ثورة تنموية سودانية مصرية

تاريخ النشر: 06 يوليو 2011 - 09:06 GMT
البوابة
البوابة

على درجة عالية جداً من الأهمية تمضي العلاقات الاقتصادية بين السودان ومصر ما بعد مبارك اليوم، ويكاد لا يأتي يوم جديد إلا وتجد خبراً يعزز هذا الاتجاه بين البلدين اللذين يملكان كل مقومات تحويل الدولتين إلى معسكرين اقتصاديين هامين جداً.

وتركز الجهات ذات الصلة في البلدين هذه الأيام على توقيع اتفاقيات شتى، في المجالين الزراعي والسياحي، وتطويرهما اعتماداً على مقومات وثروات طبيعية يملكها السودان، وخبرات وقوى بشرية تبدي مصر استعدادات كبيرة لتوظيفها لتحويل تلك الثروات الطبيعية الخام إلى ثورة تنموية هائلة.

والحقيقة، فقد استوقفني هذا الأسبوع خبران اطلعت عليهما في الصحيفة الالكترونية لـ "منتديات مقاصر"، الأول حول تخصيص جزر وقرى نيلية في الولاية الشمالية المتاخمة للحدود المصرية الجنوبية، وتحويلها إلى مناطق سياحية عالمية، أما الخبر الثاني فقد كان حول إحداث ثورة زراعية في الولاية ذاتها.

ففي الوقت الذي تخصص فيه حكومة الولاية الشمالية نحو 3 ملايين من الأراضي الصالحة لهذا الغرض، فإن وزارة الزراعة المصرية كشفت عن حاجتها إلى مساحة تقدر بـ 1,3 مليون فدان من الأراضي السودانية لزراعتها بمحاصيل وحبوب تغطي حاجة مصر، وتجعلها تمزق فاتورة استيراد الأغذية من الخارج، حيث تستورد مصر أكثر الأغذية تفوق قيمتها 40 مليار جنيه سنويا بالإضافة إلى استيرادها 65% من حاجتها الاستهلاكية من حبوب القمح، و90% من الزيوت حسب تصريحات لوزير زراعتها الدكتور أيمن فريد لمصادر صحفية هذا الأسبوع.

إن غياب التنسيق والتعاون في هذا المجال بين الجارتين الكبريين من حيث المقومات والموارد الطبيعية والخبرات والمساحات الزراعية وإمكانيات التصنيع، إن غياب التعاون طيلة فترة تحول السودان إلى أرض مضيفة للاستثمارات الأجنبية، بسبب سياسات الضغط الخارجية على مصر قبل الثورة، فوت على المصريين كثيرا، استغلال الثروة الحيوانية الكبيرة التي يملكها السودان الذي يبدي استعدادا لتوفير 1,000 طن من اللحوم يوميا للقاهرة التي تستورد 300 طن من مختلف أنحاء العالم لم تكن تتعدى نسبة اللحوم السودانية أكثر من 5% من مجموع وارداتها.

وتفسيراً لما أشرنا إليه هنا عن تحول السودان إلى أرض مضيفة للاستثمارات الأجنبية، فقد بلغ حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى السودان لعام 2010، نحو 3 مليارات دولار حسب آخر تقرير إحصائي متوافر حتى اليوم في هذا المجال، صادر عن المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان، وهذا يضع السودان في المرتبة السادسة في هذه القائمة عربياً، بعد أن كان حجم الاستثمار المباشر فيها لا يتعدى 0,7 مليار دولار حسب تقرير منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (اونكتاد) لعام 2002، ودون ذلك بكثير في الحكومات التي سبقت ثورة الإنقاذ.

ولكن يبدو الآن أن مصر ما بعد الثورة قادرة على مقاومة الضغوط السياسية الخارجية، ومستعدة للمخاطرة والدخول في تحالفات اقتصادية "محظورة" مع جارتها السودان، ليس وصولاً إلى تمزيق فاتورة الاستيراد "المشروطة" من الخارج فحسب، بل تمزيق فواتير تلك الشروط التي كانت عبئا مكلفا للاقتصاد المصري.

إن زراعة مصر حاجاتها من القمح، سيكون بمثابة التخلص من تحرير اقتصاد الدولة من التبعية الغربية، وعدم القبول بالشروط الضاغطة التي كانت تقبل بها مصر في عهد رئيسها المخلوع، بما كان ينطوي على ذلك كله، من آثار غير صحية على القرارات السياسية العربية، بوصف مصر مركزاً وثقلاً لصناعة القرار السياسي العربي.

نشد على أيدي الدولتين لمثل هذا التعاون!