اليونان على شفا هاوية.. فهل تنقذها فرنسا؟

تاريخ النشر: 07 يوليو 2011 - 11:12 GMT
البوابة
البوابة

لازالت الجهود التي بذلتها فرنسا مؤخراً لإنقاذ اليونان ومنطقة اليورو لم تسفر عن نتائج واضحة حتى الآن، وقد كان إعلان الرئيس ساركوزي عن خطة مبتكرة لدعم أوروبا هو جهد فرنسي نموذجي لدعم أوروبا في حين أن معظم المراقبين كانوا يتوقعون إفلاس اليونان.

شهدت أثينا في الآونة الأخيرة احتجاجات شعبية متواصلة يشوبها العنف أحيانا ضد برنامج التقشف الاقتصادي الذي فرضه صندوق النقد الدولي على اليونان. وقد كانت هذه الاحتجاجات أكثر حدة من معظم الاحتجاجات الأخرى التي رأيناها في أماكن أخرى منذ فضيحة الرهن العقاري في وول ستريت، أو ما يمكن أن نسميها فضيحة الغش التعاوني، والتي أثارت الأزمة الاقتصادية العالمية، والتي كان أول ضحاياها هم المواطنون العاديون في الدول ذات الاقتصادات المثقلة بالديون مثل اليونان والولايات المتحدة.

ويعترف معظم اليونانيين بأن بلادهم هي التي قبلت على نفسها أن تكون ضحية للآخرين، خاصة للحكومة والبنوك الألمانية، اللذين تحولا إلى منتقدين لا يرحمان للتبذير الذي مارسه اليونانيون، واللذين ما زالا يعارضان حتى الآن أية حزمة إنقاذ لليونان. وسيقول لك اليونانيون إن الألمان لم يدفعوا حتى الآن تعويضات عما ألحقوه باليونان من أضرار في الحرب العالمية الثانية، بل ويتهمون الألمان بأنهم هم الذين سرقوا مخزون اليونان من الذهب أثناء تلك الحرب.

ولكن اليونانيين العاديين مدركون لاستهتار بلادهم خلال السنوات الجيدة التي مرت بها في العقد الفائت، وذلك عندما فازت اليونان بحق تنظيم دورة أبطال الأندية الأوروبية تحت إشراف الاتحاد الأوروبي لكرة القدم "يويفا" العام 2004، وعندما نظمت أولمبياد الألعاب الصيفية بكفاءة كبيرة خلال العام نفسه، وتمتع مواطنوها على رغم التكاليف الباهظة لهاتين الدورتين بازدهار غير مسبوق.

يذكر أن أندرياس باباندريو (والد رئيس الوزراء الحالي جورج باباندريو)، خريج جامعة هارفرد، قد عاش منفيّاً في الولايات المتحدة لسنوات عديدة، وانتهى به المطاف هناك إلى شغل منصب مدير الإدارة الاقتصادية في جامعة كاليفورنيا في بيركلي. ثم عاد إلى بلاده، بعد انهيار النظام العسكري الديكتاتوري الذي حكم اليونان خلال السنوات من 1967 إلى 1974 وأصبح رئيساً لوزرائها العام 1981. وحسبما أشار أحد اليونانيين في اجتماع عقد هنا للمراقبين السياسيين والاقتصاديين، فإن أندرياس باباندريو عندما عاد إلى بلاده من المنفى جلب معه نوعاً من الشعبوية على الطراز الأمريكي للشعب اليوناني الذي كان ينقصه الذكاء الاقتصادي الذي تتمتع به معظم الأسر الأمريكية بسبب تعاليمهم البروتستانتية المحافظة.

وقد ساهمت حكومة حزب الديمقراطية الجديدة المحافظة التي تولت الحكم بعد رحيل أندرياس باباندريو، وظلت مسيطرة على زمام السلطة في الفترة من 1985 إلى 2009، في السياسات والإجراءات غير المسؤولة التي قادت إلى الأزمة التي تعاني منها اليونان في الوقت الحاضر. وعندما تركت تلك الحكومة السلطة كان عجز الميزانية اليونانية قد بلغ 12.7 % من إجمالي الناتج المحلي، أي ما يزيد بمقدار أربعة أضعاف عن الحد الآمن المقرر من قبل الاتحاد الأوروبي. والحقيقة هي أن اليونان قد انضمت إلى الاتحاد الأوروبي بناء على دعاوى زائفة تسامحت فيها قيادة الاتحاد الأوروبي التي كانت تعتقد أن أوروبا لا يمكن أن تكون أوروبا حقاً بدون اليونان.

