وثائق سرية تؤكد واسرائيل تنفي عرضها بيع اسلحة نووية لنظام الفصل بجنوب افريقيا

تاريخ النشر: 24 مايو 2010 - 08:54 GMT

قالت صحيفة "ذي غارديان" إن وثائق تم الكشف عنها في جنوب افريقيا تؤكد أن اسرائيل عرضت على نظام الفصل العنصري السابق في تلك الدولة بيعه رؤوسا نووية، وهو ما سارعت الدولة العبرية الى نفيه.

وقالت الصحيفة إن الوثائق تقدم أول دليل رسمي موثق على حيازة اسرائيل لأسلحة نووية.

وتظهر التفاصيل الدقيقة "بالغة السرية" للاجتماعات بين كبار المسؤولين في الدولتين خلال العام 1975، أن وزير دفاع جنوب افريقيا بي دبليو بوتا طلب هذه الرؤوس الحرية النووية، ورد وزير الدفاع الاسرائيلي آنذاك ورئيس اسرائيل الحالي، شمعون بيريز، بعرض "ثلاثة أحجام" من تلك الرؤوس. كما وقع الرجلان أيضا اتفاقية تحدد العلاقات العسكرية بين الجانبين اشتملت على بند ينص على إبقاء "وجود هذه الاتفاقية نفسها" طي الكتمان.

وقد سارعت اسرائيل الى نفي هذه المعلومات. وقالت ايليت فريش المتحدثة باسم بيريس "لا اساس من الصحة لتقرير الجارديان."

وأضافت "نحن نأسف لان الصحيفة لم تطلب تعليقا من مكتب الرئيس. لو كانت فعلت لاكتشفت أن القصة خطأ ولا أساس لها من الصحة".

والوثائق التي كشف عنها الأكاديمي الأميركي ساشا بولاكوف - سورانسكي، خلال أبحاثه لإعداد كتاب عن العلاقات بين الجانبين، توفر دليلا على أن اسرائيل تمتلك اسلحة نووية، على الرغم من سياستها المتعلقة بـ "الغموض" وعدم الاعتراف بوجود تلك الأسلحة أو نفي عدم وجودها.

وقد حاولت السلطات الاسرائيلية منع حكومة ما بعد نظام الفصل العنصري من نزع السرية عن تلك الوثائق استجابة لطلب بولاكوف - سورانسكي بسبب ما سيحدثه الكشف عنها من إرباك، خصوصا وأن محادثات الحد من انتشار الأسلحة النووية الجارية هذا الأسبوع في نيويورك ستركز على الشرق الأوسط.

كما أن الوثائق من شأنها أيضا أن تنسف محاولات اسرائيل الادعاء بأنه، إذا كانت تمتلك أسلحة نووية، فهي قوة تتصرف "بمسؤولية" ولن تسيء استخدامها، في حين أن دولا مثل إيران لا يمكن الوثوق بها.

الوثائق الجنوب افريقية تظهر أن جيش عهد الفصل العنصري أراد الحصول على الصواريخ الذرية كوسيلة ردع ضد هجمات محتملة تقوم بها الدول المجاورة له.

كما توضح الوثائق أن الجانبين اجتمعا يوم 31 آذار (مارس) 1975. أورد ذلك بولاكوف - سورانسكي في كتابه الذي نشر في الولايات المتحدة الأسوع الحالي بعنوان "التحالف الصامت: تحالف اسرائيل السري مع نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا". وخلال المحادثات "عرض المسؤولون الاسرائيليون رسميا على جنوب افريقيا بيعها صواريخ من طراز "أريحا" ذات قدرات نووية موجودة في الترسانة الاسرائيلية".

ومن بين الذين حضروا الاجتماع رئيس أركان جيش جنوب افريقيا، الجنرال آر اف آرمسترونغ. وقد أعد على الفور مذكرة عدد فيها المزايا التي ستحصل عليها جنوب افريقيا من الحصول على صواريخ "أريحا" ولكن فقط إذا تم تزويدها بأسلحة نووية.

والمذكرة، المؤشرة بعبارة "بالغة السرية" ومؤرخة في اليوم نفسه الذي جرى فيه الاجتماع مع الاسرائيليين، سبق الكشف عنها لكن السياق المتعلق بها لم يكن مفهوما تماما، لأنه لم يكن معروفا أنها مرتبطة مباشرة بالعرض الاسرائيلي الذي قدم ذلك اليوم وأنها الأساس لطلب مباشر وُجه لاسرائيل. وكتب آرمسترونغ في المذكرة: "عند النظر في مزايا نظام أسلحة من النوع الذي عُرض علينا، تم التفكير في عدة افتراضات :أ) الصواريخ ستزود برؤوس حربية نووية مصنوعة في جمهورية جنوب افريقيا) أو يُحصل عليها من جهة أخرى".

إلا أن جنوب أفريقيا كانت متأخرة سنوات عديدة عن القدرة على صنع أسلحة نووية. وبعد أقل من شهرين، يوم 4 حزيران (يونيو) اجتمع بيريز وبوتا في زوريخ. وفي حينه أطلق على مشروع أريحا الاسم المشفر "تشاليت".

