مشاريع حيز "القوس" والكونفدرالية بين الأردن والضفة

تاريخ النشر: 13 مايو 2013 - 10:32 GMT
نقل حوالي (2000) دونم من الأراضي المصنفة (ج) من السيطرة الإسرائيلية إلى السلطة
نقل حوالي (2000) دونم من الأراضي المصنفة (ج) من السيطرة الإسرائيلية إلى السلطة

*بقلم: د.وسيم أبو فاشة

في جلسة مشوقة منذ سنوات مع كل من د. مفيد قسوم، ود. عادل سمارة، تناول د. قسوم بالعرض والتحليل بعض ما تضمنته أطروحته المعنونة "الجدلية العولمحلية في إنتاج وإعادة انتاج الحيز الفلسطيني"، وقد كان شرحه، والنقاش الذي دار، فرصة لي للتعرف على مفهوم الحيز، ودور البنى التحتية في تشكيل ليس الآفاق السياسية والاجتماعية والاقتصادية وحسب، بل والوعي والسيكولوجيا أيضا.

ربما هذا ما قادني لاحقا، للنظر لبعض المشاريع القائمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة بعين فاحصة تتجاوز الانبهار –مثلا- بالشكل المعماري الخارجي، ومحاولة فهم ما يعنيه المشروع، من مختلف جوانبه: الموقع الجغرافي الذي يشغله، علاقات العمل التي يتضمنها، طبيعة رأس المال المستخدم وأطرافه، ارتباط ذلك بتسوية أوسلو... وغير ذلك من النقاط التي تستدعي التوقف طويلا لاكتناه معنى كل مشروع بنية تحتية وما يستبطنه من غايات في فضاء الاقتصاد السياسي، ومن ثم علاقة ذلك بالوعي والتشكلات النفسية.

وفي هذا السياق، كنت قد أشرت سابقا إلى علاقة مدينة الروابي بمستوطنة معالي أدوميم، حيث قلت حينها، أن هناك محاولة لتغريب كل ما هو فلسطيني، ببناء مدينة بمواصفات استيطانية، مقابل توطين المستوطنات في المشهد الفلسطيني، وتقف شجرة الزيتون الرومي على مدخل المستوطنة المذكورة في محاولة توطين هذا المعمار الشاذ في المكان... بعد ذلك كنت قد دهشت عندما زرعت بضع نخلات منقولة من مدينة أريحا أمام مقر الرئاسة في رام الله، إلا أن استبدلت بأشجار الزيتون، ومقر الرئاسة هذا نفسه أخذ هيئة عصرية تختلف كثيرا عما كان عليه قبل تدمير معظمه أثناء حصار عرفات، إذ يبدو أن هناك محاولة لترسيخ صورة السيادة، لا السيادة نفسها عبر الإمعان في تضخيم الرموز والصورة، على حساب المعنى والواقع...

تتداعى الأحداث والملاحظات ذات العلاقة، فاليوم يرد خبر على وكالة معا حول خطة فلسطينية لبناء مدينة جديدة بين النويعمة في غور الأردن وقرية رمون (أقصى شرق محافظة رام الله)، حيث ستقوم سلطة الاحتلال الصهيوني بنقل حوالي (2000) دونم من الأراضي المصنفة (ج) من سيطرتها إلى السلطة الفلسطينية بغرض بناء هذه المدينة، أجزاء كبيرة من هذه الأراضي أصلا مملوكة لمواطنين من القرى المجاورة، ربما ستقوم السلطة الفلسطينية لاحقا بتحديد التعويض الذي تراه مناسبا لهم، ومن ثم تمليك الأرض للشركات التي ستبني هذه المدينة (مع العلم أن الروابي هو مشروع فلسطيني- قطري، أو ربما فلسطيني إسرائيلي مغطى بشركة قطرية).

بالنسبة للاحتلال الصهيوني، يأتي ذلك في سياق ما اعتبروه سلاما اقتصاديا، وهو بديلهم المؤقت للتسوية السياسية التي تطالب بها السلطة الفلسطينية، التي وجدت نفسها على أرض الواقع متناغمة مع هذا الطرح، فخطة "انهاء الاحتلال وبناء الدولة" التي تبنتها حكومات فياض المتعاقبة، لم تخرج كثيرا في خطواتها الفعلية عن الرؤية الاقتصادية للسياق الفلسطيني، حتى أن النضال الفلسطيني تحول منذ سنوات، من النضال لإنعتاق من الاحتلال، إلى النضال للانعتاق من القرض البنكي، نتيجة سياسات البنك الدولي التي قدمها فياض بقشرة وطنية واعدة، كمن يدس السم في الدسم.