وقد ورث جورج باباناندريو، نجل اندرياس باباندريو، المولود في الولايات المتحدة، والمتخرج هو أيضاً من جامعة هارفارد، قيادة حزب "باسوك" (الحزب الاشتراكي لعموم الهيلينيين) خلال الفترة التي عاشها والده في المنفى. ومن الممكن أن يكون قد فعل ذلك على مضض، حيث إن إحدى المهام التي كان مكلفاً بها بصفته قائداً لذلك الحزب هي تغيير النظام الانتخابي القائم في بلاده في محاولة لإنهاء السيطرة العائلية على المجال السياسي في البلاد.

وفي عمله كوزير للخارجية، ساهم باباندريو بجهود قيمة في إنهاء العداء التاريخي بين اليونان وتركيا، حيث أرسل رجال إطفاء لمساعدة الأتراك في إحدى حالات الطوارئ في تركيا. ثم انتخب بعد ذلك رئيسا للوزراء العام 2009 في نفس الوقت تقريباً الذي اندلعت فيه الأزمة المالية العالمية، والتي تعتبره جماهيره الانتخابية الآن مسؤولا عنها.

ومع ذلك فقد فاز باباندريو مؤخراً في ثاني اقتراع برلماني خلال أيام بالثقة لصالح برنامجه التقشفي بغالبية 155 صوتاً مقابل 138، على رغم الإضراب العام الذي استمر 48 ساعة واحتشاد المحتجين خارج مبنى البرلمان. وعلقت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل على ذلك بالقول إن هذه "أخبار جيدة حقاً"، إلا أن التعليقات المباشرة للأوساط المالية العالمية كانت مشوشة، بل كان هناك نوع من التحيز السلبي (كما هو معتاد) ضد اليونان، التي تحولت خلال الفترة الأخيرة إلى كبش فداء في نظر كثير من وسائل الإعلام الأوروبية التي اعتبرت أنها هي السبب في الأزمة التي يعاني منها اليورو.

ولازالت الجهود التي بذلتها فرنسا مؤخراً لإنقاذ اليونان ومنطقة اليورو لم تسفر عن نتائج واضحة حتى الآن. وقد كان إعلان الرئيس ساركوزي عن خطة مبتكرة لدعم أوروبا هو جهد فرنسي نموذجي لدعم أوروبا في حين أن معظم المراقبين كانوا يتوقعون إفلاس اليونان (وربما حدوث انهيار في منطقة اليورو بأكملها). وهذه الخطة تتيح الفرصة للبنوك لترحيل الديون المستحقة من موازناتها السنوية مع وضع تلك الديون في أداة تفي بمتطلبات الوضع معروفة في الأسواق باسم "الشركات ذات الأغراض الخاصة". وتشبه هذه الخطة جزئيا الحل المعروف باسم "سندات برادي" الذي استخدم في معالجة ديون أمريكا اللاتينية في ثمانينيات القرن الفائت، وهو حل كان يسمح للدائنين باستبدال قروض البنك المفلس مقابل أدوات مالية آمنة، كان يتم دعمها عادة بسندات الخزينة الأمريكية.

لقد كان الفرنسيون هم الذين وضعوا اتفاقية مجتمع الفحم والصلب في أوروبا العام 1951. ومنذ ذلك الحين دفعوها إلى الأمام بمشروعات أوروبية مثل شبكة القطارات الأوروبية فائقة السرعة وتحالف أيرباص الصناعي (عدو بوينج اللدود) ووكالة الفضاء الأوروبية ومركزها الفضائي في غويانا الذي يهيمن على الرحلات الفضائية التجارية والرابط العسكري الأوروبي الفرنسي البريطاني الذي يتم اختباره الآن في ليبيا. ولكن خطة الرئيس ساركوزي للتخفيف من أعباء ديون اليونان لم تلق إلا اهتماما حذرا حتى الآن من جانب صحف متخصصة محترمة مثل صحيفة فاينانشال تايمز، ولكن المسؤولين في وكالات التصنيف الائتماني النافذة يتحدثون عن هذه الخطة كما لو أنها إعلان مقنَّع لإفلاس اليونان. ولكن النجاح البرلماني الذي حققه باباندريو في الأسبوع الفائت والتأييد الذي قدمته له المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل قد يثبتان أهميتهما الكبيرة فيما سيأتي فيما بعد. 

بقلم وليام فاف