وتقول التفاصيل السرية الدقيقة لمحضر لاجتماع: "الوزير بوتا عبّر عن الاهتمام بعدد محدود من وحدات "تشاليت" طبقا للحمولة المناسبة المتوفرة". ويسجل المحضر بعد ذلك أن "الوزير بيريز قال إن الحمولة تتوفر في ثلاثة أحجام. وأعرب الوزير بوتا عن تقديره وقال إنه سيطلب المشورة". ويعتقد أن الأحجام الثلاثة تشير إلى رؤوس حربية تقليدية وكيماوية ونووية.

ويعكس استخدام العبارة الملطفة، "الحمولة الصحيحة"، الحساسية الاسرائيلية تجاه الموضوع النووي وربما لم تكن تستخدم عند الإشارة إلى الأسلحة التقليدية. ومن الممكن أيضا أن تعني فقط الرؤوس الحربية النووية لأن مذكرة آرمسترونغ توضح أن جنوب افريقيا مهتمة بصواريخ "أريحا" كوسيلة لحمل أسلحة نووية.

وبالإضافة لهذا، فالحمولة الوحيدة التي كان الجنوب أفريقيون بحاجة للحصول عليها من اسرائيل كانت نووية. الجنوب أفريقيون كانوا قادرين على تحميلها برؤوس حربية من انواع أخرى.

ولم يمض بوتا قدما في الصفقة بسبب تكاليفها. وفضلا عن ذلك، فأي صفقة كانت ستتطلب الموافقة من رئيس وزراء اسرائيل ولم يكن من المؤكد أن تلك الموافقة ممكنة.

واستطاعت جنوب افريقيا في النهاية صنع قنابلها النووية، وإن كان ذلك ربما بمساعدة اسرائيلية. إلا أن التعاون في مجال التقنيات العسكرية ازداد حجمه خلال السنوات التالية. كما قدمت جنوب افريقيا الكثير من اليورانيوم الخام الذي احتاجته اسرائيل لتطوير أسلحتها.

وتؤكد الوثائق الإفادات التي تقدم بها قائد سابق لبحرية جنوب افريقيا هو ديييتر غيرهاردت - الذي سُجن عام 1983 بتهمة التجسس لصالح الاتحاد السوفياتي. وبعد إطلاق سراح غيرهاردت بعد انهيار نظام الفصل العنصري، قال إنه كانت هناك اتفاقية بين اسرائيل وجنوب افريقيا تدعى "تشاليت" تضمنت عرضا من اسرائيل بتزويد ثمانية صواريخ "أريحا" بـ "رؤوس حربية خاصة". وقال غيرهاردت إن تلك الرؤوس كانت نووية. ولكن حتى الآن لم يكن هناك توثيق رسمي لهذا العرض.

وبعد أسابيع من تقديم بيريز عرضه لرؤوس حربية نووية على بوتا، وقع وزيرا الدفاع اتفاقية سرية تحدد تفاصيل التحالف العسكري بينهما عُرفت باسم "سيكمنت". وكانت بالغة السرية إلى حد إنها اشتملت على نص ينفي وجودها. "تم الاتفاق الواضح هنا على أن وجود هذه الاتفاقية بحد ذاته... سيكون سريا ولن يكشف عنه أي من الجانبين". كما نصت الاتفاقية أيضا على أن أيا من الجانبين لن يتنصل منها أحاديا.

وقد كُشف النقاب عن وجود برنامج للأسلحة النووية في اسرائيل من جانب مردخاي فعنونو في صحيفة "صنداي تايمز" اللندنية عام 1986. وقدّم فعنونو صورا التقطت من داخل الموقع النووي "ديمونا" وأوصافا تفصيلية للعمليات المتعلقة بإنتاج جزء من المواد النووية، لكنه لم يقدم أي توثيق كتابي.

وكشفت الوثائق التي صادرها الطلاب الإيرانيون من السفارة الأميركية في طهران بعد الثورة الإسلامية عام 1979 أن الشاه أعرب لإسرائيل عن اهتمامه بتطوير أسلحة نووية. لكن وثائق جنوب أفريقيا تعطي تأكيدا على أن اسرائيل كانت في موقف تستطيع من خلاله تحميل صواريخ "أريحا" برؤوس حربية نووية.

وقد ضغطت اسرائيل على حكومة جنوب أفريقيا لتمنع رفع السرية عن الوثائق التي حصل عليها بولاكوف - سورانسكي. وقال المؤلف: "حاولت وزارة الدفاع الاسرائيلية منع وصولي إلى اتفاقية "سيكمنت" على أساس أنها مادة حساسة، لا سيما التوقيع والتاريخ. ولا يبدو أن الجنوب أفريقيين كانوا مكترثين، فقد غطوا بالأسود سطورا قليلة ثم سلموها إلي. ولم تكن حكومة المؤتمر الوطني الأفريقي حريصة جدا على حماية الغسيل الوسخ لحلفاء نظام الفصل العنصري القدماء".