مرة أخرى، أتذكر تلك الخطة التي تحدث عنها د. قسوم والتي تسمى "القوس"، والتي أعدها أمريكي صهيوني بداية، وتبنتها عدد من المؤسسات التنموية الأجنبية لاحقا، تقضي هذه الخطة ببناء سكة حديد تربط بين مدن الضفة الغربية، وربما تصل إلى غزة، على شكل قوس يحيط بالمدن الفلسطينية القائمة، ويؤسس لبناء مشاريع ومدن جديدة وضواحي سكنية ومناطق صناعية على طول خط سكة الحديد... في تخيل استراتيجي لتحويل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 إلى مجرد منطقة تنموية، مرتبطة بالكامل باقتصاديات الكيان الصهيوني، لكن بغلاف سياسي، فلا بأس إن سميت هذه المنطقة دولة...

أحد المؤسسات التي تبنت الفكرة وعملت على تطويرها، مؤسسة تدعى (رند)، حيث تشير المؤسسة في وثائقها حول المشروع إلى أهمية تطوير البنية التحتية للدولة الفلسطينية المستقبلية، لاستيعاب النمو السكاني السريع (الذي يتم شرحه لاحقا)، حيث تقول الخطة "ينبغي تصور الضفة الغربية كمنطقة حضرية متكاملة من المدن المستقلة ولكن متصلة، مع غزة بوصفه منطقة حضرية في أقصى الجنوب... وتطوير مرافق ساحلية للسياحة ، و إعادة تأهيل كبيرة للمناطق الحضرية في غزة".

خط سكة الحديد المقترح يقع كما تشير الخطة ذاتها على بعد عدة (بدون تحديد) أميال من المراكز الحضرية القائمة (كما تسميها الخطة) في الضفة الغربية، يرافق ذلك شارع عبور، وأنواع متقدمة من الباصات السريعة، وتكمل الخطة "على طول كل شارع، سوف يتم تطوير أحياء تجارية وسكنية جديدة - إلى حد كبير من استثمارات القطاع الخاص - لاستيعاب النمو السكاني...". وتفصل الخطة المشاريع المرافقة، من مناطق سياحية، إلى بوابات عبور مدفوعة، إلى ما تسميه (احتمال) ميناء ومطار في غزة... وصولا إلى اعتبار كل ذلك هو ضمان وجود دولة فلسطينية مترابطة الأوصال.

لاحقا، وبشكل لا مواربة فيه، تبدو معاني الخطة الحقيقية، عندما يتم الحديث عن موضوع اللاجئين، فاتفاق الوضع النهائي كما تراه الخطة لا بد أن يتضمن عودة مئات آلاف اللاجئين من الأردن وسوريا ولبنان، حيث أن وجود مشروع ضخم كالقوس هذا، والمدن الجديدة يمكنه حل مسألة الاستيعاب السكاني لهؤلاء، وتوفير فرص عمل لهم... ما يعني التأكيد على أن الضفة الغربية هي مكان العودة المقترح (حتى قبل التفاوض)، وأن تهيئة البنية الاقتصادية للضفة الغربية يعني منحها القدرة على الاستيعاب الاقتصادي للاجئين، وبالضرورة الاستيعاب السياسي لهم.

في نسخته الأولى، أشار الخبير الأمريكي، إلى أن الضواحي السكنية الجديدة/ المدن ستكون إلى الشرق من المدن الفلسطينية القائمة في الضفة الغربية، ما يعني جغرافيا أنها إلى الشرق من سلسلة الجبال شرقي الضفة... وقد أشار فيما معناه، أن القاطنين الجدد (وهم غالبا من اللاجئين العائدين من المنافي القسرية)، سيكون بوسعهم التمتع بمناظر وادي الأردن الخلابة... نص ملغوم ينطوي على ما بدأنا فيه، وهو إعادة تشكيل الوعي الفلسطيني برمته، ففضلا عن عودة هؤلاء من منافيهم، وغالبيتهم من مدن الساحل الفلسطيني والجليل، فإن مجرد التمتع بنسيم البحر، لو كانوا إلى الغرب من المناطق المقترحة، بات ممنوعا عليهم، ففضائهم المشاهد والنفسي أيضا هو إلى الشرق من قراهم ومدنهم الأصلية، أي وادي نهر الأردن... وربما هنا تأتي مسألة إحياء فكرة الكونفدرالية، حيث ستبدو الأردن، ليست مجرد المتنفس بالمعنى النفسي وحسب، بل بالمعنى السياسي والاقتصادي، وربما الديمغرافي-السياسي أيضا...

هنا تبدو الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، للمجتمع الدولي حكومات ومؤسسات، وللقطاع الخاص الفلسطيني الكمبرادوري بامتياز، وللمؤسسات الممولة والمتمولة، ليست إلا حقلا تجريبيا، لفضاء تنموي ممكن أن يخلق، او يعاد خلقه، حسب السيناريوهات الإسرائيلية المتاحة... وعليه، تبدو جميع المتغيرات التي شهدها الحيز الفلسطيني منذ ثلاثة عقود، ما هي إلا اجتهادات لم تخرج عن خطة ألون عام 1967

 

*باحث ومتخصص بالشؤون السياسية