في أعقاب الأزمة العالمية وخصوصا مظاهرها الأوروبية صار الحديث عن أزمة اقتصادية في إسرائيل أمرا شائعا، ومن الجائز أن عجز الحكومة الإسرائيلية عن تنفيذ توصيات لجنة ترختنبرغ التي درست سبل تقليص الآثار السيئة على الطبقتين الوسطى والدنيا في إسرائيل سيفاقم الأمور قريبا. غير أن أحد أهم انعكاسات الأزمة الاقتصادية يتعلق بأثرها على «البقرة المقدسة» وهي ميزانية الدفاع الإسرائيلية. ومعلوم أن صراعات كبيرة دارت بين المؤسسة العسكرية ووزارة الدفاع من جهة والمؤسسة الاجتماعية والاقتصادية ووزارة المالية من جهة أخرى حول حصة الأمن من الكعكة العامة.
ومعروف أن الوضع انتهى مؤقتا إلى قرار بتقليص ميزانية الدفاع بثلاثة مليارات شيكل (حوالي 800 مليون دولار) مما ترك عواقب على الصناعات العسكرية الإسرائيلية. وأشارت الصحف الإسرائيلية إلى أن توصيات لجنة ترختنبرغ والقرارات الحكومية اللاحقة بتبنيها قادت إلى توقع إلغاء عدد هام من المشاريع الخاصة بالتصنيع العسكري.
وقالت إن الصناعات العسكرية الإسرائيلية تبدو حاليا بوصفها الخاسر الأكبر من توصيات لجنة ترختنبرغ حيث تعاظم القلق من المصاعب التي ستواجه قدرة وزارة الدفاع على تمويل سلسلة من المشاريع الاقتصادية بعد تخفيض ميزانيتها.
ومنذ اللحظة الأولى لإعلان قرار تقليص الميزانية العسكرية انشغلت وزارة الدفاع الإسرائيلية بفحص الجوانب التي يمكن اقتطاع مبلغ الثلاثة مليارات شيكل منها. وكان بين أول القرارات وقف الطلبيات لشراء منظومات تسليحية بعضها يعتبر مركزيا في الرؤية الأمنية الإسرائيلية. وبحسب المجلة الاقتصادية «ميمون» فإن وزارة الدفاع أبلغت مؤخرا الصناعات العسكرية نيتها تقليص مشروع العربات المدرعة «نمر»، وهو المشروع الذي نجم عن الخطة الطارئة للدروس المستخلصة من حرب لبنان الثانية.
ولم يساعد في ذلك واقع نقل إسرائيل لقسم من انتاج هذه المدرعات قبل عامين إلى أميركا بقصد الاستفادة من التمويل الأميركي العسكري. ففي العام المقبل سيستلم الجيش الإسرائيلي «النمور» الأولى التي أنتجت بعض مكوناتها في الولايات المتحدة وأرسلت لخط انتاج دبابة ميركافا في وسط إسرائيل. وشددت المجلة على أنه من الواضح أن الجيش لم يمتلك القدرة المالية للتزود بمئات المدرعات من هذا النوع والتي كانت مدرجة ضمن قائمة المشتريات.
وفضلا عن ذلك فإنه في العام المقبل ستتقلص ميزانية المشتريات المحلية لمشروع دبابة ميركافا من صنع إسرائيل بـ200 مليون شيكل إلى 450 مليون شيكل، الأمر الذي سيؤثر على 200 مصنع ضالع في انتاج الدبابة الإسرائيلية. وبين هذه المصانع التي ستتأثر مصنع «أوردان» في نتانيا الذي يوفر للدبابة نوعا متطورا من الفولاذ الخاص، و«تاعس» التي تنتج المدفع، و«ألبيت» التي تنتج منظومة السيطرة على السلاح في الدبابة، وغيرها. وقد أعيد وضع المشروع بأسره تحت الدراسة في لجنة يرأسها الجنرال احتياط عمانويل سكال.
ونقلت صحيفة «يديعوت احرونوت» عن أحد مدراء الصناعات العسكرية الإسرائيلية قوله إن «الاحتجاج الاجتماعي محق، لكن الناس لا تفهم أن ثمة ثمنا لتقليص ميزانية الأمن. فالجيش الإسرائيلي لا يستطيع تقليص تدريباته، أو رواتب جنوده، أو غذاء الجنود أو مرتبات العوائل الثكلى. حينها فإن المتضرر هو الصناعات العسكرية، والتي هي أيضا مشغل كبير للعمال، خصوصا في الضواحي». وعرض هذا المدير مصنع «أوردان» بوصفه نموذجا كلاسيكيا: فالمصنع الذي تلقى دفعة كبيرة مع انطلاق مشروع ميركافا يشغل حاليا 240 عاملا، بينهم 30 في متسبيه رامون في النقب، وهذا رقم يقل عن نصف عديد عماله في ذروة المشروع. ولذلك فإن أي تقليص إضافي في طلبيات ميركافا سيخفض عديد العمال إلى ما دون الخط الأحمر. وبالإجمال فإن عدد من يعملون في الصناعات العسكرية الإسرائيلية اليوم لا يقل عن 30 ألف شخص.
وفي الآتي عدد من المشاريع غير السرية التي تضررت من تقليص ميزانية الدفاع، علما بأن «يديعوت أحرونوت» ذكرت أن قائمة المشاريع المتضررة أكبر بكثير، لكن الرقابة العسكرية تحظر نشرها:
- «القبة الحديدية» وهي من مشاريع شركة «رفائيل». وحتى بعد أن تقرر حاجة إسرائيل الحالية إلى 13 بطارية اعتراض صواريخ لحماية الدولة فإنه ليست هناك تواريخ محددة لطلبيات جديدة عدا طلبيتين إسرائيليتين بتمويل وزارة الدفاع وأربع طلبيات بتمويل أميركي.
- القمر الصناعي «أفق»، وهو من انتاج الصناعات الجوية. وإسرائيل تستخدم منذ العام 1995 أقمارها الخاصة للتصوير والتي أثبتت أهميتها في توفير معلومات استخبارية نوعية وتقريبا وقت حدوثها. ورغم ذلك فإنه حتى في الأيام التي يتصاعد فيها الحديث عن ضربة عسكرية لإيران فإن الصناعات الجوية لا تملك حاليا سوى عقد لانتاج قمر صناعي واحد.
- طائرة «هرمس» من دون طيار وهي من انتاج شركة «ألبيت». ويريد الجيش الإسرائيلي توسيع منظومة هذه الطائرات غير المأهولة وخصوصا طراز هرمس 450 المستخدمة في أغراض هجومية وبينها تنفيذ اغتيالات لنشطاء المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة. ولا يبدو في الأفق أن هناك طلبيات جديدة.
