؟ فأنا لا أرى مجداً لشاعر استصغر نفسه حتى أصبح يستعير اسم شخص آخر. خاصة ان سعدي يوسف في غنى عن مثل هذا المجد.  

ورغم أنني لست من أولئك الذين يستمرئون تفسير التاريخ والأحداث بشكل تآمري، إلا أنني صدّقت سعدي يوسف، وهو يسر لي بحزن حد البكاء على الطرف الآخر من الهاتف بأنه نظراً لمواقفه السياسية الأخيرة من النظام العراقي، تم استنفار بعض الأقلام للإساءة له وهو يتعرض منذ مدة لكثير من الدس الصحافي· وهذه الزوبعة التي في ظاهرها أدبية وفي باطنها سياسية تحمل في ثناياها تقنية جديدة لتحطيم هذا المعارض أخلاقياً وإنسانياً حتى تتسنى تصفية مصداقيته كإنسان وكسياسي وكشاعر من أجل منعه من لعب أي دور سياسي قادم.  

لقد ظل سعدي يوسف بمرارة موجعة أنستني مرارتي يشرح لي ملابسات تلك القصيدة التي بنى عليها ذلك الصحافي حجته، نافياً كل ما جاء في ذلك المقال، مُصراً على ان صداقته بزوجي وما يجمعنا من مودة يمنعانه من أن يأتي على ذكري إلا بما يليق بعشرتنا من احترام· وأنه كذّب كل هذا في مقابلة أجرتها مع جريدة الحياة.  

ولكن سعدي يوسف المعتكف على حزنه، والذي لم يخلع بعد حداده على ابنه ويرفض الاطلاع على الجرائد، وقلما يغادر بيته، لا يدري أن الدنيا قامت ولم تقعد. ذلك أن ثمة أفكاراً مسبقة لدى الرجال، بكون المرأة لا يمكن أن تبدع· فإذا ما أبدعت ينتظرون أول من يزرع الريبة ويشكك في مصداقيتها. لكأن البعض منذ عشر سنوات، ومنذ صدور ذاكرة الجسد يستخسر في امرأة نجاحها، ويستكثر على الجزائر أقلامها وكتّابها، غير مصدق أن بإمكان جزائرية أن تتفوق على الكثيرين في الكتابة باللغة العربية، لا لتفوقها عليهم في معرفتها بل في عشقها لها· والدليل هو ما جاء حرفياً على لسان هذا الصحافي عندما كتب:  

وفجأة أصبحت أحلام كما في الأحلام أهم روائية عربية في هذا القرن حتى لا نقول في تاريخ الرواية العربية· وبما أننا في عصر المعجزات تقبّلنا هذه المعجزة وشجعناها وأحببناها رغم أنه لم يفتنا أن نتساءل: من أين أتت هذه الكاتبة التي استحوذت على الأضواء، ولو أن هذا الكاتب كان يدري أن كلمة معجزة تنصرف إلى كل شيء خارق لا يخضع الى قوانين الطبيعة، لعرفنا أنه يريد أن يقول، إن إبداع الأنثى العربية هو ضرب من ضروب الخوارق، لأنها مقعدة على مستوى الخلق الأدبي، وأن ما هو مسموح به لها هو تكرار الخلق البيولوجي الذي لا يُنتج غير قنبلة ديموغرافية·  

لذا، فإن المسألة ليست مسألة ذاكرة الجسد ولا القضية قضية أحلام مستغانمي، وإنما كوننا ننتمي إلى مجتمع عربي ذكوري يرفض الأنثى ويحتقر النساء، حتى أنه ما ظهرت كاتبة أو شاعرة عربية إلا وجاء من يقول إن ثمة حتماً رجلاً يكتب لها· وهو ما لم نسمع أنه قيل حتى الآن عن رجل ولا أنه قيل عن كاتبة تكتب في مجتمع آخر غير المجتمع العربي·  

فعندما يقول العرب أن وراء كل رجل عظيم امرأة، فإنهم بمفهوم المخالفة يعنون ان أمام كل امرأة مهما عظُمت رجلاً·  

إن الذهنية المريضة التي تجعل من شاعرين في مستوى نزار قباني وسعدي يوسف يتعاركان دون علمهما على رواية تنسبها الصحافة كل مرة لأحد منهما هي ذهنية تحتاج إلى الرثاء والشفقة أكثر من الشكوى والمبارزة·  

فهذين الشاعرين بعمريهما المديدين في الإبداع لم يدعيا في يوم من الأيام انهما كتاب رواية، يكفيهما مجداً انهما عمالقة في دنيا الشعر العربي·  

أما أولئك الذين يريدون أن يروا جثتي تطفو على بركة سخافاتهم فهم مطالبون بأن يشحذوا خيالهم في البحث عن سلطة أدبية أخرى ينسبون إليها عملي القادم·  

