مقتل قرنق يضع اتفاق سلام السودان على المحك

تاريخ النشر: 01 أغسطس 2005 - 07:38 GMT

سجل قرنق رقما قياسيا في سنوات العمل السياسي وقيادة واحدة من اطول اكثر الحروب دموية في افريقيا، ويرى مراقبون ان وفاته قد تطيح باتفاق السلام الهش الذي وقعه مع الحكومة السودانية ووضع حدا لهذه الحرب.

ولد قرنق في 1945 لاسرة مسيحية ميسورة في جونغلي قرب بور في ارض الدينكا الاتنية التي تشكل غالبية في الجنوب.

وكان من الاطفال القلة في جنوب السودان الذين تمكنوا من الذهاب الى مدرسة ابتدائية في عهد الادارة البريطانية.

وبعد ان درس المرحلة الثانوية في تنزانيا حيث انتقل والداه، تابع دراسته الجامعية في فرينيل كوليدج في ولاية ايوا الاميركية. ثم رفض في 1970 منحة دراسية من جامعة كاليفورنيا بيركلي ليحمل السلاح لفترة قصيرة في جنوب السودان ضد نظام الخرطوم.

وبعد ذلك، شارك قرنق في الوفد الجنوبي المفاوض للتوصل الى اتفاق السلام في اديس ابابا (1972) والذي يمنح الجنوب حكما ذاتيا واسع النطاق، قبل ان يلتحق بالجيش النظامي.

وفي 1974، عاد قرنق الى الولايات المتحدة لاتباع دورة تدريبية عسكرية مدتها سنتين في جورجيا قبل ان يعود الى الخرطوم.

واوفد مجددا في 1977 الى الولايات المتحدة لكن هذه المرة ليعد اطروحة دكتوراه في الاقتصاد في جامعة ايوا. وقد حصل عليها في 1981 بعد ان اعد اطروحة حول قناة جونغلي في جنوب السودان.

وفي السنة نفسها عاد الى الخرطوم حيث شغل عدة مناصب من بينها نائب مدير مركز ابحاث الجيش واستاذ الاقتصاد الزراعي في الجامعة. لكن حياته انقلبت في 1983.

فبصفته عقيدا في الجيش النظامي، ارسل قرنق لاحتواء تمرد لقوات الجنوب في المنطقة التي ولد فيها. لكنه لم يعد من هناك وتبنى قضية الجنوب وانشأ الجيش الشعبي لتحرير السودان.

وخلال ثلاثة اعوام، نجح في جمع عشرة آلاف مقاتل في حركة منظمة ومجهزة بشكل جيد. وفي بداية التسعينات اصبح عديد حركة التمرد يقدر بحوالى خمسين الف رجل.

وفي سنوات القتال، بدل قرنق تحالفاته عدة مرات. فقد وقف في صف السوفيات خلال الحرب الباردة بينما كانت الخرطوم والولايات المتحدة تقيمان علاقات وثيقة ثم حصل على مباركة الاميركيين في التسعينات.

فالانقلاب الذي دعمه الاسلاميون في الخرطوم في 1989 اضر بمكانة السودان لدى الولايات المتحدة. واعطى انتخاب جورج بوش في 2000 رئيسا للولايات المتحدة دعما اضافيا له اذ ان الحزب الجمهوري يضم عددا كبيرا من المتعاطفين مع قضية المسيحيين في الجنوب.

وفي السنوات الاخيرة، عملت الولايات المتحدة على الدفع باستمرار باتجاه توقيع اتفاق سلام في السودان الغني بالنفط وذهبت حتى الى حد تمويل الجولة الاخيرة لقرنق في الجنوب في حزيران/يونيو الماضي.

واصبح قرنق بموجب اتفاق السلام مع الشمال، نائبا للرئيس السوداني.

ولم يكن قرنق يحمل قرنق مسدسا لكن عددا كبيرا من مقاتلي الجيش الشعبي المدججين بالسلاح يرافقونه في تنقلاته. وكان قرنق متزوجا وابا لابنتين وولد.

شكوك حول صمود اتفاق السلام

ورأى العديد من المراقبين ان وفاة قرنق قد تطيح باتفاق السلام الهش الذي وقع في كانون الثاني/يناير الماضي ووضع حدا لحرب اهلية في جنوب البلاد اعتبرت الاطول في القارة السوداء.

وتاتي وفاته بعد نحو مئتي يوم فقط على المصالحة التاريخية بين الحكومة السودانية والمتمردين الجنوبيين التي انهت حربا بين الطرفين دامت 22 عاما واوقعت نحو مليون قتيل ونصف المليون.

واصبح قرنق في التاسع من تموز/يوليو الماضي نائبا للرئيس في السودان بموجب اتفاق السلام الذي وقع في التاسع من كانون الثاني/يناير في نيروبي.

واعتبر دبلوماسي اوروبي في الخرطوم ان "وفاة قرنق شكلت صدمة هائلة اثارت القلق الشديد ويمكن ان توجه ضربة قوية الى اتفاق هش" مضيفا ان "توترا شديدا" يسود العاصمة الخرطوم.

وينص اتفاق كانون الثاني/يناير خصوصا على تقاسم السلطة والثروات بين الشمال والجنوب اضافة الى قيام فترة انتقالية مدتها ست سنوات يحظى خلالها الجنوب باستقلال ذاتي على ان يقرر سكانه بنهاية هذه السنوات الست في استفتاء شعبي ما اذا كانوا يريدون البقاء ضمن الدولة السودانية ام الانفصال.

ويعيش نحو عشرة ملايين شخص من اصل سكان السودان الثلاثين مليون في جنوب البلاد حيث توجد الابار النفطية.

وكانت منظمة "انترناشونال كرايزس غروب" اعتبرت في الحادي والعشرين من تموز/يوليو الماضي ان اتفاق السلام بين جنوب السودان والخرطوم مهدد بالفشل اذا لم يمارس المجتمع الدولي ضغوطه على الحزب الحاكم في السودان.

وقال الباحث في المنظمة جون برندرغاست في بيان نشر في نيروبي "اذا لم يتطرق المجتمع الدولي الى المشكلات الرئيسية فان الاتفاق برمته قد ينهار مع انعكاسات اكثر دموية من الحرب التي انتهت لتوها".

واضاف بيان المنظمة لمناسبة صدور تقرير عن السودان عنوانه "اتفاق الخرطوم والمتمردين: السلام غير الاكيد في السودان" ان "العائق الاكثر مدعاة للقلق (...) هو الافتقار الى الارادة السياسية لدى الحكومة وحزب المؤتمر الوطني الحاكم".

ومن جهته اعتبر المحلل في المنظمة ديفيد موزرسكي في مؤتمر صحافي في نيروبي ان اتفاق التاسع من كانون الثاني/يناير "معقد جدا والسودان يشهد حاليا بعض الفوضى".

واعتبر انه "ليس واقعيا الاعتقاد بامكان تطبيق هذا الاتفاق مع استمرار الحرب الاهلية في اقليم دارفور والصراع في شرق السودان".

ويشهد اقليم دارفور حربا اهلية بين القوات الحكومية المدعومة من ميليشيات الجنجويد العربية منذ شباط/فبراير 2003 والمتمردين الذين يرفضون تهميش منطقتهم.