دول تتأهب لصرف رواتب موظفيها قبل يوم الوقفة. ذلك الراتب الذي يعقبه الندم دائماً. خرفان تجهد في التهام العلف المقدم إليها بكرم زائد، بغرض التسمين ليس إلا، غافلة عن السكين التي تنتظرها صبيحة العيد: "هل تذكرون شاة ميخائيل نعيمة التي قالت لجزارها حينما كان يستعد لذبحها: احذر يا سيدي من السكين، لئلا تجرح إصبعك".
بيوت تتزين بانتظار مقدم حجاج بيت الله الحرام، أمهات يبادرن الى صنع "الكعك والمعمول" ويبدين آراءهن بحرية تامة في طبخة اليوم الأول. قبور.. عانت من الوحدة ما يكفي، تنتظر زائريها.. أطفال يحلمون بالعيد.. بالعيديات.. والفرح الآتي.
ماذا في العيد أيضاً؟..
عمال نظافة يفركون يداً بيد، على وشك قرع الأبواب في الصباح، طلباً للعيدية والحلوى.. مراجيح وسحاسيل وجبال روسية تجري صيانتها على قدم وساق وكأنها على وشك دخول معركة. وزراء أوقاف يدبجون بيناتهم السنوية.. التي تختم عادة بعبارة: اللهم أعده علينا وقد تحرر الأقصى الأسير (مجرد جملة نسمعها منذ 35 عاماً)..
إذًا تأهبنا لكل شيء.. جارتي أم العبد نظفت السجاد يوم أمس، شاهدتها تقيم مهرجانا للغسل على سطح المنزل. أبو أنس، جاري أيضاً، ذهب لشراء الملابس لأطفاله الشياطين من "الباله" مبكراً.. شاهدت العائلة بأكملها تعود من السوق في "البيك- أب" وكأنها جوقة غناء شبابي.. الكل يغني: "بكره العيد وبنعيد وبنذبح بقرة إسعيد.." حتى الزوجة التي كانت تلوح وقورة انخرطت في الوصلة الغنائية وهي "متعنطزة" بجوار زوجها الهمام. موسى، صديقي، اشترى كبشاً بحجم حمار، وتباهى به أمامي باعتباري عاجزا عن شراء حتى جِدي؟! أخشى باعتبار موسى مدرساً لمادة التاريخ ويكسب ضعفي راتبه من الدروس الخصوصية أن يصنع من قرني الكبش خوذة ويتباهى بأنه وريث الإسكندر.. ذي القرنين!.
في العيد: ننسى دائماً أخوة لنا.. لا يمر العيد بدروبهم، تذبحهم الفاقة ويجز الفقر أرواحهم.
