الموازنة بين الأجور وتكاليف المعيشة من أهم القضايا التي تشغل المواطن اللبناني هذه الأيام، ولاسيما في هذه المرحلة التي أدت فيها الفجوة الحاصلة بين هذين المفهومين إلى الكثير من الاختلالات، حتى أفرزت مطالب متزايدة من مختلف الجهات لإعادة التوازن إلى هذه المعادلة التي لا يجهل أحد منا آثار اختلالها على مختلف نواحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية، خصوصاً أن الدراسات التي تشخّصها محدودة، وهي تحتاج إلى مزيد من التدقيق والشفافية.
دخل لبنان في مرحلة من الاقصاء الاجتماعي الحقيقي، المتعارف عليه اقتصادياً بعجز غالبية الشعب عن بلوغ حاجاتها، في فرص العمل والأجور الملائمة، وقصورها عن تحصيل الأدنى المقبول من الغذاء والخدمات الرئيسية.
وسياسياً تخلف الشعب عن المشاركة في القرار السياسي لإحداث تغيير في هياكل الدولة ومؤسساتها.
ووضع الحد الأدنى للأجور عام 1996 بمقدار 300 الف ليرة لبنانية في الشهر (200 دولار) رفع لاحقاً إلى 500 الف (333 دولاراً) وهو الرقم الذي يعادل 37% من حصة الفرد من الناتج المحلي الاجمالي مقاساً بمعادل القوة الشرائية، والذي يتم تطبيقه نظرياً على جميع العاملين الذين تتجاوز أعمارهم الـ20 عاما باستثناء الخدم والعاملين في الشركات الزراعية غير المرتبطة بالتجارة والصناعة والعاملين المؤقتين لدى القطاع العام.
إلا أن هذا الحد لم يعد كافياً لمواجهة ارتفاع الاسعار، والاحتياجات الغذائية للأسرة بناء على الحجم والتكوين العمري والنوع والموقع بعد مراعاة التباينات في الاسعار النسبية وأنماط الإنفاق والحجم والتكوين العمري للأسر، والذي يؤدي الى التباين في خطوط الفقر وفقاً لموقع كل أسرة وتكوينها، فالحد الأدنى للأجر يجب ان يؤمن الحد الادنى الضروري من العيش. أي رقم لتصحيح الأجور من بين المطروح للتفاوض في وسعه تغطية حاجات الأجير وعائلته، في وضع باتت فيه فاتورة الكهرباء والتدفئة تساوي الحد الأدنى للأجور.
كما أن هنالك فئات واسعة لم يشملها تصحيح الأجور السابق، كونها كما ذكرنا غير مرتبطة بصاحب العمل.
كالسائقين العموميين، وصغار المزارعين، وعمال الزراعة والحرفيين في مهن عدة، خصوصا ان انظمة حماية الأجر وسوق العمل في لبنان ضعيفة اساساً، في ظل سلطات الدولة والمؤسسات المعنية وأعداد كبيرة من المؤسسات التجارية والخدمية، ومؤسسات صناعية كبيرة تستخدم عمالها ومستخدميها بعقود مياومة. وهم محرومون من الانتساب الى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ومن تقديمات الضمان الصحية والعائلية وخلافها.
لذلك يمكن مواجهة هذه القضية الحيوية من خلال اعتماد التجربة الفرنسية التي ربطت الحد الادنى للأجور عام 1952 بالتضخم، إلى جانب لحظ نسبة مساهمة الحد الأدنى للأجور في إجمالي الأجور ومستوى النمو الاقتصادي، دون أن يعني ذلك عدم زيادة هذا الحد بأعلى من نسبة التضخم وذلك وفقاً لمؤشر الرقم القياسي للمستهلك ونقل نصف الزيادة في القوة الشرائية لأجور العاملين الى القوة الشرائية للحد الأدنى من الأجور، وإن كان بالامكان زيادة هذه النسبة بنسبة أكبر.
كما يمكن الاستفادة من التجربة البريطانية التي شكلت عام 1993 لجنة الأجور المنخفضة التي ضمت ممثلين عن العمال وارباب العمل الى جانب بعض المستقلين لدارسة اثر الحد الادنى للأجور على التشغيل والتضخم وتحديد الحد الادنى للأجور.
وخلصت إلى اعتماد سقف الحد الادنى للأجر الساعي في بريطانيا بمقدار 3٫6 جنيه في نيسان 1999 كمعدل قياسي يمثل 47٫6% من الأجر الوسيط.
إلا أن أي تصحيح يجب أن يلحظ وجوب رفع الحد الأدنى للأجور إلى مليون ومئتي ألف ليرة لبنانية على الأقل وفقاً لما هو محدد بدراسة الاتحاد العمالي العام والأخذ في الاعتبار الفئات التي لم يشملها رفع الحد الادنى في الأعوام السابقة، وتصحيح الأجور وفقاً لارتفاع نسب التضخم التراكمي منذ عام 1996، وإصدار القرار الفوري بإعادة التوازن للأجور والاسعار وفقاً للسلم المتحرك.
ذلك أن المحك الأول للحكومة اليوم يكمن في سرعة استجابتها فوراً المطالب الاساسية للبنانيين، ووضع حد للتدهور المريع في القوة الشرائية لمرتبات ذوي الدخل المحدود.
كما أن المحك الثاني والأساسي يكمن في إيجاد حل جذري للارتفاعات المتعاظمة في أسعار المواد الاستهلاكية والخدماتية، التي ليست جميعها نتيجة التضخم العالمي، بل ناتجة من سياسات احتكارية يتوجب على الحكومة اتخاذ اجراءات للجمها، وتفعيل اجهزة الرقابة والمحاسبة وتطويرها، وتشديد العقوبات على المخالفين.
المحامي إبرهيم أسامة العرب
