ودعت الساحة الفنية العربية قامة موسيقية رفيعة برحيل الفنان المصري هاني شاكر عن عمر ناهز 73 عاماً، إثر صراع مرير مع أزمة صحية معقدة، ليترك وراءه إرثاً غنائياً يمتد لنحو نصف قرن من الرومانسية الراقية. وقد عُرف الراحل طوال مسيرته بحرصه الشديد على خصوصية عائلته، مغلّفاً حياته الشخصية بهالة من الوقار، مما جعله يحظى بمكانة استثنائية في قلوب زملائه وجمهوره على حد سواء كواحد من أنبل فرسان الكلمة واللحن.
بدأت ملامح نبوغه الفني مبكراً، حيث لم يكن مجرد هاوٍ، بل تفوق أكاديمياً بحصوله على درجة الامتياز من كلية التربية الموسيقية، معززاً موهبته بالدراسة في معهد "الكونسرفتوار" العريق، كما أتقن ببراعة مشهودة العزف على آلتي البيانو والعود. ومن المفارقات التاريخية في مسيرته أن أول وقوف له خلف الميكروفون كان في سن التاسعة ضمن كورال العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ في أغنية "بالأحضان" عام 1961، ليمتد طموحه لاحقاً إلى شاشة السينما وهو في الرابعة عشرة، مجسداً شخصية "سيد درويش" في صباه ضمن الفيلم الذي خلد سيرة فنان الشعب عام 1966.
ولم يتوقف شغف هاني الصغير عند هذا الحد، بل كان وجهاً مألوفاً في برامج الأطفال التي كان ينظمها التلفزيون المصري، إلى أن احتضنه الموسيقار الكبير محمد الموجي فنياً، وظل يشرف على صقل موهبته وتدريبه لثلاث سنوات كاملة قبل أن يطلقه كنجم شاب في أغنية "حلوة يا دنيا" وهو في العشرين من عمره. ورغم هذا الحضور المبكر، ظل نشاط شاكر في عالم التمثيل محدوداً بشكل لافت، إذ لم تتجاوز تجاربه الستة أعمال ما بين السينما والمسرح، وكان قد هجر الوقوف أمام الكاميرات كممثل منذ ما يقرب من 48 عاماً، وتحديداً عقب مشاركته في مسرحية "مصر بلدنا" في أواخر السبعينيات.
ولطالما طاردت الشائعات علاقة الراحل بالعندليب عبد الحليم حافظ، حيث صوّر البعض وجود صراع فني بينهما، إلا أن "أمير الغناء" دحض هذه الروايات تماماً، مؤكداً أن ما حدث لم يتعدَّ كونه سوء فهم عابر انتهى بعناق حار وغناء مشترك فوق خشبة المسرح. وعلى الصعيد الشخصي، استند هاني شاكر إلى حياة زوجية مستقرة دامت 44 عاماً برفقة السيدة نهلة، التي وصفها في مناسبات عدة بأنها شريكة الكفاح والداعمة الأولى التي حملت عنه أعباءه الفنية وغيرت مسار حياته للأفضل، وأنجب منها ابنيه شريف ودينا.
وقد شكل رحيل ابنته دينا عام 2011 بعد صراع مرير مع مرض السرطان الجرح الأعمق في وجدان الفنان الراحل، حيث اعترف بمرارة في لقاءات تلفزيونية بأنه لم يتجاوز تلك الفاجعة أبداً، وظل يعتمد على الأدوية المهدئة لينال قسطاً من النوم، واصفاً فقدانها بأنه العقبة الأكبر التي لم يستطع تخطي ألمها. وفي سياق آخر، واجه شاكر شائعات الثروة المليارية بالواقعية والهدوء، موضحاً أن كل ممتلكاته هي نتاج جهده الفني الخالص، وأن أثمن ما اقتناه كان فيلته التي بلغت قيمتها 50 مليون جنيه، نافياً في الوقت ذاته كل ما تردد حول زواجه السري مرة ثانية.
وفي خطوة عملية لتسهيل تنقلاته العالمية واستثماراته، حصل الفنان الراحل في عام 2022 على جنسية دولة "دومينيكا"، وهو الذي لم يخجل من الاعتراف بنزوات شبابه وعلاقاته العاطفية المتعددة قبل مرحلة الاستقرار الأسري. وكان لافتاً تصريحه السابق الذي عبر فيه عن أمنيته في "الموت المفاجئ"، رغبةً منه في الرحيل وهو بكامل نشاطه دون أن يذوق مرارة العجز أو يصبح عبئاً على من يحبهم.
وإلى جانب رصانته الفنية، عُرف هاني شاكر بعلاقة وطيدة بأحفاده "مجدي ومليكة" (أبناء ابنته الراحلة) وحفيده من نجله شريف. كما كشف سابقاً عن جانبه الإنساني البسيط بحبه الشديد للمطبخ السوري، وخاصة طبق "الكنافة بالجبنة". ورغم صبغته الرومانسية الوقورة، امتلك الراحل روحاً مرحة وقدرة فائقة على التقليد، وكان يحلم بالعودة إلى الشاشة الكبيرة بدور كوميدي يجسد حبه للبهجة و"الفرفشة" التي كان يحرص عليها في جلساته الخاصة بعيداً عن صخب الأضواء.