ذلك ان الضمائر المفروشة لبعض الصحافيين العرب، الذين يؤجرونها حسب الحاجة، هذه الضمائر والأقلام المفروشة للإيجار والاستثمار مأساتها في الذكاء· ولذا عندما أرادت محاربتي لم تجد من تحاربني به غير كبار الشعراء، ومن لا علاقة لهم بالرواية ولا بوجع الجزائر وتفاصيل همومها الممتدة في كتبي على نصف قرن من التاريخ الذي لا يمكن لغير الجزائري أن يحمل فجيعته أو يصفها·  

وبالمناسبة، ولمزيد من الإشهار أقترح على هذا الصحافي أو من شابهه البحث عن شاعر آخر حتى يعلن أبوته لـ فوضى الحواس، وقد بلغت هذه الرواية طبعتها العاشرة خلال السنوات الثلاث الماضية· فأي إعلان عن أبوة متأخرة سيكون مرفوضاً بعد الآن· ولِمَ لا، عن شاعر يتبنى منذ الآن عملي الروائي القادم سرير لرائعتك·  

أما أنا، فإنني أجيب عن هذا الموضوع بمناسبة تواجدي في هذه الندوة المقامة حول الأدب النسائي· ولا تتوقعوا أن أقضي بقية عمري في نش الذباب· إنني غير معنية بالرد على كل ديك يصيح من على مزبلة، لأنني أكره أن أتردّى في وهاد الانحطاط الذكوري العربي· فالكاتب لا يرد بمقال بل بكتاب آخر· إنه يبدع ولا وقت لديه لأن يلتفت لأولئك الذين يقتاتون من الفتات المتساقط من موائده·  

ولذا لن أجيب بعد الآن عن أي موضوع له علاقة بـ ذاكرة الجسد، فإن كانت هذه الرواية غير قادرة على الدفاع عن نفسها، فلتذهب الى الجحيم· فنحن لا نكتب الكتب لنقضي حياتنا في الدفاع عنها··· بل لتدافع هي عنا حتى بعد موتنا، وان فجيعتي ليست أدبية إنما أخلاقية· وكل همي انني لا أعرف لمن أشتكي مثل هؤلاء الصحافيين: ألنقابتهم أم لنقابات حفّاري القبور؟·  

إن تاريخ تطاول الصحافيين الأقزام على المبدعين العرب طاعن في القدم، ضالع في التجني وذلك لسببين:  

أولاً: عدم وجود القواعد الأخلاقية المهنية التي هي ضمير المهنة، واختلاط الأدوار بين صحافة النقد الجاد وبين الصحافة الفضائحية التي زادُها النميمة الأدبية والتشهير اللامؤدب والتي تستقي أخبارها من السهرات والسكرات التي تقام في مقهى ما على ضفاف البحر الأبيض المتوسط·  

ثانياً: معرفة صبيان الصحافة العربية، ان المبدع العربي إنسان يحصّل قوته بالكاد، فلا يقوى على توكيل محام للدفاع عنه وإلزامه هو والملصقات التي يتقيأ هلوساته عليها بالتعويض العادل للمبدع عما أصابه من ضرر مادي ومعنوي·  

ولو كنت كتبت هذا الكتاب بالفرنسية، لجنيت منه ثروتين: واحدة من مبيعاته، وأخرى من الدعاوى التي كنت رفعتها على محترفي جرائم الشرف الأدبي الذين يحلو لهم إراقة حبر الكاتبات ودمهن، وماء وجههن بجرة قلم، قصد دخول الأدب من الأبواب الصغيرة الخلفية·  

ولكن أخطأ هؤلاء هذه المرة· فليس أمامهم أنثى مذعورة تخاف من كل شيء، وعلى كل شيء··· ولا تملك إلا أن تقر في خبائها مهانة وهي من الشاكرين·  

وإذا كنت دائماً أطمح ألا تكون أنوثتي هي جواز مروري إلى القارىء، فإنني أيضاً أرفض أن تكون حاجز التفتيش الذي تنتهك فيه كتبي ويستباح فيه شرفي بذريعة النقد الأدبي· وإن كانت الكتابة قد أعطتني سكينة وصمتاً داخلياً، لا يبلغهما إلا كاتب خبر سراب الحياة، وأعطتني ثروة لا يكتسبها، إلا من قضى عمره في جمع الخسارات، فإنني أصر على مكاسب القيم·  

ولذا نذرتُ ما أحصل عليه من مال من قلمي، ليكون سياطاً تلهب جلود الأفاعي التي ليس لأقلامها أي شرف· لا لجمع ثروة من رخصهم، ولكن لأؤدب بهم من استرخصوا أقلام الكتّاب، وانتهكوا حرمة حبرهم· فلا شرف لكاتبٍ أو كاتبة خارج شرف القلم- -(البوابة)