كان طريق المجوس، تقليدياً، طريق الحكمة.. أما أنا فذرعت كل الطرق! آنذاك.. كنت صغيرا وبريئا وممتلئا بالصخب والتمرد والعنفوان والحلم بتغيير العالم.
في تلك الطرق رأيت أشياء كثيرة.. غريبة، لا بل عجيبة، لكن أعجبها على الإطلاق كان ذلك الطريق الذي ذرعته ذات نهار ساطع من شهر حزيران وأوصلني إلى حفرة كبيرة جدا، أكبر مما تتخيلون؟ يعيش فيها أناس لا أدري كيف سقطوا فيها، للوهلة الأولى ظننت أنهم واقعون في مأزق.. في كمين، فعزمت على تخليصهم من سجنهم: ألم أقل أنني كنت صغيرا؟
بسرعة ولهفة أحضرت حبلا متيناً، ربطته بصخرة قريبة وألقيته لهم.. وأنا أصيح بأعلى صوتي: اخرجوا من الحفرة.. أسرعوا فقد أتيت لأخلصكم!
لكن كلماتي التي حملتها الريح ذهبت هباء وعبثا، فلم يحرك أي منهم ساكنا؟ بل أن كل ما فعلوه أنهم أخذوا يرمقونني شزراً، وكأنني وحش غريب، وهم منهمكون بعملهم الذي لاحظت أنه ينصب على توسيع الحفرة، بينما تقدم من مكاني نفر من الصبيان، لم يلبث أن نهرهم آباؤهم.. فولوا هاربين.
تقدم الآباء مني حتى أصبحوا أسفل الحافة التي أقف عليها، وخاطبوني بلهجة الناصح: أيها الغبي.. ما الذي تفعله؟ انزل.. لئلا تفتك بك الجوارح والوحوش.؟
<
BR>:ما الذي يقوله أولئك المجانين؟ كان ذلك أول ما خطر ببالي، لكنني لم أواجههم بتلك الحقيقة لأنني كنت مدفوعا برغبة جامحة لإنقاذهم.. ألم أقل أنني كنت ما زلت صغيراً!.<
<
BR>أصدقكم القول أنني تركتهم ومضيت في طريقي أبكي، وأقول في سري: اللعنة.. كيف يفكر هؤلاء؟ ألا يعرفون أن ثمة حياة خارج الحفرة، وأن ثمة أرضا وسماء أرحب بكثير من الجزء الذي يشاهدونه من باطن الأرض؟<
BR>.. بعد سنوات ذرعت ذات السبيل، وقادتني خطاي للوقوف على ذات الحفرة التي تضاعفت مساحتها مرارا وشاهدت ذات الرجال منهمكين في عملهم، وقد تقوست ظهورهم من كثرة الانكباب على الحفر، حتى غدوا أشبه بغربان حقيقية، أما الرجل العجوز.. فكان جالساً على كرسي عال يشبه العرش. ضحكت في سري، وسرت دون أن أنبس ببنت شفة، تجاه الذرى.. وأنا على يقين من أنهم سيسخرون دائما من الذي مر بهم مرة.. وأبى أن ينزل..*طريق المجوس: هو الطريق الذي ذرعه ملوك المجوس الثلاثة وراء النجم الذي دلهم على مكان ولادة السيد المسيح.
